أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كنانة خلف الكردي - لا تُسقط الدولَ العربية أزماتها… بل تُسقطها حين تجعل المواطن يدفع ثمن فشلها














المزيد.....

لا تُسقط الدولَ العربية أزماتها… بل تُسقطها حين تجعل المواطن يدفع ثمن فشلها


كنانة خلف الكردي

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 09:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست المشكلة الكبرى أن تكون الدولة فقيرة، أو أن تمر بأزمة اقتصادية، أو أن تواجه مرحلة سياسية مضطربة؛ فالتاريخ مليء بدول عاشت الحروب والانهيارات والعقوبات والكوارث، ثم استطاعت أن تعيد بناء نفسها. المشكلة تبدأ عندما تتحول أزمة الدولة إلى عبء يُلقى على المواطن، ويصبح المواطن هو الحلقة التي تدفع ثمن فشل السياسات العامة.

هناك فرق جوهري بين دولة تواجه أزمة، ودولة تعاقب مواطنيها بسبب الأزمة. الأولى تبحث عن حلول وتوزع الأعباء بعدالة، أما الثانية فتبدأ برفع الأسعار والضرائب والرسوم، وتخفيض الخدمات، وتقييد الحركة الاقتصادية، ثم تطلب من المواطن أن يتحمل المزيد، بينما تبقى آليات الإدارة والرقابة وصناعة القرار على حالها.

وهنا تتحول الأزمة الاقتصادية من مشكلة مالية إلى أزمة ثقة سياسية.

الدولة لا تُقاس فقط بحجم مواردها، بل بقدرتها على إدارة ندرتها. ففي أوقات الرخاء تستطيع المؤسسات إخفاء الكثير من عيوبها، أما في أوقات الأزمات فتظهر حقيقة الإدارة: هل تعرف أين تذهب الموارد؟ هل تستطيع ضبط الأسواق؟ هل تملك معلومات دقيقة؟ هل تتواصل مع الناس؟ وهل تتخذ قراراتها بناءً على دراسة أم كرد فعل للضغط اللحظي؟

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتعامل الدولة مع المواطن باعتباره المشكلة، بدل أن تنظر إلى الخلل في النظام الاقتصادي والإداري بوصفه المشكلة.

عندما ترتفع أسعار الطاقة، مثلاً ، لا تنحصر آثار القرار في سعر الوقود. فالوقود يدخل في النقل والإنتاج والزراعة والصناعة والخدمات، وبالتالي فإن الزيادة تنتقل سريعًا إلى أسعار الغذاء والسلع وأجور النقل. وإذا لم ترافق القرارَ شبكة حماية اجتماعية ورقابة حقيقية، فإن السوق قد يتحول إلى مساحة لاستغلال الأزمة، ويظهر تجار الأزمات والسوق السوداء والاحتكار.

عندها لا يعود المواطن يواجه قراراً اقتصادياً واحداً ، بل سلسلة متتابعة من الأعباء.

أما سياسياً ، فإن أخطر الأخطاء هو الاعتقاد بأن قدرة الناس على التحمل بلا حدود. المواطن قد يصبر على الفقر، وقد يتحمل نقص الخدمات، وقد يقبل بإجراءات صعبة إذا شعر أن الدولة صادقة وعادلة وأن المسؤولين يشاركونه العبء نفسه. لكنه يصبح أكثر غضباً عندما يرى أن التضحيات مطلوبة منه وحده، بينما لا يرى إصلاحًا موازيًا داخل المؤسسات.

وهنا تظهر قاعدة استراتيجية مهمة:

الأزمات الاقتصادية لا تُسقط الحكومات وحدها؛ الذي يسقط الثقة هو شعور المواطن بأن الدولة لا ترى معاناته.

لذلك فإن الدول التي تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى إدارة سياسية للأزمة الاقتصادية، لا إلى إدارة مالية فقط. فالقرار الاقتصادي يجب أن يسبقه تقدير لتداعياته الاجتماعية والسياسية، وأن يترافق مع خطة اتصال واضحة تشرح للناس لماذا اتُخذ، وما مدته، ومن سيتحمل تكلفته، وما الإجراءات التي ستحمي الفئات الأكثر ضعفًا.

الدولة القوية ليست الدولة التي لا ترتكب الأخطاء، بل الدولة التي تكتشف الخطأ مبكراً وتصححه قبل أن يتحول إلى أزمة عامة.

ومن هنا تصبح الرقابة، والإحصاء، والإنذار المبكر، والشفافية، والإعلام الحكومي الفعّال، جزءاً من الأمن الوطني، وليست أدوات إدارية ثانوية.

كما أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح إذا لم يترافق مع إصلاح إداري. فلا معنى لفتح السوق إذا كانت الرقابة ضعيفة، ولا معنى لتحرير الأسعار إذا كانت المنافسة غير عادلة، ولا معنى لتحميل المواطن كلفة الإصلاح إذا لم يرَ في المقابل إصلاحًا حقيقيًا في مؤسسات الدولة.

إن الدولة التي تريد عبور الأزمة تحتاج إلى عقد واضح مع مواطنيها: نحن نطلب منكم التحمل، لكننا في المقابل نتحمل مسؤوليتنا في الإصلاح.

وهذا هو الفارق بين دولة تدير أزمة ودولة تنتج أزمة.

في النهاية، لا ينبغي لأي دولة أن تعاقب مواطنيها على ضعفها الاقتصادي أو السياسي. فالمواطن ليس مسؤولًا عن أخطاء السياسات العامة، لكنه أول من يدفع ثمنها عندما تتراكم. ولذلك فإن حماية المواطن في زمن الأزمة ليست منّة، بل وظيفة أساسية للدولة.

فالاقتصاد قد ينهار ويُعاد بناؤه، والمؤسسات قد تتعثر وتُصلح، أما انهيار الثقة بين الدولة والمجتمع، فإعادة بنائه تحتاج إلى سنوات طويلة.

ولهذا فإن الحكمة السياسية في زمن الأزمات ليست في مطالبة المواطن بأن يتحمل أكثر، بل في أن تجعل الدولة نفسها أكثر كفاءة، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على الاستماع والتصحيح.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحوثيون يرفعون سقف النار.. والساحل الغربي يتحول إلى اختبار ...
- الشرق الأوسط يتغير بصمت… إيران تتآكل، روسيا تنكمش، وتركيا تت ...


المزيد.....




- بدلة عسكرية وفستان دانتيل..براد بيت وحبيبته بإطلالتين متناقض ...
- قاليباف يبرز -انتهاء- النظام العالمي أحادي القطبية مستندا إل ...
- السعودية.. خارجية أمريكا توافق على صفقة أسلحة وطائرات F35 مح ...
- زيت جوز الهند البكر يحمي الدماغ من التغيرات المرتبطة بالتوتر ...
- رئيس كوريا الجنوبية: قمة محتملة بين ترامب وكيم خلال الأشهر ا ...
- - لن تطأ قدماه غزة-.. كاتس يهاجم أردوغان ويقترح نقل أعضاء حم ...
- -كل الاحتمالات واردة-.. ترامب: سأتّخذ قريباً قراراً حاسماً ب ...
- المنظمة الدولية للهجرة ترصد تراجع الوافدين بحرًا إلى أوروبا ...
- بسبب الأمطار الغزيرة.. تونس ترفع مستوى الإنذار وتعلّق الدراس ...
- ZTE تعلن عن أفضل هواتفها


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كنانة خلف الكردي - لا تُسقط الدولَ العربية أزماتها… بل تُسقطها حين تجعل المواطن يدفع ثمن فشلها