عبد الله أبويه
طالب باحث من المغرب
(Abdellah Oubouyh)
الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 22:42
المحور:
الادب والفن
جراح السرد لمحمد الداهي : حين تستعيد الكتابة ما جرحه التاريخ
يضعنا كتاب جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة لمحمد الداهي أمام سؤال يتجاوز النقد الأدبي في معناه الضيق: ماذا يبقى من الاستعمار والحرب والاحتلال بعد أن تنتهي الوقائع نفسها؟ قد تنسحب الجيوش، وتتغير الأنظمة السياسية، وتطوى مراحل كاملة من التاريخ، لكن الصور التي صنعتها تلك المراحل لا تختفي بالضرورة؛ تستمر في الذاكرة وفي اللغة وفي الطريقة التي ترى بها جماعة جماعة أخرى، من هنا تبدو نقطة انطلاق الكتاب واضحة منذ مقدمته، حين يقرر الداهي أنه "لا يمكن أن توجد الأنا بدون الآخر، والعكس صحيح" فليست الغيرية في نظر الكاتب علاقة خارجية بالذات، بل هي جزء من تكوينها، غير أن هذه العلاقة تصبح أكثر تعقيدا حين يدخل إليها الاستعمار أو الاحتلال أو التفوق الثقافي، فيتحول الآخر من شريك في تشكيل الهوية إلى سلطة تفرض صورا وأحكاما وتمثلات.
هذا ما يحاول القسم الأول من الكتاب، الموسوم بـصدمة الإمبراطورية (الغيرية المتعددة) أن يرصده في متون مختلفة، فالصدمة لا تتخذ شكلا واحدا، كما أن الجرح ليس جسديا دائما، في رواية الحي اللاتيني لسهيل إدريس، مثلا، تصبح العلاقة بالمرأة الغربية محملة بتاريخ سابق من التوتر بين الشرق والغرب، فالحب نفسه لا يستطيع أن يمحو الصور التي يحملها كل طرف عن الآخر، أما في سيرة فدوى طوقان فتتجاوز الكتابة حدود التجربة الفردية لتصبح جزءا من ذاكرة فلسطين، إذ تختلط حياة الشاعرة بالاحتلال والنكبة والهزيمة والمقاومة، ومن أكثر العبارات تعبيرا عن طبيعة هذه العلاقة قول فدوى، كما يستحضره الداهي: "لست أكرههم كيهود، لكني أكرههم كمحتلين" وتكمن أهمية هذه العبارة في كونها تفصل بين هوية الآخر وبين موقعه في علاقة القوة، فلا تجعل الكراهية مرتبطة بالعرق أو الدين، وإنما بالفعل الذي يمارسه الآخر وبالمكان الذي يحتله في التاريخ.
ويتعمق السؤال أكثر في الفصل الذي خصصه الداهي لـشعرية الذاكرة الجريحة، فالذاكرة هنا لا تعني استعادة الماضي كما وقع بصورة آلية، وإنما تعني إعادة بنائه، وما نتذكره يتأثر بالزمن وبالحاضر وبموقع الشخص الذي يتذكر، ولهذا جاءت قراءته لأعمال عبد الله العروي وعبد الغني أبو العزم وعبد الهادي الشرايبي لتبين أن الفترة التاريخية نفسها يمكن أن تنتج أكثر من حكاية وأكثر من ذاكرة، بهذا المعنى لا تكون الكتابة مجرد مخزن للأحداث، بل تصبح طريقة لتنظيم الماضي وإعطائه شكلا، وهذا ما أثاره الكاتب في دراسته لرواية حروب الكوم لمحمد المعزوز، فالرواية تستعيد تجربة جنود مغاربة شاركوا في تحرير فرنسا وأوروبا وهم قادمون من بلد خاضع للاستعمار الفرنسي نفسه، وتتجلى المفارقة هنا في أن من كان مستعمَرا ساهم في تحرير المستعمِر، بينما ظل حضوره في كثير من الأحيان هامشيا في السرديات الكبرى للحرب، لذلك تصبح الرواية وسيلة لإعادة بعض المنسيين إلى الواجهة، لا لكي تلغي التاريخ، بل لكي تكشف ما لم يقله كاملاً.
ويختتم الداهي القسم الأول بالفصل المعنون بصورة العراق بين عبثية الحروب والأمل المنشود من خلال رواية جاسم الرصيف رؤوس الحرية المكيَّسة، وهنا يأخذ الجرح شكلا أكثر تركيبا، لأن معاناة العراقي لا ترتبط بسبب واحد، بل تتقاطع فيها آثار الاستبداد الداخلي والحروب والحصار والاحتلال الأمريكي والانقسام المجتمعي، ويظهر هذا التعقيد في تعدد مسارات الحكاية والشخصيات وزوايا النظر والأصوات الإيديولوجية، بحيث لا يقدم العراق من خلال خطاب واحد أو موقف جاهز، بل من خلال مجتمع أنهكته صراعات متراكمة، والمفارقة التي يلتقطها الداهي أن سقوط الاستبداد لم يؤد تلقائيا إلى الحرية فقد ظلت هذه الأخيرة معلقة بواقع الاحتلال واختلال المؤسسات والتوترات السياسية، ومع ذلك لا تنتهي الرواية إلى اليأس الكامل، لأن الأمل المنشود يظل مرتبطا باستعادة السيادة وبناء المؤسسات وتحقيق العدالة والحياة الكريمة.
وبذلك ينتهي القسم الأول وقد تتبع محمد الداهي فيه الجرح في صور متعددة: من توتر العلاقة بين الشرق والغرب، إلى جرح الاحتلال الفلسطيني، فالذاكرة الاستعمارية المغربية، وذاكرة الجنود المغاربة المهمشة، وصولا إلى الحالة العراقية التي تتداخل فيها الحرب والاستبداد والاحتلال، و لا يكتفي برصد ما خلفته هذه التجارب من آثار في الذاكرة والهوية، بل ينتقل في قسمه الثاني: الرد بالكتابة على الإمبراطورية إلى الوجه المقابل للمسألة: كيف يمكن للسرد أن يراجع الصور والخطابات التي أسهمت في إنتاج تلك الجراح أو في ترسيخها؟ ومن هنا يصبح الانتقال من الصدمة إلى الرد؛ انتقالا من تشخيص أثر الهيمنة إلى مساءلة الوسائل التي تستطيع بها الكتابة مقاومة هذا الأثر واستعادة حق الذات في تمثيل نفسها.
ولذلك لم يكن من المصادفة أن يستهل الداهي هذا القسم بدراسة صورة المغربي في الرواية الكولونيالية عند موريس لوغلاي؛ فالرد على الهيمنة يقتضي، في مرحلة أولى، الكشف عن الخطاب الذي منحها شرعيتها، فالاستعمار لم يكتف بالسيطرة على الأرض، بل أنتج أيضا صورا عن السكان، وقدّم المغربي في بعض النصوص بوصفه متخلفا أو بدائيا أو محتاجا إلى الوصاية والتوجيه، وبهذا المعنى لا تعود الرواية مجرد وصف لواقع قائم، بل تصبح جزءا من جهاز رمزي يبرر السيطرة ويجعلها تبدو طبيعية أو ضرورية، ومن هنا تكمن أهمية هذا الفصل في أنه يبين أن التحرر من الاستعمار لا يكتمل بزوال وجوده السياسي والعسكري فقط، بل يحتاج كذلك إلى مراجعة الصور والتمثلات التي خلفها في الثقافة والذاكرة، وهي المهمة التي سيواصل القسم الثاني تتبع أشكالها المختلفة من فصل إلى آخر، ومن هنا انتقل الكاتب إلى إدوارد سعيد وعمله خارج المكان انتقالا طبيعيا، فبعد أن كان المغربي موضوعا لصورة يصوغها الآخر من الخارج، نجد هنا ذاتا تحاول أن تكتب نفسها بنفسها، فسعيد موزع بين فلسطين ومصر وأمريكا، وبين العربية والإنجليزية، وبين أكثر من انتماء ثقافي، ولا تنتهي رحلته إلى استعادة هوية نقية واحدة، بل إلى قبول هوية متعددة ومتحركة، وهذا من أهم ما يلفت في قراءة الداهي: فالسرد لا يعيد الإنسان إلى أصل صاف، وإنما يساعده أحيانا على فهم تعدده والتعايش معه، فالمنفى يمكن أن يكون جرحا لكنه قد يمنح في الوقت نفسه مسافة تسمح بالنظر النقدي إلى الذات وإلى الآخر.
وينتقل الكتاب إلى لوكليزيو ورواية صحراء حيث يستعمل الداهي مفهوم اللاأسطرة ليبين أن مراجعة الموروث الكولونيالي لا تعني قلب الصورة السلبية إلى صورة مثالية مضادة، بل الخروج من منطق الصور الجاهزة أساسا، فالصحراء عند لوكليزيو لا تعود مجرد فضاء غرائبي ينظر إليه الأوروبي من الخارج، بل تصبح مكانا له ذاكرته وتاريخه وإنسانه، والأمر نفسه نجده عند عبد الرزاق قرنح، حيث تمنح الرواية موقعا لأولئك الذين لا تسجلهم كتب التاريخ دائما: الجنود المجهولون، العائلات، المهاجرون، الذين يحملون آثار الحرب في أجسادهم وذاكرتهم، هنا يصبح ما يسميه الداهي المحكي الموازي طريقة لإكمال ما تتركه الحكاية الرسمية ناقصا، أما مع آني إرنو، فيتسع مفهوم الجرح خارج السياق الاستعماري المباشر، فالصعود من وسط شعبي إلى وسط اجتماعي وثقافي آخر يمكن أن يصنع هو الآخر شعورا بالغربة، وهذا ما سماه الداهي الهجرة الداخلية والتي لا يحتاج الفرد فيها إلى عبور حدود بين الدول، يكفي أحيانا أن يعبر حدود الطبقة واللغة والثقافة لكي يشعر بأنه ابتعد عن المكان الذي جاء منه دون أن ينتمي تماما إلى المكان الذي وصل إليه، لهذا تغدو الكتابة عند إرنو عودة إلى الأب والأم والجسد والحب والعار والطبقة، ليس من باب الحنين وحده، وإنما من أجل فهم ما تركته تلك التجارب في الذات، وفي هذا السياق يقرر الداهي أنها "اتخذت الكتابة بلسما لتضميد جراحها ، وهذه العبارة تكاد تصل المقدمة بنهاية القسم الثاني: ما بدأ فكرة نظرية في أول الكتاب يعود في النهاية تجربة حية داخل نصوص الكتابة عن الذات.
الكتاب في مجمله يكشف الوجهين الممكنين للسرد واللغة: فقد تكون الكلمة وسيلة للوصم والتصنيف وصناعة الصور النمطية، وقد تكون في المقابل وسيلة لاستعادة الصوت ومراجعة الذاكرة، ولذلك يبدو منطق الكتاب أكثر تعقيدا من مجرد مواجهة بين مستعمِر ومستعمَر لأن الخطر الحقيقي، كما توحي خاتمته هو أن يعاد إنتاج المنطق نفسه من موقع آخر، وأن يتحول رد الضحية إلى صورة جديدة من الإقصاء، لهذا تنتهي رحلة الكتاب عند أسئلة المصالحة والاعتراف والمواطنة والجراح اللغوية فالغاية ليست أن نستبدل صورة نمطية بصورة مضادة، أو كراهية بكراهية أخرى، بل أن نفهم كيف تشكلت الجراح وكيف يمكن منع استمرارها، وهنا يبدو الأدب قادرا عليه، على الأقل على فتح مجال للحوار مع ما حدث، وإعادة النظر في الحكايات التي ورثناها جاهزة عن أنفسنا وعن الآخرين، فالتاريخ لا ينتهي حين تنتهي أحداثه فثمة تاريخ آخر يستمر داخل اللغة والذاكرة والجسد والصور التي نحملها، والكتابة وإن لم تستطع تغيير ما وقع، تستطيع أن تغير الطريقة التي نفهمه بها، وأن تعيد الصوت إلى من ظلوا طويلا موضوعا لحكايات الآخرين، ومن هذه الزاوية يصبح السرد أكثر من مجرد حكاية: يصبح طريقة لاسترجاع شيء من الحق في الذاكرة وفي تمثيل الذات.
باحث مغربي؛ جامعة محمد الخامس بالرباط
[email protected]
#عبد_الله_أبويه (هاشتاغ)
Abdellah_Oubouyh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟