بيلجانا فانكوفسكا
(Biljana Vankovska)
الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 12:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قبل بضعة أيام، عندما هبطت في مطار بودابست في طريقي إلى مؤتمر دولي مكرّس لقضايا جادة في السياسة الدولية، كان أول ما رأيته طائرة مدنية ضخمة تحمل اسماً لم يكن مألوفاً بالنسبة لي: «إيساير». لم يكن من الصعب تخمين هويتها، لكنني تحققت على أي حال. كانت تابعة لشركة طيران إسرائيلية.
في هذا الوقت من السنة، تُعدّ بودابست وجهة سياحية رائعة، وكانت الطائرة مكتظة «كخلية نحل». وها هم هناك: السياح الإسرائيليون. وبالطبع، فقد غمروا قبرص واليونان – وهما بلدان لا يقضون فيهما عطلاتهم فحسب، بل يشترون فيهما أيضاً الشقق والعقارات على نطاق واسع – والجبل الأسود وإسبانيا وغيرها.
من المفترض أن الناس يذهبون في العطلة للاسترخاء من «ضغوط» تجاهل الإبادة الجماعية وأهوال الحرب التي تشنها دولتهم على جميع الجبهات. وبالمناسبة، أخبرني صديق من اليونان للتو أنه لاحظ في مطار أثينا إعلانات عن ما يصل إلى 19 رحلة إلى إسرائيل يومياً!
وبصفتي ناشطة لا تستطيع، حتى من مسافة آمنة، أن تنام بسلام بينما تتواصل إبادة جماعية منذ أكثر من ألف يوم، ويأتي الأطفال في مقدمة ضحاياها، لا أستطيع أن أنظر إلى مثل هذه المشاهد بقلب هادئ.
أسأل نفسي: هل لديهم ضمير؟ هل السياحة حقاً هي ما يشغل بالهم؟
ومن الإنصاف القول إن السياح الإسرائيليين لا يلقون ترحيباً كبيراً هذه الأيام. فقد باتت التقارير عن الحوادث والاحتجاجات من جانب السكان المحليين أكثر تكراراً، حيث يلوّح الناس علناً بالأعلام الفلسطينية للإشارة إلى أن السياح الإسرائيليين غير مرحب بهم.
ما إن استقريت في الفندق حتى تفقدت الأخبار القادمة من بلدي. وكانت الصدمة كالصاعقة: خبر زيارة وزير الخارجية المقدوني تيمتشو موتشونسكي إلى تل أبيب.
يا لها من مفارقة قدر، فكرت وأنا أنظر إلى وجهه المبتسم وإلى دعوته السياح الإسرائيليين لزيارة مقدونيا، ولا سيما أجمل مدنها، الواقعة على ضفاف بحيرة أوخريد.
والمفارقة أن أوخريد، نظراً إلى أهميتها التاريخية والثقافية، تُعرف أيضاً باسم «قدس البلقان».
وبدلاً من تفسير ما قصده الوزير، دعوني أقتبس بعض المقاطع من «مقابلته الحصرية» مع جيروزاليم بوست:
«نحن ديمقراطيات مزدهرة، ودول تروّج للسوق الحرة والرأسمالية»، قال موتشونسكي. «إن أمتي وإسرائيل – سواء على أساس الأيديولوجية السياسية أو رؤيتنا العالمية – لديهما من الأمور التي توحدهما أكثر بكثير مما تفرقهما».
وهناك ما هو أسوأ:
«هناك أشياء كثيرة يمكننا أن نتعلمها منكم. وهناك العديد من القيم المشتركة التي نتقاسمها، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي. ومن هذا المنطلق، ومنذ تشكيل حكومتنا، جعلنا العلاقة الثنائية مع إسرائيل إحدى أولويات سياستنا الخارجية».
إن موتشونسكي صادق تماماً عندما يقول إن مقدونيا تقف إلى جانب إسرائيل – والولايات المتحدة بالطبع – في جميع المحافل متعددة الأطراف.
نعم، بلدي واحد من تلك الدول الست أو السبع التي تجد نفسها معزولة مراراً في تصويتات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة وأوكرانيا وعدد قليل من الدول الأخرى الخارجة عن الإجماع، بصرف النظر عما إذا كان التصويت يتعلق بغزة أو إيران أو كوبا أو فنزويلا أو أي قضية أخرى.
أوفياء لحلفائنا حتى الموت!
وفي مقابلة حديثة مع وسيلة إعلام أمريكية، كان رئيس الوزراء المقدوني أكثر وضوحاً، إذ قال إننا نضع أنفسنا تحت تصرف القوات الجوية الأمريكية كقاعدة لشن هجمات على إيران.
وعندما سألت صحفية واحدة فقط – واحدة فقط، وكانت شجاعة – عما إذا كان ذلك قد يعرّض أمننا القومي للخطر، من خلال تحويل البلاد إلى هدف في خضم حرب مستمرة، لم يكتفِ رئيس الوزراء بتوبيخها، بل اعتذر علناً لـ«حلفائنا» عن وجود صحفيين «غير مسؤولين» من هذا النوع.
أعتقد أن حلفاءه أنفسهم لا بد أنهم شعروا بالحرج من هذا السلوك الذليل.
أما بالنسبة إلى أول رئيسة لبلادنا، فقد كتبت عنها من قبل، بما في ذلك رسالة مفتوحة بشأن أطفال غزة. ولكن دون جدوى.
إنها امرأة في عمر معين، وتحب الأطفال كثيراً؛ لكن يبدو أنها تحبهم فقط إذا كانوا من مقدونيا أو من البلدان الحليفة.
أما غزة، فما زالت إما لم تسمع بها أو لم تنطق باسمها.
هذا هو البلد الذي أشعر بالخجل منه أكثر فأكثر – بسبب سياسته الداخلية والخارجية على حد سواء.
لكن بينما كان دمي يغلي، وكنت بالكاد أنتظر لأفرغ كل ما بداخلي على الورق، بدأت أنظر بعناية أكبر إلى الأخبار القادمة من بلدان أخرى في منطقتي، ثم أوروبا، وأخيراً العالم الأوسع.
يمكن توثيق أن إسرائيل ليست مجرد دولة تضع نفسها فوق الأخلاق والقانون، وتتمتع بحصانة تكاد تكون أسطورية. وهذا ليس منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 فحسب، بل يعود إلى عام 1948.
إنها أيضاً دولة تتمتع بنفوذ عالمي هائل، والأسوأ من ذلك أن هذا النفوذ آخذ في النمو.
تكشف الأرقام عن العدد المذهل من الدول التي يسعدها أن تتاجر مع إسرائيل وأن تبرم معها صفقات، ليس فقط في مجالي الأمن والدفاع، بل أيضاً في التعليم والرعاية الصحية والزراعة والثقافة.
وفنلندا واحدة من أحدث الأمثلة.
كما أن عدداً من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لا تستثنى من ذلك: فهي إما تواصل التعاون مع إسرائيل أو تستقبل بنيامين نتنياهو بحفاوة، رغم صدور مذكرة اعتقال بحقه.
وفي الوقت نفسه، تتمثل إحدى أولويات «الأخ الأكبر» في الاتحاد الأوروبي في مراقبة معاداة السامية، والعثور عليها بصورة متزايدة حيث لا وجود لها، بينما يُنظر إلى التعاطف والتضامن وإدانة ما يحدث للفلسطينيين بعين الشك، رغم أن ما يحدث هناك يتناقض مع أبسط معايير الإنسانية والقانون الدولي.
كما نسمع بشكل متزايد عن قيام إسرائيل بتصدير «خبرتها» وتقديم التدريب في مجال السيطرة على الحشود وإدارة السجون ومجالات مماثلة في أنحاء العالم.
وإذا كنتم تتذكرون المشاهد الوحشية في مطار أوروبي صغير، حيث هبط أعضاء «أسطول الصمود» بعد ترحيلهم من إسرائيل، فقد تعرفون أيضاً أن عناصر الشرطة المشاركين في ذلك كانوا قد تلقوا تدريبهم على أيدي نظرائهم الإسرائيليين.
لذلك أسأل نفسي:
ما القيم التي يمكن لأي شخص أن يتشاركها مع إسرائيل اليوم؟
ما نوع الخبرة التي يمكن أن نتعلمها منها؟
والأهم من ذلك: ما الذي يُفترض بنا بحق الجحيم أن نتعلمه منهم؟
وسط هذا السيل من الأخبار، لجأت إلى زملاء شاركت معهم في عضوية «هيئة محلفي الضمير» في «محكمة غزة»، التي أنهت عملها العام الماضي بإدانة واضحة للإبادة الجماعية وجميع أشكالها.
وقد أسس المحكمة العملاق الأخلاقي الذي لا مثيل له، ونموذج النزاهة والضمير، البروفيسور ريتشارد فولك، الذي تعود جذوره هو نفسه إلى أصول يهودية.
ولا نزال على تواصل متكرر.
وعلى الرغم من أننا قمنا، على الأقل، بشيء من أجل الحفاظ على الشهادات والأدلة المتعلقة بما يحدث في فلسطين، فإن ضمائرنا لا تزال لا تعرف السلام.
ماذا يمكننا أن نفعل أكثر، بصفتنا جزءاً من المجتمع المدني العالمي، في وقت تتحول فيه حكوماتنا إلى «إسرائيلية» بصورة متزايدة، بينما تبدو المؤسسات القضائية الدولية نفسها وكأنها تكافح من أجل مجرد البقاء؟
الرأي العام في مختلف أنحاء العالم – باستثناء إسرائيل – لا يساوره شك كبير بشأن موقفه.
إنه يقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، الذي يواصل الموت كل يوم، الآن تحت مسمى «وقف إطلاق النار».
وبالمناسبة، في اليوم نفسه الذي كان فيه وزير الخارجية المقدوني يشيد بالقيم الإسرائيلية في قلب تل أبيب، قُتلت أم وابنها في غزة، بينما أطلق جنود إسرائيليون النار على أشخاص حاولوا الاقتراب من الجثتين، أو حتى انتشالهما.
أي شر هذا؟
ما زلت أجد صعوبة في استيعابه.
قد يبدو الأمر مبتذلاً، لكنني لا أستطيع تطبيعه بالطريقة التي تفعلها الحكومات في مختلف أنحاء العالم بصورة متزايدة.
إنها تغض الطرف عن الفظائع بينما توقّع الاتفاقيات التجارية.
تقول شيئاً وتفعل شيئاً آخر.
وبصفتي شخصاً ينحدر من منطقة عاشت أهوال الحروب والصراعات – معظمها جرى تشجيعه أو تأجيجه من الخارج – فإنني أعرف أن أولئك الذين لم يعيشوا مثل هذه المعاناة لا يستطيعون بالضرورة أن يشعروا بألم أولئك الذين شهدوا هذه المآسي أو نجوا منها.
ويبدو لي أن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) هي واحدة من أوضح أصوات الاحتجاج، كما أنها تمثل اتجاهاً ينبغي أن تنحو نحوه نضالاتنا: مقاطعة شاملة لإسرائيل، وقطع العلاقات الاقتصادية وغيرها من أشكال العلاقات معها، وفرض العقوبات على دولة تتجاهل بصورة منهجية التزاماتها بموجب القانون الدولي وقرارات الهيئات القضائية الدولية.
لكن مهمتنا تبدأ من الداخل.
يجب أن يوجَّه الضغط إلى حكوماتنا نحن.
علينا أولاً أن نقاطعها وأن نفرض عليها العقوبات، عبر صناديق الاقتراع أو بوسائل أخرى.
علينا أن نجعلها تشعر بالخجل، إذا كان قد بقي لديها ولو ذرة من الشعور بالخجل.
إذا لم نفعل ذلك، فإننا نصبح شركاء في الجريمة.
وعندها ستطرق «الأَسْرَلة» أبوابنا نحن أيضاً.
https://portal.globetrotter.media/2026/09/04/the-israelization-of-international-relations-a-view-from-a-small-country/
#بيلجانا_فانكوفسكا (هاشتاغ)
Biljana_Vankovska#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟