جبران نجم الدين
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 01:13
المحور:
مقابلات و حوارات
ما زلت أحاور الرفيق عاطف زيد الكيلاني حول أهم العوامل التي ساهمت بقليل أو كثير في تشكيل شخصيته وقناعاته الفكرية ...
= = حول تأثير النكسة ( حزيران 1967 ) والانتقال من يعبد القرية الوادعة في ريف مدينة جنين إلى مدينة كبيرة كالزرقاء:
السؤال الثاني : حدثني عن الأيام الأولى للإحتلال الصهيوني لبلدة يعبد وللضفة الغربية بشكل عام
الجواب:
فجر السادس من حزيران، دخلت قوات الإحتلال الصهيوني إلى بلدتنا ( يعبد ) من عدة جهات بعد أن سجّل بعض أفراد الجيش العربي الأردني ملاحم بطولية في التصدي للقوات المهاجمة خصوصا من الجهة الشمالية، أي من جهة طورة الشرقية وشجرة العروس ونزلة الشيخ زيد.
وأذكر ( ليلة 5/6 حزيران )، أن رتلا كبيرا من دبابات العدوّ الصهيوني اصطفّ على طول الطريق بين شجرة العروس بالقرب من طورة الشرقية وحتى نزلة الشيخ زيد موجهة فوّهات مدافعها نحو يعبد ، حيث أمطرتها بوابل من القذائف وبشكل عشوائي مما تسبب في سقوط العديد من الشهداء من أبناء البلدة ، وكان من بينهم عدد من زملائي بالدراسة ومن أقاربي وأصدقائي. كما أن الطيران الحربي للعدوّ شنّ عدة غارات في نفس الليلة على مختلف أنحاء البلدة مما ضاعف الخسائر البشرية وعدد الشهداء.
وكما ذكرت آنفا ، ومع خيوط الفجر الأولى ليوم 6 حزيران بدأنا نرى جنود العدو في كل شوارع البلدة وأزقتها يدخلون بيوت البلدة ويعتقلون كل من يعثرون عليه من شباب ورجال البلدة.
تجمّع المعتقلون من كافة أنحاء البلدة في مدرسة وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين تحت حراسة مشددة من أفراد جيش العدو الصهيوني المصحوب بالتهديد والوعيد والإرهاب النفسي والجسدي.
التقيت هناك بالعديد من زملائي في المدرسة ومن أساتذتي ومن بعض الأقارب والأصدقاء والمعارف.
بقينا محتجزين هناك لمدة ثلاثة أيام بليلتين، حيث أفرجوا عنا بعد أن أجبروا الجميع على توقيع تعهد صارم بالإمتثال لأوامرهم وما يصدرونه من تعليمات احتلالية.
ربما كانت تلك الأيام الثلاثة الأولى بعد الخامس من حزيران هي أهم منعطف في حياتي والتي جعلتني أعيد النظر في كل شيء من حولي.
أسئلة كثيرة كنت أبحث لها عن إجابات، فلا أجد سوى اليباب.
= لماذا حدث كل ما حدث وبالصورة التي لم نكن نتصورها لتحدث؟
= كيف تترك القرى الأمامية دون سلاح فرديّ على الأقلّ بيد كلّ قادر على حمله؟
= أين الجيوش العربية؟ وماذا كانت تفعل كل تلك الجيوش طوال 20 عاما بعد نكبة 1948؟
= طيّب، وما العمل الآن بعد أن وقع الفأس بالرأس وأصبحنا تحت الإحتلال الصهيوني المباشر؟
وأسئلة أخرى كثيرة راودتني وحاولت إيجاد أجوبة شافية لها ، ولكن دون جدوى.
تمرّ الأيّام بطيئة، ثقيلة، لزجة ومملّة، والإحتلال يحاول تثبيت أقدامه ، ليس فقط في بلدتنا يعبد، ولكن في كل أنحاء الضفة الغربية.
كنت قد قرأت بشكل متقطّع عن بعض تجارب الشعوب في مختلف أنحاء العالم في التصدي للقوى الإستعمارية ، وربما أكون قد حصلت على بعض التثقيف السياسي من خلال انتسابي لحركة القوميين العرب قبل أشهر قليلة أو قبل سنة من نكسة حزيران، وقد أتاح لي ذلك الإطلاع على مجلّة " الحريّة "، التي يصل منها عدة أعداد إلى يعبد.
أعني، أني بالتأكيد كنت أكثر وعيا سياسيا من أبناء جيلي ومن هم في مثل عمري.
وهنا يجب أن أذكر بأني كنت حريصا على مجالسة من هم أكبر مني عمرا ممّن يتعاطون السياسة ، خصوصا من خلال ( تطفّلي ) بحضور جانب من تلك الإجتماعات لمسؤولي حركة القوميين العرب في منطقة جنين التي كانت تتمّ في بيت أبناء عمّتي، وكان يأتي لحضورها بعض من أصبحوا لاحقا قادة في التنظيمات الفلسطينية التي انبثقت عن حركة القومين العرب، وأذكر منهم الشهيد مصطفى الزبري وصالح رأفت وسالم اليافاوي وعصام عبد اللطيف وآخرون.
بعد 25 يوما من الإحتلال ، أي بتاريخ 1/ تموز/ 1967 غادرت كما ذكرت مع العائلة إلى مدينة الزرقاء ، باحثا عن أجوبة للأسئلة الكثيرة التي أطرحها على نفسي في كل لحظة وحين.
• السؤال الثالث * : كيف أثر الانتقال الفجائي من بلدتك الصغيرة يعبد إلى المدينة الكبيرة الزرقاء عقب حرب 1967 على مشاعرك الوطنية وبدايات تشكّل وعيك السياسي؟
• * الجواب:
اجتمع شمل العائلة في مدينة الزرقاء التي كانت بالنسبة لي مدينة كبيرة متنوّعة السكان من حيث الأصول والمنابت بما يرافق ذلك بالضرورة من اختلاف اللهجات وربما بعض العادات والتقاليد.
كان من السهل عليّ أن أتأقلم بسرعة مع حياتي الجديدة في هذه المدينة الكبيرة ، كان عليّ الإلتحاق بالمدرسة الثانوية الوحيدة ( مدرسة الزرقاء الثانوية للبنين )، والتي استحدث فيها فترة مسائية لالتحاق أبناء النازحين بها.
بدأت الدراسة في شهر أيلول / 1967 ولكنها لم تكن منتظمة بشكل كامل بسبب ما اعترى تلك الفترة الزمنية من فوضى على كلّ الأصعدة ، كان من الصعب فعلا السيطرة عليها.
في أواخر عام 1967 بدأت مظاهر الحياة في الزرقاء وكلّ الأردن بشكل عام تختلف عما كانت عليه.
بدأنا نرى مسلّحين علنا في الشوارع، وعرفنا لاحقا أن هؤلاء هم الفدائيون الفلسطينيون، وكانوا كل يوم يزيد عددهم عن اليوم الذي سبقه.
بدأ تنظيم القوميين العرب يلملم أشتات ذاته محاولا أن يجد له مكانا في ظل كل هذه الفوضى.
في تلك الفترة، بل وحتى أنهيت دراستي الثانوية خريف عام 1969 ، كنت أكثر اهتماما بالمطالعة والقراءة المكثّفة حول التطوّرات السياسية بالمنطقة العربية وكذلك كنت أتابع بإعجاب شديد وبشغف شديد أيضا ما يقوم به الفدائيون الفلسطينيون من عمليات فدائية بطولية داخل فلسطين المحتلة وعلى امتداد نهر الأردن.
صيف عام 1968 التحقت بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتدرّبت على السلاح الخفيف في قاعدة صغيرة محدودة الإمكانيات والموارد ، وكانت تقع على سيل الزرقاء.
طبعا ، لا بد من التنويه هنا أني تأثّرت جدا بما كانت تحققه حركات التحرر في مختلف أنحاء المعمورة من انتصارات عل القوى الإمبريالية، وما لفت نظري ووقفت أمامه بتأمّل شديد هو أن كل تلك الحركات كانت تقودها قوى وأحزاب ماركسيّة، وقد لمع اسم المناضل الأممي أرنستو تشي غيفارا، وفرحت بحصول اليمن الجنوبي على استقلاله بقيادة الجبهة القومية ( الجناح اليمني لحركة القوميين العرب )، والتي سرعان ما تخلّصت من القيادة اليمينية ( قحطان الشعبي ومحمد علي هيثم ) ليكون الجناح اليساري الماركسي ( عبد الفتاح اسماعيل وسالم ربيّع علي ) هو من يحكم اليمن ( الديمقراطي ).
وطبعا ترافق كل ذلك مع انتصارات مذهلة لثوار فييتنام على الإمبرياليين الأمريكان ، وأصبح حتى ابن الشارع في الأردن يسمع بإسم الجنرال جياب والرئيس هوشي منه وغيرهما من قادة النضال الفييتنامي.
من هنا، كان انحيازي لما أطلق عليه الجناح اليساري في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والذي عرف لاحقا بإسم الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين، ثم في ما بعد بالجبهة الديمقراطية، أمرا مفروغا منه، ولكني بقيت بالعمل السياسي وليس العسكري، ربما بسبب إصراري على الإنتهاء من الدراسة الثانوية والحصول على شهادة التوجيهي العلمي التي تؤهلني للإلتحاق بالجامعة.
هكذا إذن انقضى عامان على النكسة وأنهيت دراستي الثانوية بنجاح أهّلني للحصول على قبول في جامعة بغداد – كلية الزراعة، وهكذا كان ، إذ التحقت خلال أيلول 1969 بجامعة بغداد .
وهنا أستدرك لأقول أن سنتي 1968 و 1969 هما العامان المؤسسان - إن جاز التعبير - لتكوين وعيي السياسي الحقيقي، وما نتج عنه من التزام بقضايا الوطن بكل مسؤولية، وعلى الصعيد الإجتماعي بقضايا الفقراء والكادحين والمهمّشين.
يتبع .... (3)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟