أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي محمد اليوسف - ماهو الجوهر الفلسفي؟















المزيد.....

ماهو الجوهر الفلسفي؟


علي محمد اليوسف
كاتب وباحث في الفلسفة الغربية المعاصرة لي اكثر من 22 مؤلفا فلسفيا

(Ali M.alyousif)


الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 15:53
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الجوهر هو الماهيّة التي تجعل من الموجود كينونة مدركة بكمالها, الكينونة موجود بلا ماهية تطال كائنات الطبيعة ما عدا الانسان. كل مدرك وجودي مادي وغير مادي ندركه من حولنا بصفاته الخارجية فقط وتبقى مسألة الجوهر فرضية لم يستطع أحدا البرهان عليها.
لا بد لنا الاجابة عن تساؤل مشروع هو لماذا يمتلك الانسان جوهرا هي غير صفاته الخارجية؟ جواب هذا التساؤل كان سبقنا به سارتر معتبرا الجوهر ليس معطى جاهزا يرثه الانسان بالفطرة الولادية, ويحتجب خلف الصفات الخارجية للانسان, بل الجوهر هو عملية تصنيع ذاتي غائي يقوم على تراكمات من التجارب والخبرات المكتسبة من الحياة والمحيط التي تختلف من شخص لآخر, فلا يوجد شخصان يمتلكان جوهرين متشابهين حتى لو كانا توأم بالولادة الفكرية يمتلكان نفس الملامح الخارجية لكنما كل واحد منهما يصنع ماهيته الشخصية به منفردا عن الاخر..
وجوهر أي فرد هو جوهر لا يدركه ولا يعيه شخصا آخر غير صاحبه. لذا ما ندركه بالانسان (كينونة) موجودية هي صفاته الخارجية ودواخله النفسية التي إتخذت حالة السلوك الفردي أو المجتمعي. وما عدا ذلك يدخل ضمن جوهر الانسان المتفرّد به وحده. مثل إمتلاك الضمير, حب الخير, العواطف والوجدانات, الاخلاق الخ من تجليّات نفسية ندركها بسلوك الشخص وتصرفاته بالحياة.
سؤال إشكالي آخر هو مالفرق بين الجوهر في مذهب وحدة الوجود لدى الصوفية وبعض الفرق الدينية من جهة, والجوهر الذي يمتلكه الانسان غير المحتاج البرهنة الايمانية الدينية ليمتلك جوهره الماهوي؟ الجواب نلخصه بالتالي:
إنتهينا في أسطر سابقة أن جوهر الانسان خاصية إنفرادية ليس على مستوى الاختلاف مع الكائنات الحية بالطبيعة التي لا تمتلك جوهرا أبعد من صفاتها الخارجية. لكن هل يلتقي جوهر الانسان بجوهر الخالق الذي يعتبره اسبينوزا وصوفية مذهب وحدة الوجود, مستمدا من جوهرالخالق الخالد الازلي الله.؟ الجواب قطعا بالنفي ولماذا ؟ جوهر الانسان تكوين خبراتي مادي مكتسب من مدركات الطبيعة والمحيط والحياة, فهو جوهرمصدر خلقته الطبيعة والحياة في تصنيع الانسان له, لذا فهو لا رابط روحي ولا صفاتي ولا ماهوي له مع الجوهر الازلي الخالق لكل موجود.
الله لا يوزع صفاته على موجودات الطبيعة التي يمكن للانسان أن يدركها بعقليته المحدودة. وكذا لا يوزّع بعضا من جوهره الالهي على الانسان أو كائنات وموجودات في الطبيعة لأن إدراك تلك الجواهر من قبل الانسان تبيح الطريق له معرفة ألاكثر من جوهر الخالق وهو محال عقليا قبل ان يكون محذورا دينيا. .
فالعقل الانساني مبرمج على قدرة إستيعاب إدراكية لا تتعدى حدود ما يمكن ومسموح به إدراكه من الطبيعة وقوانين فيزيائية لا أكثر من ذلك. بمعزل تام عن الجوهر الالهي وتجريد الجوهر عن الموجود محال معرفته قبل محال إمكانية فصله.
حسب طرح اسبينوزا حول الجوهر, لم يقل أن كل شيء بالطبيعة يحمل جوهر خالقه, فجوهر الخالق إستدلال شمولي مطلق لامتناهي لا يدرك وبدلالة هذا الجوهر نعرف وندرك الوجود بموجوداته.
سابقا كان الفلاسفة يبحثون عن جواهر الاشياء الدفينة خلف صفاتها الخارجية البائنة المدركة ولم يجدوا شيئا, لذا اسبينوزا قلب المعادلة قوله بدلالة الجوهر ندرك الوجود. بمعنى نسف كل الفلسفات المادية التي ترى الوجود سابق على الجوهر, والاولية للوجود قبل الماهية لم تعد تقنع اسبينوزا الذي زرع بذرته بدلالة الجوهر الالهي ندرك الوجود قبل ظهور مبدأ الوجودية الانسان يوجد اولا ومن ثم تتكون ماهيته الجوهرية..
أما إذا كان برجسون وباشلار يريان الجوهر يزامن النفس ويلازمها لدى الانسان فهو رأي مقبول بإشتراط ملزم يفرض نفسه, هو أن يكون جوهر الانسان مدركا بدلالة إدراك النفس لذاتها قبل إدراك العقل للجوهر.
وفي كلا الافتراضين محال معرفي إدراكي عقلي. الوجود يعرف بدلالة جوهر(لامادي) يبقى طرحا ميتافيزيقيا ومادة نقاشية يطول حسمها. علما أن اسبينوزا كما مر بنا يؤمن بهذا المبدأ في حال معرفة تبعية إدراك الوجود بدلالة جوهر الهي لا يدرك جوهر خالق الوجود ولم يخلق جوهره ولا وجوده أحد.
أما أن الجوهر يكون إستدلالا عن نفس تعي ذاتها كنوع – الانسان فقط - فهذا ليس له علاقة إستنساخ من غيره على إفتراض مشكوك به هو أن يكون لموجودات الطبيعة جواهرا هي غير صفاتها الخارجية. كل موجودات الطبيعة هي صفات خارجية لا تمتلك جواهر مستقلة عن صفاتها باستثناء الانسان فهو يمتلك صفات خارجية مدركة لا تمثل ماهيته.
الجوهر الزماني النفسي
حسب تعبير باشلار على لسان برجسون يرى مخزون الجوهر القيمي هو أسمى في التعالي وأكثر بألامكانيات من الوجود, كلام مسؤول البرهنة على صدقيته. تعبير باشلار هذا وتعبيرات فلاسفة عديدين لا يحصى عددهم المليئة كتبهم ومقالاتهم الفلسفية بتهويمات لا معنى لها يلجأنا بالضرورة العودة الى مرجعية فلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية فائض المعنى ومباحث علوم اللغة واللسانيات, رغم كل السلبيات والإحباطات التي اصابتها في مفاصل قاتلة, إلا أننا مع كل ذلك نعتبرها قارب النجاة لتخليصنا من طلاسم لغوية المفروض بها أن تتسم بالوضوح الكافي وتعبّر عن معرفة رصينة يدعمها إدراك العقل. وكان فلاسفة اللغة غير المتطرفين في منتهى العبقرية حين رفضوا أن تبقى الفلسفة كما هي عبر قرون طويلة تجريدا فلسفيا عصّيا على الإستقبال في إنغلاق لغة التعبير الفلسفي على نفسها بغموض تجريدي يخلط الاخضر واليابس.
باشلار الذي عرفناه فيلسوفا ذي نزعة علمية في الفلسفة ودعوته الى تكامل يخدم العلم والفلسفة نجده يقع في كتابة تعابير فلسفية غريبة متهالكة المعنى مثل قوله " لن نفهم جيدا دلالة ومدى النقد البرجسوني الدقيق إلا إذا وقفنا بعناية في المضمار المثالي لمعرفة الوجود الانطولوجي " ومضيفا " وعلى هذا النحو يحضر الحوار المتصل أبدا بين الروح والاشياء. وهكذا تكون القاطرة المتواصلة التي تجعلنا نشعر بالجوهر في ذاتنا على مستوى الحدس الحميم, رغم تناقضات الإختبار الخارجي "4.
هذه التعبيرات وغيرها التي تجد حوارا بين الروح والاشياء بعيدا عن البعد الانطولوجي والعلم الذي هو حقيقة ألاشياء في وجودها, وكذلك في إنزال الروح من حقيقة اللاجوهرالتي لا يمكننا إدراك تلك الروح أنها تقود القاطرة التي تجعلنا نشعر بالجوهر في ذاتنا على مستوى الحدس الحميم رغم تناقضات الاختبار الخارجي.
أي أن هذه العلاقة بين الروح والاشياء التي تشعرنا بجوهرنا لا نقول خاطئة تماما حيث علاقة المكان بالنفس تخلق تداعيات غير مسبوقة وتستدعي تداعيات أخرى من الذاكرة بما يجعل النفس حالة من الانتشاء المريح للنفس ولا يبعث حقيقة جوهرنا المبالغ به. إستقدام الروح بدل الشعور النفسي الدخول في حوار مع الاشياء غير موفق, الروح لا تتعامل مع المادي بل تتعامل مع ما هو متعالي على الوجود والمادة, لذا تدخل النفس بعلاقة حميمية مؤنسة مع الاشياء وارد جدا ولا ينطبق على الروح ولا يمنحنا حقيقة الشعور بجوهرنا..الجوهر يختلف عن الروح أنه صفات مدركة من صاحبها, بينما الروح هي غير النفس اولا , وثانيا الروح جوهر غير مدرك حتى بعد موت الجسم وفنائه, ومقولة الروح تغادر الجسم حال وفاته تحتاج دليل برهاني لا يمكن تعويضه بمشاعر نفسية انطباعية تجريدية وسلوكية.
وعندما ربط باشلار بين حوار الروح والاشياء سرعان ما استدرك قوله " هذا الحوار يجعلنا التسليم بحدس حميم متناقض على مستوى الإختبار الواقعي المادي الخارجي".
لا أعتقد نحتاج تفنيد أكثر ما موجود في عبارة باشلار نفسه من حيث أن حوار الروح مع الاشياء لا يمنحنا جوهرنا الذي يناقضه الواقع الخارجي. وتحقيق الإفتراض أن يكون للنفس وليس للروح جوهرا يعبر عن نفسه بمنأى تقاطعه مع الواقع المادي الخارجي الذي يدحضه أمر مفروغ التسليم به يقرّه باشلار نفسه بعبارته الإستدركية التي اشرنا لها...
يقول باشلار" عندما لا أعترف بالواقع فذلك لأني مستغرق في الذكريات التي طبعها الواقع ذاته في نفسي, ولأنني إستدرت نحو ذاتي " 5
هنا ينزلنا باشلار من التحليق الروحي النفسي معه الى حوار مشترك مع الاشياء. إلا أن الواقع هو مصدر إنطباعات الذكريات ما يغني عن الواقع ذاته الذي لا يعترف به باشلار, الذي تفرض الاستعاضة عنه إستدارة فيلسوفنا باشلار نحو الذات التي إنطبعت كل ذكريات الواقع عليه.
إذا كانت أفكار باشلار التي مررنا بها تقود الى تحقق علاقة روحية بين النفس والذات كمستودع إحتواء لذكريات جميلة بديلا عن الواقع لكنها المستمّدة منه . هذه العلاقة إنما تكون في تعالق النفس مع الخيال والذاكرة وليس مع الجوهر الذي هو تراكم خبرة معرفية.
وكل توجه وتفكير مثالي في التعبير عنه, مقولات , موجودات, علاقات, سيرورة في الواقع المادي للاشياء لا قيمة حقيقية لها لا على مستوى التفكير الفلسفي, ولا على مستوى علم النفس التقليدي. وتبقى الذكريات التي يستعيدها مخزون الذات بشكل نوازع ورغبات نفسية تحاول تطويع تناقضها الخيالي مع تصادمها بالواقع, ومدركات العقل المادية الى مشاعر وعواطف وإنفعالات في مرجعية النفس لها وليس في مرجعية العقل لها.

الهوامش: 1, 2, 3, 4, 5, جاستون باشلار/ جماليات المكان /ترجمة خليل احمد خليل/ ص16 – ص18.



#علي_محمد_اليوسف (هاشتاغ)       Ali_M.alyousif#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوجود التمدد والنسيان
- الوجود التمدد والنقصان
- اللغة والمعنى
- الطبيعة وميتافيزيقا التديّن
- ثنائية الوجود / سارتر وهيدجر
- الصورة والكينونة / الادراك والزمن
- ميتافيزيقا الفلسفة
- الثنائية الوجودية /الماهية والوجود
- الحقيقة الفلسفية / الوهم والواقع
- التفكيكية في اللغة والنص استراتيجية زائفة
- التسليع اللاانساني للحياة المعاصرة
- التفكيكية وهم المعنى باللغة
- النقصان والوجود
- مداخلات فلسفية
- الصورة والمحتوى / الحس والادراك
- اغتراب اللغة في الصوفية والتفكيكية
- التوسير ومحولة الاجهاز على كتاب راس المال
- التوسير والماركسية
- التحقيب والقطوعات في الزمن
- اللغة / العقل والادراك


المزيد.....




- مصر.. رفع الفائدة الأمريكية يختبر تدفقات الاستثمار وخبراء يك ...
- إيران تعيد بناء منشأة -طالقان 2- النووية في مجمع بارتشين الع ...
- ترامب يعلن عن قرار كبير وحاسم بشأن إيران ينوي مناقشته مع قاد ...
- الجيش السوداني يعلن عن تقدم جديد لقواته في شمال كردفان
- هل تحضر واشنطن لعمل عسكري ضد العراق؟
- مسؤول أممي: الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية يجب أن تت ...
- تقرير عبري: الشرع يحوّل موارد سوريا إلى سباق تسلح ويراهن على ...
- وفد عسكري مصري رفيع يزور الصومال
- إيران تبدي امتنانها لروسيا والصين لموقفهما في مجلس الأمن ضد ...
- عبدالعليم داود يتقدم بسؤال بشأن أزمة حجز الوحدات السكنية للم ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي محمد اليوسف - ماهو الجوهر الفلسفي؟