أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس الفياض - حادثة الاعتداء لعام 1977على مقر المنطقة الجنوبية في البصرة للحزب الشيوعي العراقي















المزيد.....

حادثة الاعتداء لعام 1977على مقر المنطقة الجنوبية في البصرة للحزب الشيوعي العراقي


عباس الفياض

الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 21:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حادثة الاعتداء على مقر المنطقة الجنوبية في البصرة للحزب الشيوعي العراقي
3-9-2026
حين يتحدث الوضوح: إضاءات على الحقائق الغائبة
(على ضوء مذكرات القائد والشيوعي المفكر الفقيد الرفيق عامر عبد الله)
في بداية عام 1977، شكت منظمة الحزب الشيوعي في البصرة بوجود اختراق في التنظيم الحزبي، وشُكّلت وقتها لجنة كنتُ أحد عناصرها —إن لم أكن مسؤولها— للتدقيق في التنظيم. وفعلاً تمكنّا من تحييد عدد ممن كُشِفوا وإبعادهم عن التنظيم.
المشكلة أن من تحالفنا معهم برؤية فرضتها ظروف تلك المرحلة، كنا نعمل معهم بصدق، غير أن الطرف الآخر كان يسلك طريقاً غير نظيف وبأساليب دنيئة لإسقاط المناضلين (شراء، ابتزاز، تهديد، أو تشويه). وكان الهدف تصفية الحزب وتحقيق ما لم يتحقق في انقلاب عام 1963 السيئ الصيت. وتأتي حادثة المقر كواحدة من أسوأ الأحداث السياسية التي مرّ بها التنظيم في البصرة.
كنا نعرف أن حليفنا يوزع كاميراته وعناصره الأمنية في كل مكان. خرج الرفيق محمد قنبر —وهو أحد الرفاق العاملين في مطبعة الحزب— من المقر لشراء علبة سجائر من محل قريب جداً من مقر المنطقة الجنوبية. كان في المقر كل من: عواطف حاتم، نجاة الملاك، حسن الملاك، عدنان حاتم، عبد الرزاق مكطوف (وكان مسؤول الناصرية)، وأبو أنجيلا (وهو شقيق الشهيد أبي كريم، مسؤول الناصرية لاحقاً)، والرفيق شهيد من رفاقنا في مدينة الناصرية؛ وكانوا في طريقهم لمغادرة البصرة إلى الناصرية. أما أنا (عباس الفياض)، فقد نزلتُ من الباص في طريقي للمقر (بالعادة لا أستخدم سيارات المقر، وأفضّل السير على الأقدام أو المواصلات العامة).
هؤلاء جميعاً هم الذين دافعوا بحزم شديد كي لا تطأ أيادي المعتدين تراب المقر أو تدنسه. بدأت العملية مع الرفيق محمد قنبر؛ إذ داهمه ثلاثة من عناصر الأجهزة الأمنية والمخابراتية بحجة أنه لا يملك وثيقة الخدمة العسكرية، فردّ عليهم بأن يعمل في المقر والوثيقة موجودة في جاليته داخل المقر. وسرعان ما تضاعف أعدادهم أضعافاً مضاعفة من سياراتهم المركونة جانباً، فانهالوا عليه ضرباً وأسقطوه أرضاً.
هرعنا رفيقات ورفاقاً لنجدته ومحاولة تخليصه منهم. وفي تلك اللحظة نزلتُ من السيارة العمومية، ولاحظتُ أن المكان مليء بعناصر غريبة يحملون هراوات وعصياً، والرفيقات والرفاق يحاولون الدفاع عن الرفيق محمد والدم على وجهه والأرض. تقدمتُ نحوهم وقلت: "من أنتم ولماذا هذا العمل المشين؟ أعطوني هوياتكم"، فأعطاني اثنان منهم هوياتهما، لكنهم زادوا من الضرب ليشمل الرفيقات والرفاق. دفعتُ عدداً منهم وحملتُ محمداً باتجاه المقر الذي يبعد بحدود 50–60 متراً، وسط دفاع الرفاق والرفيقات عني في مسيرتي نحو المقر، ونجحنا في ذلك. لكن الرفاق والرفيقات تحملوا الضرب، وخاصة عواطف التي تعرضت لكسر أسنانها بعد أن صفعت أحد رجال الأمن بحذائها، وأنا تعرضتُ لكدمات وأخذني الرفاق إلى غرفة بعيدة.
تراجع أفراد الأمن والاستخبارات، ثم عادوا وأطلقوا النيران داخل المقر واقتادوا محمداً، ولم يسمح الرفاق بخروجي من الغرفة. تطورت الأحداث ليداهموا نجاة وشقيقها حسن الملاك في البيت. أما عواطف (وكانت خطيبتي وقتها) فاختطفوها من سوق "خمسة ميل" لأن أهلها هناك وليس في الحيانية كما ذكرت الوثيقة. وكان عبد الرزاق مكطوف قد أُلقي القبض عليه من قبل أمن الناصرية وأُرسِل إلى البصرة.
وبعد أيام تم تسليمي إلى مديرية أمن البصرة بناءً على طلب الأمن عبر ما يسمى بـ "العلاقات الوطنية"، وكان معي عدنان حاتم شقيق عواطف (الراقد في السرير إثر جلطة دماغية منذ ثلاث سنوات). أظن أن عدم ذكري في التقرير يعود إلى أن رفاق المنطقة الجنوبية بهذا العمل سيضعون أنفسهم في دائرة التساؤل، وكذلك عدنان. أما مكطوف، فكان للمنطقة الجنوبية نوع من الإشكال حول ضعفه، رغم أن لي موقفاً آخر، وهو وجوب ذكر اسمه بصرف النظر عما كان.
ملاحظة أخرى حول الرفيق الشهيد حمزة علي (أبو غياث) الذي ورد اسمه في المذكرات كونه كان في الحادثة: الرفيق المذكور كان موقوفاً قبل الحادث بقضية لا علاقة لها بالمقر، بل بتسريب أسئلة الامتحانات العامة ("البكالوريا" للصف السادس)، ومعه أحد أصدقاء الحزب (مدرس فيزياء)، وكان أبو غياث مدرس لغة إنكليزية؛ وقد خرجوا من المحكمة أبرياء بعدما تبين أن ابن مدير التربية (وهو عضو شعبة) هو من يقف وراء التسريب.
خرجنا بكفالات بعد ما يقرب من شهرين أو أكثر (وبعد أن كان الحق لنا في حادث الاعتداء، أصبحنا متهمين ومدافعين عن مبادئنا وحقوقنا!). أُحلتُ بعد ذلك إلى محكمة عسكرية باعتباري أخذت هويات المداهمين من المخابرات والأجهزة الأمنية، وخرجت ببراعة لكون الهويات لم تُستخدم. وهنا لا بد من تسجيل كلمة عرفان وشكر للمحامي القدير الرفيق علي الجاسم وما بذله من جهود ومصاعب وتهديدات ونجاحه في الدفاع عنا جميعاً؛ له العمر المديد، ولرفاقي ورفيقاتي ممن لا يزالون على قيد الحياة. وأذكر منهم: حسن الملاك، عدنان حاتم، وأبو أنجيلا (يقال إنه في السويد)، وزوجتي عواطف حاتم (أم ظافر). أما الرفيق شهيد والرفيق محمد قنبر فلم أعثر على أخبارهما.
والذكر الطيب للأموات منهم: الرفيقة العزيزة نجاة الملاك (أم محمد) التي زرتها وأولادها الثلاثة وزوجها العزيز أبا محمد بعد السقوط عام 2003؛ إذ عانت نجاة من ظروف السجن والمرض العضال هي وشقيقها، وكذلك المحامي القدير علي الجاسم الذي أُلقي القبض عليه بعد الهجمة وأُعيدت التحقيقات وأُودِع السجن لسنوات طويلة قبل الإفراج عنه وعن الآخرين. ولا زلتُ على تواصل مع الأحياء منهم.
لا بد من القول إن فترة التوقيف بَصَّرتني بكم كنا مكشوفين للنظام ومخترَقين حتى مستوى القيادة، وأن حلفاءنا كانوا يخططون للتصفيات ليس فقط بسبب النشاط والحضور بين الناس، بل شمل ذلك القاعدة والقيادة معا. لاحظتُ ذلك عندما كان معاون مدير الأمن يستدعيني كل أسبوع (أربعاء أو خميس) ليُسمِعني بعض الأخبار والمستجدات عن التنظيم ورفاقه في البصرة ويحاول معرفة ردة فعلي. كنتُ أقول له: "هذه أشياء عادية في العمل العلني، وما الذي يخيفكم من ذلك؟ وهل الوثائق التثقيفية فيها ما يشغل بالكم؟"، فيردّ عليّ: "بالعكس، نحن البعثيين نتثقف بها". فأقول: "إذن الشيوعيون صادقون في تحالفهم"، فيردّ: "يضحكون عليكم" (يقصد البعثيين)، فأصمتُ أنا.
في حقيقة الأمر، إن رفاقي الموقوفين لم يعترفوا بوجودي في الحادثة، وهذا قوّى موقفي أمام الأمن، عدا عناصرهم من الأمن والمخابرات الذين طعنتُ بشهاداتهم كونها متأتية من خصم. تعرضتُ لتهديدات عديدة ومحاربة نفسية شديدة؛ إذ كانوا يقولون لي إن ملفاتك سيأتي وقتها لاحقاً. حاولتُ تفكيك المعلومات منذ اللحظة الأولى التي استقبلني بها مدير الأمن ومعاونه حين قال: "ها رفيق أبو ظافر، تقول لن أُعتقل؟"، فأجبته: "أنت لم تعتقلني، بل الرفاق هم من سلموني لكم حسن نية" (هذا الكلام كنتُ قد تحدثتُ به أمام خمسة رفاق قياديين في المحافظة). كما لاحظتُ واستغربتُ أموراً أخرى؛ منها أن رجال الأمن كانوا يشتمون قياداتهم باستثناء صدام حسين. وتوصلتُ إلى قناعة من استدعاءات معاون الأمن الأسبوعية أنه توجد جهة تزودهم بالمعلومات، وإلا فما الداعي لاستدعائي كل أسبوع؟ (وهناك تفاصيل كثيرة ستُدوّن في مذكراتي لاحقاً).
بعد خروجي تحدثتُ مع الرفاق في البصرة بتفاصيل كثيرة ولم أجد من يستمع، بل اتُّهِمتُ بصفات بعيدة كل البعد عما أفكر فيه، وطلبوا مني "الراحة في البيت" (ولها معانٍ كثيرة!). في أحد الأيام وقفتُ عند بوابة بيتنا متأملاً، ففاجأتني والدتي (لها الذكر الطيب، وكانت صديقتي في المحن) بقولها: "ها يا يمه يا أبا ظافر، لماذا أنت صافن؟ الموت واحد ولستَ ممن يخاف الموت"، فقلتُ لها: "أنا لا أخاف أحداً، المشكلة في رفاقي"، فقالت: "سيأتي يوم يصحون فيه، فلا تهتم".
وبعد فترة جاءت سيارة الحزب وفيها أحد الرفاق القياديين، وسلّم عليّ بحرارة وقال: "الرفاق يريدونك في المقر". قلتُ له: "سآتي بطريقتي الخاصة مشياً على الأقدام". وهناك حاولوا إقناعي ببعض المتابعات واتهام رفيق من الشغيلة بوجود المفاتيح لديه، ووضعوها أمامي بعد أن قدموا لي جميعاً الاعتذار عن إبقائي في البيت. ولما لم أقتنع لخطورة الأمر، ذهبتُ إلى بغداد والتقيتُ برفيقين قياديين (أحدهما كان الشخصية الثانية في الحزب)، وتحدثنا كثيراً. وبعد أن انتهيتُ قال لي: "على كلامك هذا علينا أن نغلق مقراتنا!"، فقلتُ له: "هذا استنتاجي وأرجو أن أكون على خطأ". توصلتُ حينها إلى قناعة بأنه لا أحد يصدق ما أقول، وأخذتُ أقنع نفسي بأنني أنا الخاطئ!
لم تكن المشكلة يوماً في أنهم لم يُشْكَروا، بل في تلك الغشاوة التي جعلت المشهد يتجاوزهم، وكأن الحادثة خلت من أبطالها الحقيقيين. عاشوا تلك المرحلة تحت ثقل الإهمال ومرارة إنكار الأثر، كشجرٍ أثمر في أرضٍ نسيها الجباة، لكن جذورها ظلت تشرب من دموع الأرض لتمنح ظلها لمن مر بها؛ مدرسة تُكتب بقوة صمودها، وقصة حياة لا تهزمها يد العزلة ولا قسوة الجفاف.
في لحظات العتمة الشديدة، يختبر العالم قدرة الإنسان على العطاء دون مقابل. حين تقع الحوادث الصعبة، يتقدم بعض أصحاب القلوب البسيطة إلى الخطوط الأمامية؛ يدفعهم واجب غير مكتوب وإنسانية لا تنتظر إذناً من أحد، فيصنعون الفارق، وينقذون ألماً، ويلملمون انكساراً، ثم ينسحبون بهدوء كما جاؤوا.
غير أن الحقيقة لا تُدفن تحت طيات الزمان؛ فللزمن ذاكرة حادة، وللإنصاف ميعاد لا يخطئ. جاءت الوثيقة لا لتصنع منهم أبطالاً —فهم كذلك منذ لحظة الموقف— بل لتكون مرآة صادقة يعود إليها العالم كي يبصر شمسه التي غابت عنه طويلاً. لم تكن مجرد ورقة، بل كانت انحناءة اعتذار متأخرة من الواقع للحق، وشاهدةً على أن الأصالة لا تحتاج إلى صخب كي تسود، وأن الصنيع الطيب كالبذرة الصالحة قد تغطيها الأتربة حيناً، لكنها حتماً ستشق الأرض لتلتقي بالنور. أحياناً تكون الحقائق المتأخرة أقوى أثراً؛ لأنها تأتي بعد أن تجردت الأفعال من أي غرض، ليتبقى منها جوهرها الخالص: أن أبطال القصة الحقيقيين لم ينتظروا التقييم ليصنعوا الواجب، بل شَرُفت بهم الأوراق حين حملت أسماءهم.
عواطف، نجاة، حسن والآخرون كانوا على موعد مع المحن فتصدوا بشجاعة وإصرار عاليَة المقاييس. وحين يتصل الموقف بالجبروت والبطش، يتجاوز الفعل مجرد شجاعة عابرة ليصبح شهادة وجود وتحدياً صامتاً للعدم. وفي تلك الأوقات التي كان الخوف فيها مظلة يلوذ بها الجميع، وكان الصمت خيار النجاة الأكثر أماناً، لم تكن الحادثة مجرد اختبار للقدرات، بل كانت اختباراً لمعنى الإنسانية حين يكلف التمسك بها ثباتاً قد يطيح بكل شيء. كان أبطال المشهد يعلمون جيداً أن مدّ اليد للمساعدة في زمن البطش ليس مجرد عمل نبيل، بل مخاطرة مشحونة بالتهديد؛ ومع ذلك اختاروا أن يكونوا الجدار الذي يستند عليه الضعفاء.
أما أنا، وفي محطات عديدة من تجوالنا في الغربة، فالمفارقة أنه لا يستمع إليك أحد بأي صورة، ولم تحظَ أنت ورفاقك الناجون بالاحتضان المطلوب من معاناة تلك الحادثة التي كانت تشكل ومضة في بطولات رفاق ورفيقات بليغي المعاني على بساطتهم. عاتبتُ حينها العزيز الفقيد "سليم إسماعيل" حين زرته في ألمانيا وقرأتُ مذكراته لعدم ذكره الحادثة وغيرها من المواقف وهو المعنيّ الوحيد في ذلك التاريخ، حتى قلتُ له إنها تُسجَّل لتاريخك البطولي قبل أن تُسجَّل لأي أحد، وأنا أعرفك شجاعاً في كل الظروف. اعتذر مني عندما عرف أنني غير راضٍ عن التبريرات، وعرفتُ حينها أن الأمر أكبر من ذلك (إذ كان مريضاً جداً).
كان من الممكن أن تُخفَّف تلك المرارات: مرارة التغافل وجاذبية الصمت. لم يكن الأذى في ذلك الوقت يقتصر على قسوة الظرف وحده، بل في التجاهل المتعمد الذي تلي ذلك الفعل. فحين يُسدَل الستار وتُوزَّع الأدوار على غير أصحابها، أو يُطمَس الأثر عمداً لإرضاء قوةٍ تسعى لاحتكار كل شيء حتى الفضيلة، يصبح الإهمال أكثر إيلاماً. كان المطلوب من الأبطال الحقيقيين ليس فقط أن يتحملوا خطورة الموقف، بل أن يتقبلوا القهر الصامت: أن يروا أثرهم يُنْكَر وأسماءهم تُسْقَط خشيةً من سلطة تجد في وجود البطولة الحقيقية تهديداً لشرعيتها. هؤلاء الأبطال وغيرهم في محافظات أخرى عاشوا تلك المراحل كمن يحمل قبساً في نفق مظلم، يقتاتون على رضا الضمير وحده، مستوعبين أن البطش قد يملك الشوارع والأصوات، لكنه لا يملك الحقيقة ولا الذاكرة.
الملاحظات التي نقدمها لا نستهدف بها أحداً (علماً أن الفترة تقارب الخمسين عاماً وشخوصها معظمهم إما استشهدوا ببسالة أو فارقوا الحياة، وبهذه الحالة يصعب إلقاء اللوم، وإنما نحاول الاستفادة من معانيها). قراءة الحدث أثبتت أن اثنين من القياديين في البصرة ، وكان احدهم قد جاء بترحيل من الإقليم ، قد تعاونوا مع الأجهزة الأمنية علناً، والحملة الكبرى استهدفت الحزب عام 1979. هنا ما نستهدفه هو النظام الذي أراد أن يطمس حقائق التاريخ والواقع ودروس الحياة ببطشه في طي صفحة التحالف المشينة ونهاية النظام البائس والمقبور.. لحظة انقشاع الوهم.
ثم تأتي الوثيقة لا كحدث عابر، بل كصدمة للواقع الذي توهم أنه أتمّ طمس المعالم. إن ظهور الوثيقة في زمن لاحق لم يكن مجرد تصحيح لمحطات نضالية، بل كان لحظة تكشف سقوط الجبروت أمام ديمومة الحق؛ فالقوة التي سعت يوماً لإطفاء أثرهم تتلاشى، بينما تظل الشهادة الصادقة حاضرة. الوثيقة هنا لم تضف للبطولة شيئاً، لكنها كشفت عورة الزيف الذي ساد لفترة، وأثبتت أن البطش مهما بلغ أوجه عاجز عن مصادرة المستقبل أو تحريف الأثر الخالد.
إنها الحقيقة حين تتنفس من جديد؛ فأبطال الحادثة لم يحموا المقر في ذلك اليوم الأسود فحسب، بل حموا بالذاكرة شرف الإنسانية في أحلك أوقاتها، وظلت أفعالهم تنتظر صامتة حتى سقط الخوف وظهر الحق جلياً.
العفو، فهذا أقل ما يُقدَّم لإحياء ذكرى مواقف صادقة صمدت في وجه الظلم والأوقات الصعبة. كل التحية والتقدير للأبطال الحقيقيين الذين يبقون دائماً كالأشجار الشامخة؛ لا تزيدهم السنون إلا أصالة، ولا ينال من قدرهم تأخر الإنصاف.
شكراً أبا عبد الله على هذه الوثيقة الرائعة وهذا التقييم الذي جاء ولو متأخراً لكنه أبرز حقائق مسكوت عنها.. لك الذكر الطيب دائماً، واعتذاري لرفاقي لأنني سكتُّ كل هذه الفترة.. ("أنا وعائلتي خسرنا كل شيء وربحنا كل شيء"). وأعدهم وأعد عائلتي بأنني سأكتب عن محطات الطريق الطويل الذي مررتُ به طالما حيينا.



#عباس_الفياض (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حادثة الاعتداء لعام 1977على مقر المنطقة الجنوبية في البصرة ل ...


المزيد.....




- تحليل محايد لخبراء الأسلحة يكشف نوع الذخيرة التي قتلت المدني ...
- ترامب يلمح إلى التخلي عن دعم بريطانيا في نزاع جزر فوكلاند إث ...
- ميروشنيك: الغرب يستعمل أوكرانيا كميدان لاختبار الأسلحة
- Open AI تعلن بلوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام بنموذج -أسترا- ...
- كوريا الجنوبية تستعد لنشر أصول عسكرية للمساهمة في حركة مضيق ...
- -إرهاق ترمب- يقلق الجمهوريين
- ترامب يعلن هوية خليفة وزير الجيش المستقيل
- العثور على قارب مهاجرين قرب جزر الكناري الإسبانية بداخله 5 ج ...
- البنتاغون يسحب وثائق سرية من نظام داخلي
- الصفدي: سنضمن أمن وسيادة الأردن


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عباس الفياض - حادثة الاعتداء لعام 1977على مقر المنطقة الجنوبية في البصرة للحزب الشيوعي العراقي