أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالحميد لعيبي - شعر التحوّل: البعد الجمالي والفلسفي في قصائد سوران محمد















المزيد.....

شعر التحوّل: البعد الجمالي والفلسفي في قصائد سوران محمد


عبدالحميد لعيبي

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 09:54
المحور: الادب والفن
    


تحتل تجربة الشاعر سوران محمد موقعًا لافتًا في مشهد الشعر التجريبي المعاصر، لما تنطوي عليه من تداخل بين السريالية والرمزية والتأمل الوجودي والاغتراب والذاكرة والزمن والطبيعة والعنف، فضلًا عن نزوع واضح إلى تفكيك الحدود التقليدية بين الواقعي والمتخيّل، والإنساني وغير الإنساني، والشيء ومعناه.
تبنى التجربة الشعرية لديه على آلية جمالية يمكن تسميتها «شعر التحوّل»؛ إذ لا يكتفي الشاعر بوصف الأشياء المألوفة، بل يعيد تشكيلها دلاليًا حتى تتحول من موجودات يومية إلى كيانات رمزية وفلسفية. فالقلم لا يعود أداة للكتابة فحسب، والماء لا يبقى عنصرًا طبيعيًا، والبركة لا تكون مجرد منظر، والثلج لا يمثل فصلًا من فصول السنة؛ بل تتحول هذه العناصر إلى وسائط للتأمل في الزمن والذاكرة والعزلة والموت والحرية والوجود.
تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن القيمة الفنية الأبرز في شعر سوران محمد لا تكمن في غرابة الصورة السريالية وحدها، وإنما في قدرته على تحميل الصورة غرابةً دلالية وفلسفية تجعلها تتجاوز وظيفتها التزيينية لتصبح أداة لإنتاج المعنى. كما تكشف الدراسة عن حضور واضح لخصائص النص المفتوح، وتعدد الدلالة، والتشظي، والمفارقة، وتراجع مركزية الذات الإنسانية لصالح توزيع التجربة على الأشياء والطبيعة.
وتخلص الدراسة إلى أن خصوصية هذه التجربة تتجسد في تحويل المألوف إلى سؤال ميتافيزيقي؛ أي في الانتقال من الشيء إلى الرمز، ومن الرمز إلى السؤال، ومن السؤال إلى المعنى المفتوح.

الكلمات المفتاحية: سوران محمد، الشعر المعاصر، السريالية، الرمزية، الشعر الحر، قصيدة النثر، الوجودية، الصورة الشعرية، النص المفتوح، شعر التحوّل.

١ مقدمة

لم يعد الشعر المعاصر ملزمًا بأن يقدم معنى واحدًا مكتملًا أو رؤية نهائية يمكن الإمساك بها بسهولة. فقد أصبحت الإيحاءات، والتشظي، والمفارقة، والانقطاع، وتعدد مستويات القراءة، ومشاركة المتلقي في إنتاج المعنى، من أبرز ملامح الشعر التجريبي.
وفي هذا السياق يمكن قراءة تجربة سوران محمد بوصفها تجربة تسعى إلى إعادة بناء الواقع بواسطة التغريب. فالشاعر لا يكتفي بأن يرى الأشياء كما تظهر في الحياة اليومية، بل يعيد وضعها داخل علاقات غير مألوفة، فتفقد الأشياء يقينها الأول وتكتسب وجودًا رمزيًا جديدًا.
إن القلم النائم، والبركة الراكدة، والثلج المنعزل، والماء الذي يمتلك «عقيدة»، والطبيعة التي تتكلم، والطفل الذي يحاول ركوب قوس قزح، ليست مجرد صور غرائبية؛ إنها وسائل لإعادة صياغة أسئلة الإنسان عن الزمن والحرية والموت والذاكرة والعزلة.
ومن هنا تتمثل الإشكالية المركزية لهذه الدراسة في السؤال الآتي:
كيف يحوّل سوران محمد الأشياء اليومية والصور الطبيعية إلى بنى رمزية وفلسفية، وما الذي يميز هذا التحول عن مجرد الاستخدام التقليدي للسريالية والرمزية؟
وتفترض الدراسة أن جوهر تجربته لا يكمن في الموضوعات التي يكتب عنها بقدر ما يكمن في الطريقة التي يعيد بها إنتاج هذه الموضوعات شعريًا.

٢ اللغة: بساطة السطح وعمق البنية

تتمثل إحدى السمات اللافتة في شعر سوران محمد في المفارقة بين بساطة اللغة وتعقيد الدلالة.
فمفرداته في كثير من الأحيان مأخوذة من العالم اليومي: طفل، شجرة، قلم، نافذة، ماء، طريق، سماء، ثلج، ليل، جدار، بركة. غير أن هذه المفردات لا تستقر طويلًا في معناها القاموسي؛ إذ يعيد الشاعر إدخالها في علاقات غير متوقعة.
وبذلك يتحول:
الشيء اليومي → إلى صورة غريبة → إلى رمز → إلى سؤال فلسفي.
وهذه الآلية يمكن تسميتها بـ «الإزاحة الأنطولوجية»؛ أي نقل الشيء من وظيفته أو ماهيته المعتادة إلى وضع وجودي جديد.
فالقلم، مثلًا، حين «ينام»، لا يعود مجرد أداة جامدة، وإنما يدخل عالمًا كانت خصائصه في الأصل حكرًا على الكائن الحي. ومن هنا يبدأ السؤال: هل الشيء مجرد شيء؟ أم أن الشعر قادر على منحه حضورًا يتجاوز وظيفته؟
تكمن قوة هذه اللغة إذن في أنها لا تصف الواقع فقط، بل تعيد ترتيب علاقاته الوجودية.

٣ جمالية المألوف

لا يبحث الشاعر بالضرورة عن الموضوع الاستثنائي؛ بل يصنع الاستثناء من الموضوع العادي.
وهذه نقطة مركزية في تجربته.
فالبركة، والقلم، والثلج، والشجرة، والماء، والنافذة، والجدار، ليست موضوعات ضخمة في ذاتها، لكنها تصبح كذلك من خلال الطريقة التي ينظر بها إليها الشاعر.
في قصيدة «البركة الراكدة»، على سبيل المثال، يتحول المشهد البيئي المليء بالأوراق والغبار والأخشاب والأسماك والمخلفات إلى صورة مركبة عن الركود والإرهاق والمصير. وهنا لا تعود البركة مكانًا فحسب؛ بل تصبح حالة نفسية ووجودية.
إن حركة الصورة في القصيدة يمكن تمثيلها على النحو الآتي:
منظر طبيعي → تشخيص → حالة نفسية → سؤال وجودي.
وهذا الانتقال هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم شعره.

٤ الصورة الشعرية بوصفها تفكيرًا

الصورة لدى سوران محمد ليست زينة بل أداة تفكير.
فبدل أن يقول الشاعر إن الإنسان يعيش بين الأمل واليأس، أو بين الحياة والموت، فإنه يبني صورًا تجعل القارئ يعيش هذا التوتر.
وفي قصيدة «الظلام والنور» تتجاور ثنائيات الضوء والظلام، والطفولة والشيخوخة، والميلاد والموت، والألم والأمل.
لكن أهمية هذه الثنائيات لا تكمن في تقسيم العالم إلى طرفين متعارضين، وإنما في جعل الحدود بينهما غير مستقرة.
فالظلام ليس مجرد نقيض للنور، كما أن النور ليس انتصارًا نهائيًا على الظلام؛ كلاهما يدخل في تكوين التجربة الإنسانية.
ومن هنا تصبح الصورة نوعًا من الفلسفة البصرية؛ إذ يتلقى القارئ الفكرة من خلال المشهد قبل أن يصوغها في ذهنه كمفهوم.

٥ الرمز: من الشيء إلى الوجود

يتكرر في شعر سوران محمد عدد من الرموز التي لا تحافظ على دلالة واحدة، بل تتسع بحسب السياق.
٥١ الطفل
الطفل في قصيدة «الطفولة» ليس مجرد استعادة لمرحلة عمرية مضت، بل يمثل الذاكرة والبراءة والحرية والإمكان غير المتحقق.
إنه الطفل الذي لم يختفِ تمامًا من داخل الإنسان البالغ.
وهنا تتحول الطفولة من زمن ماضٍ إلى حضور داخلي مستمر.
ولهذا فإن الحنين إليها لا يكون حنينًا إلى مكان أو زمن فقط، بل إلى حالة وجودية لم يعد من الممكن استعادتها بالكامل.

٥٢ القلم

القلم من أكثر الأشياء دلالة في عالم الشاعر.
إنه يمثل الكتابة والذاكرة والشهادة، لكنه يتجاوز ذلك ليصبح شاهدًا على ما يهدده النسيان.
ومن ثم يمكن قراءة رمزيته بوصفها:
القلم → الذاكرة → الشهادة → الشعر → مقاومة المحو.

٥٣ الماء

يبدو الماء في المخيال الشعري التقليدي رمزًا للحياة والحركة والتطهر والتجدد، إلا أن الشاعر يقلب هذه الدلالة أحيانًا.
فعندما يصبح الماء راكدًا، يتحول من رمز للحياة إلى رمز للشلل الوجودي.
وهنا لا يعود الركود خاصية فيزيائية، وإنما يصبح استعارة للوجود حين يفقد قدرته على الحركة.

٦ السريالية: تحرير الواقع من منطقه المعتاد

السريالية في تجربة سوران محمد ليست بحثًا عن الغرابة لذاتها، وإنما وسيلة لتفكيك يقين الواقع.
حين ينام القلم، أو تتكلم الطبيعة، أو يصبح الثلج كائنًا يحمل الوحدة، أو يمتلك الماء «عقيدة»، تتعطل الحدود التقليدية بين الحي والجماد، وبين الإنسان والشيء.
وهنا تعمل السريالية على سؤال أساسي:
هل الواقع هو ما نراه فقط، أم أن للخيال قدرة على الكشف عن طبقات لا تستطيع الواقعية المباشرة الوصول إليها؟
لهذا فإن السريالية في شعره لا تمثل هروبًا من الواقع، بل يمكن أن تكون طريقة أكثر كثافة لرؤيته.
فالواقع التاريخي أو النفسي قد يكون، في بعض الأحيان، أكثر غرابة من أن تمثله اللغة الواقعية المباشرة.

٧ الاغتراب والذاكرة والزمن

يشكل الاغتراب أحد المحاور العاطفية العميقة في هذه التجربة. يظهر من خلال الوحدة، والانقطاع، وصعوبة التواصل، وضياع الطفولة، والشعور بالانفصال عن العالم.
لكن الاغتراب لا يبقى حالة سلبية؛ إذ يتحول أحيانًا إلى موقع للرؤية.
فالإنسان الذي يقف خارج الأشياء يستطيع أن يراها بطريقة لا يراها بها من يعيش في مركزها.
وهكذا يتشكل مسار شعري يمكن صياغته على النحو الآتي:
الاغتراب → المسافة → الرؤية → الخيال → الشعر.
أما الزمن، فلا يظهر بوصفه مجرد تعاقب للساعات، بل بوصفه قوة تعيد تشكيل الهوية.
الماضي لا يختفي؛ بل يستمر في الحاضر من خلال الذاكرة.
ولهذا تصبح الذاكرة في شعره نوعًا من مقاومة الفناء.

٨ الشعر والفكر الوجودي

ينفتح شعر سوران محمد على أسئلة وجودية واضحة: ما الهوية؟ ماذا يعني أن يكون الإنسان موجودًا؟ هل الحرية ممكنة؟ ماذا يفعل الزمن بالإنسان؟ هل تستطيع الذاكرة إنقاذ ما يوشك على الاختفاء؟ وهل الطبيعة محايدة تجاه الألم البشري؟
غير أن الشاعر لا يحول القصيدة إلى مقالة فلسفية.
إنه لا يقدم نظرية ثم يثبتها، بل يجسد السؤال في صورة.
وهذا ما يمنح تجربته طابعًا قريبًا من التفكير الظاهراتي؛ إذ يختبر القارئ السؤال قبل أن يقوم بتفسيره.
فالفلسفة هنا لا تأتي في صورة مفهوم مجرد، وإنما في صورة تجربة شعرية.

٩ النص المفتوح وتعدد المعنى

من أبرز سمات هذه التجربة ميلها إلى إبقاء النص مفتوحًا أمام التأويل.
قصائد مثل «من يدري؟» و«الوحدة ليست وحدة» تنطلق من مفارقة أو سؤال لا يسمحان بإغلاق المعنى.
ولا يخبر الشاعر القارئ دائمًا بما ينبغي أن يعنيه الرمز، بل يترك له مساحة للدخول في النص وبناء علاقته الخاصة معه.
وبذلك لا يصبح القارئ مستهلكًا للمعنى، وإنما شريكًا في إنتاجه.
وهذه السمة تمنح الشعر بعدًا معاصرًا واضحًا، إذ تنتقل القصيدة من نموذج النص المغلق إلى نموذج النص الاحتمالي.

١٠ الإنسان من خلال غيابه

من أكثر الجوانب إثارة في تجربة سوران محمد أن الإنسان قد يتراجع عن مركز القصيدة من دون أن تختفي التجربة الإنسانية.
فالبركة يمكن أن تتألم.
والقلم يمكن أن ينام.
والطبيعة يمكن أن تتكلم.
والثلج يمكن أن يجسد الوحدة.
والماء يمكن أن يحمل "عقيدة".
يمكن تسمية هذا الأسلوب بـ «توزيع الذات»؛ إذ لا تبقى التجربة الإنسانية محصورة في شخصية بشرية محددة، وإنما تتوزع على الأشياء والطبيعة والمشهد.
وهذا يخفف من مركزية الإنسان ويمنح العالم المحيط به قدرة رمزية مستقلة.
إن الأشياء لا تعود خلفية للإنسان، بل تصبح شركاء في إنتاج المعنى.

١١ بالطبيعة بوصفها وعيًا شعريًا

الطبيعة في شعر سوران محمد ليست ديكورًا.
الشجرة، والماء، والغيوم، والثلج، والنهر، والبركة، كلها تدخل في بنية التفكير الشعري.
وفي قصيدة «الطبيعة تتكلم» يحدث انقلاب مهم في العلاقة التقليدية بين الإنسان والطبيعة: فبدل أن يتحدث الإنسان عن الطبيعة، تصبح الطبيعة نفسها قادرة على الكلام.
إنها نقلة من:
الإنسان يتأمل الطبيعة
إلى:
الطبيعة تتأمل الإنسان.
وهذا الانقلاب يفتح القصيدة على أفق بيئي وفلسفي يتجاوز الوصف الجمالي المباشر.

١٢ العنف والتجربة الإنسانية

لا تغيب عن شعر سوران محمد صور العنف والألم الإنساني. غير أن معالجته لهذه القضايا تميل إلى الرمز والتأمل أكثر من الخطاب الدعائي المباشر.
في قصائد مثل «الكراهية... نصف عمياء» و «الظلام والنور» يتحول الألم الفردي أو السياسي إلى سؤال أوسع عن هشاشة الإنسان.
وهكذا لا تُمحى الحادثة الواقعية، وإنما يعاد إدراجها داخل أفق إنساني أوسع.
إن العنف يتحول من حدث سياسي إلى تجربة وجودية.

١٣ «ما وراء الجدار»: نموذج للتحول الشعري

تقدم قصيدة «ما وراء الجدار» نموذجًا مكثفًا لطريقة اشتغال الشاعر.
يبدأ النص من شيء بسيط: قلم نائم على مكتب. لكن هذه الصورة تتسع تدريجيًا لتصبح تأملًا في الزمن والصمت والسجن النفسي والشلل الإبداعي.
وهنا تتجاوز الغرفة حدودها المادية.
فالجدار يصبح نفسيًا.
والمكتب يصبح تاريخيًا.
والقلم يصبح فكريًا.
والصمت يصبح دالًا على القهر.
تكمن قوة القصيدة في أنها لا تبدأ من فكرة فلسفية ثم تبحث عن صورة لها، وإنما تبدأ من شيء ثم تسمح له بأن ينمو حتى يصبح فكرة.
وهذه، في جوهرها، هي آلية «شعر التحول».

١٤ «البركة الراكدة»: ميتافيزيقا السكون

في «البركة الراكدة» يتحول المشهد الطبيعي إلى بنية وجودية.
الماء الراكد، والأسماك، والأوراق، والغبار، والأخشاب، والأشجار، لا تعمل بوصفها تفاصيل مكانية فحسب، وإنما تشكل نظامًا من العلامات حول التعب والسكون والمصير.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس:
لماذا توقفت البركة؟
بل:
ماذا يحدث للكائن حين يتحول السكون من حالة مؤقتة إلى قدر؟
بهذا المعنى، تتحول البركة إلى استعارة للوجود الذي فقد حركته، وتصبح الطبيعة مرآةً لحالة الإنسان.

١٥ «الطفولة»: الذاكرة بوصفها منفى داخليًا

إذا كان «ما وراء الجدار» يمثل الحبس الخارجي، فإن «الطفولة» تمثل الحبس الداخلي.
فالطفل لا يموت تمامًا، لكنه يبقى عالقًا داخل الذاكرة، بين الرغبة في الحرية واستحالة العودة إلى البراءة الأولى.
ويمنح قوس قزح والدراجة لهذا العالم الرمزي بعدًا خاصًا؛ فالدراجة تعني الحركة، بينما يمثل قوس قزح فضاءً جميلًا لكنه غير قابل للامتلاك.
إن الرغبة في ركوب قوس قزح تختصر مفارقة أساسية:
الخيال يمنح الإنسان الحرية في اللحظة التي يعجز فيها الواقع عن منحها إياها.

١٦ التعدد اللغوي

تتحرك تجربة سوران محمد بين الكردية والعربية والإنجليزية، وهو أمر يتجاوز البعد اللغوي إلى بعد جمالي.
فالقصيدة التي تنتقل بين اللغات لا تبقى ثابتة في فضاء واحد، وإنما تصبح نصًا عابرًا للحدود.
وهذا ينسجم مع ثيمات الحركة، والاغتراب، والمنفى، والعبور، التي تتكرر في تجربته.
ومن ثم يمكن النظر إلى الترجمة نفسها باعتبارها جزءًا من شعر التحول؛ فالقصيدة تتحول من لغة إلى أخرى، كما تتحول الأشياء داخل القصيدة من معناها الواقعي إلى معناها الرمزي.

١٧ خصوصية التجربة وإسهامها

لا تكمن فرادة سوران محمد في استخدام السريالية أو الرمز أو قصيدة النثر، فهذه كلها لها جذور راسخة في الشعر الحديث.
أما خصوصيته فتتجسد في طريقة جمع هذه العناصر داخل رؤية واحدة.
فهو يزاوج بين:
السريالية، والرمزية، والفلسفة الوجودية، والأشياء اليومية، والطبيعة، والألم الإنساني، والنص المفتوح، والتعدد اللغوي، وتراجع مركزية الذات.
ومن هذا التداخل ينشأ عالم شعري يستطيع فيه أصغر الأشياء أن يتحول إلى حدث فكري.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة التجربة.

١٨ الخلاصة

يمكن قراءة شعر سوران محمد بوصفه مشروعًا مستمرًا لإعادة اكتشاف الواقع من خلال تغريبه.
إنه لا يكتفي برؤية الأشياء؛ بل يعيد منحها وجودًا آخر.
القلم يصبح شاهدًا.
والبركة تصبح وعيًا.
والطفل يصبح ذاكرة للبراءة.
والماء يصبح مبدأً فلسفيًا.
والطبيعة تصبح صوتًا.
والجدار يصبح صورة للحبس.
والثلج يصبح استعارة للهشاشة والوحدة.
لكن قيمة هذه التجربة لا تكمن في غرابة هذه الصور وحدها، وإنما في الضغط الفلسفي الذي تمارسه الصورة على القارئ.
فالشاعر يدفعنا إلى إعادة النظر في الحدود التي اعتدناها: بين الحلم والواقع، والإنسان والشيء، والطبيعة والوعي، والماضي والحاضر، والفرد والجماعة، والموضوع والذات، والكلام والصمت.
ومن هنا فإن الوصف الأدق لتجربته ليس أنه «شاعر سريالي» فحسب، ولا أنه «شاعر رمزي» بالمعنى التقليدي، وإنما هو شاعر تحوّل.
فالتحول هو المبدأ الذي تنتظم حوله تجربته:
الشيء يتحول إلى صورة،
والصورة تتحول إلى رمز،
والرمز يتحول إلى سؤال،
والسؤال يتحول إلى معنى مفتوح.
وهذه الحركة من المادي إلى الرمزي، ومن الرمزي إلى الفلسفي، ومن الفلسفي إلى التأويل، هي التي تمنح شعر سوران محمد خصوصيته الجمالية.
إن أهم ما يفعله شعره هو أنه يجعل الأشياء التي نظن أننا نعرفها غريبة بما يكفي لكي نراها من جديد.
وهنا تكمن، في جوهرها، قيمة مشروعه الشعري: تحويل المألوف إلى ميتافيزيقي، واليومي إلى سؤال، والشيء إلى تجربة وجودية.
.-------.
المصادر
1- Soran M. H, PoemHunter .
2- Al-Manar Cultural International.
3- Pulsar Poetry Webzine.
4- Basrayatha.
5- ahewar.org






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استفهام النص في غياب المعنى


المزيد.....




- بعد غياب استمر 6 سنوات.. سيلين ديون تحيي أول حفل لها في باري ...
- كالأفلام.. امرأتان تكتشفان أنهما شقيقتان بعد عقود من صداقتهم ...
- قراءات أدبية إخترنا لك: رواية -ليديا - تاليف: الكاتب عادل ا ...
- فيلم وثائقي عن الضحايا المدنيين في غزة يفوز بجائزة لجنة التح ...
- بوتين وولي عهد أبو ظبي يتفقان على ترجمة نتائج قمة -بريكس- إل ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس بدموع الفرح بعد غياب 6 س ...
- دليل المفاهيم التنظيمية: هيكلية منظمة العمل العربية ونظام ال ...
- -الأطفال يستحقون الأفضل-.. يوتيوبر يقتحم المسرح خلال كلمة رئ ...
- كمال ميرزا: متلازمة إدوارد سعيد تكشف أزمة النخبة العربية
- كاظم الساهر.. كيف صنعت القصيدة واللحن والهوية جمهورا لا يشيخ ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالحميد لعيبي - شعر التحوّل: البعد الجمالي والفلسفي في قصائد سوران محمد