سلام الزاغة
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 15:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من رحم الانتخابات والجذور: نحو حركة يسارية تبني الحزب الماركسي الفلسطيني المنشود
مساهمة في النقاش
م. سلام الزاغة
• مقدمة: لحظة سؤال المصير وفرصة البناء
تعيش الساحة السياسية الفلسطينية اليوم واحدة من أعقد أزماتها البنيوية؛ فهي ليست مجرد أزمة احتلال مستمر، بل أزمة تمثيل، وأزمة نموذج تنموي، وأزمة هوية سياسية في مواجهة مشاريع تسوية تهدف إلى تصفية القضية وممثلها الشرعي والوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية. بين انقسام داخلي مزمن، وهيمنة خطابات دينية أو فئوية تخفت الصوت الطبقي، وتراجع دور المؤسسات الوطنية الجامعة، يصبح السؤال الوجودي ملحاً: هل يحمل اليسار الفلسطيني مشروعاً للخلاص؟
إن اللحظة التاريخية الراهنة، التي تتزامن مع تحولات جيوسياسية كبرى وانهيار الأساطير الليبرالية عالمياً، تستدعي إعادة إحياء الفكر اليساري بوصفه الإطار الأقدر على ربط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي. لكن الحزب المنشود اليوم ليس مجرد تكرار آليّ لتجارب الأمس، بل هو صيرورة تجديدية تستوعب دروس الإرث الشيوعي والماركسي الفلسطيني وتتجاوز أخطاءه.
بينما تنشغل الأوساط السياسية بجدل «المشاركة أم المقاطعة» في الانتخابات التشريعية القادمة، تغيب عن الأنظار فرصة ذهبية: تحويل الاستحقاق الانتخابي إلى منصة لبناء جمهور سياسي جديد. بدلاً من انتظار سنوات في صالات النقاش لتشكيل حزب مرخص، يمكن لليسار الفلسطيني أن يغتنم هذه اللحظة لإطلاق حركة سياسية واجتماعية عريضة. تكون هذه الحركة الحاضنة الجماهيرية، والاختبار العملي للأفكار، والرافعة للنضال الوطني التحرري، والنواة التنظيمية للحزب الماركسي المنشود في المستقبل.
الحركة ليست حزباً بعد، لكنها كتلة سياسية متحركة تستخدم الإطار الانتخابي للوصول إلى الجمهور، لا للوصول إلى الكراسي بالضرورة. من رحم هذه التجربة الانتخابية الزائلة سيولد الحزب اليساري الدائم.
• أولاً: استلهام الجذور… الإرث الشيوعي والماركسي الفلسطيني
لا يمكن بناء الجديد دون وعي عميق بالقديم، فالتجربة اليسارية الفلسطينية ليست وليدة اليوم، بل تمتد جذورها إلى مطلع القرن العشرين، حيث شكلت «عصبة التحرر الوطني» النواة الفكرية الأولى التي حملت التحليل الطبقي إلى صميم الصراع مع الاستعمار. لم تنظر العصبة إلى الاحتلال البريطاني ثم الصهيوني كمجرد عدوان عسكري، بل كجزء من منظومة إمبريالية عالمية، وهو ما منح النضال الفلسطيني عمقه الأممي المبكر.
ومع انطلاق ثورة التحرر، تبلورت هذه الرؤية في صيغ تنظيمية أكثر نضجاً تمثلت بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية، والحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب الفلسطيني). لعبت هذه الفصائل دوراً محورياً في صياغة هوية وطنية جامعة لا تقصي أحداً على أساس طائفي أو عائلي، وربطت قضية فلسطين بحركات التحرر في فيتنام وكوبا وجنوب أفريقيا. لقد كانوا الرواد في القول بأن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الإنسان من القيد الطبقي. لكن استلهام هذا الإرث يتطلب وقفة نقدية موضوعية وجريئة، فقد عانى اليسار الفلسطيني، مثل نظرائه عالمياً، من آفات الانكفاء على الذات أحياناً، والجمود العقائدي الذي حوّل الماركسية من منهج حيوي إلى نصوص جامدة، والوقوع في فخ البيروقراطية التي أبعدته عن نبض الجماهير. الحزب الجديد هو وريث هذا الإرث النضالي، لكنه ليس سجين أخطائه.
ثانياً: لماذا «حركة» الآن وليس «حزبًأ»؟
• لتجاوز عقبات الترخيص والبيروقراطية: تشكيل حزب رسمي في الأراضي الفلسطينية يستلزم إجراءات معقدة وتوافقاً أمنياً وسياسياً قد يرهق الكيان الجديد قبل ولادته. أما الحركة فهي إطار سياسي مفتوح يمكنه التقدم بلائحة انتخابية موحدة بسهولة نسبية، خاصة إذا ضم شخصيات مستقلة وأكاديمية ونقابية.
• لكسر احتكار الفصائل التقليدية: الفصائل اليسارية القائمة (الشعبية، الديمقراطية، الشعب، المبادرة وغيرها) تمتلك ثقلاً تاريخياً، لكنها تعاني من الشيخوخة التنظيمية. الحركة الجديدة ليست بديلاً عنها، بل هي فضاء جامع للمستقلين والشباب الغاضب والعمال والمزارعين والناشطين في المجتمع المدني، ممن يرفضون الانخراط في الأطر التقليدية ويرغبون في صوت يساري يعبر عنهم في الاستحقاق الوطني. كما ويفتح أمام الأطر التقليدية بابا للتفكير في مستقبلها.
• للاختبار العملي قبل النظري: بدلاً من صياغة برنامج حزبي مثالي في غرفة مغلقة، تتيح الانتخابات للحركة اختبار خطابها الطبقي والوطني في الشارع، وقياس مدى استجابة الجمهور لقضايا مثل الحد الأدنى للأجور، ومكافحة الفساد، والحماية الاجتماعية، ومقاومة الاستيطان، والحفاظ على وحدة الوطن والتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية كإطار جامع للشعب الفلسطيني. هذه التغذية الراجعة الحقيقية تثري المشروع الحزبي المستقبلي.
• ثالثاً: مضمون الحركة الانتخابية… برنامج النضال اليومي
لكي تنجح الحركة في اختراق الساحة، يجب أن يكون برنامجها مختلفاً جذرياً عن البرامج التقليدية، لا تقدم وعوداً وطنية عامة، بل عقداً سياسياً - اجتماعياً يعكس التلازم العضوي بين الطبقي والوطني، ويتجلى ذلك فيما يلي:
1. مكافحة الفساد: ينهب الفساد أموال الضرائب التي يدفعها المواطن والكادح الفلسطيني، ويُضعف صمودنا في وجه الاحتلال. تضع الحركة آليات شفافة لمحاسبة الفاسدين، وتحرير الاقتصاد الوطني من قبضة الشركات المحتكرة المرتبطة بالنفوذ السياسي.
2. حماية الطبقة العاملة والفلاحين: المطالبة بقوانين حماية اجتماعية فعلية، ووقف سياسات الاضطهاد بحق جموع العاملين والعاطلين عن العمل، ودعم الفلاحين في مناطق (ب) و (ج) لمقاومة الاستيطان عبر التثبيت في الأرض.
3. وحدة النضال الوطني: رفض تثبيت الانقسام، والتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية ومقاومة محاولات تصفيتها، والدعوة إلى حكومة مهنية وطنية تضع المقاومة الشعبية والقانونية والدولية في سلم أولوياتها، لا مجرد إدارة شؤون يومية تحت الاحتلال.
4. تمكين المرأة والشباب: ليس كخطاب منمق، بل كحصص فعلية في مراكز صنع القرار، وكأجندة تشريعية تضع العنف الأسري والتمييز الطبقي ضد المرأة في صلب العمل الوطني.
• رابعاً: الركائز الفكرية والسياسية للحزب المنشود
لكي يكون الحزب الجديد المنشود أداة فعالة، يجب أن يقوم على ثلاث ركائز فكرية متشابكة:
• المنهج الجدلي المادي كعدسة رؤية: لا يمكن فهم تعقيدات الواقع الفلسطيني المعاصر، من شبكات الاستيطان الرأسمالية إلى علاقات الإنتاج المشوهة في المناطق الخاضعة للسلطة، دون أدوات التحليل الطبقي. الماركسية هنا ليست خطاباً أيديولوجياً جاهزاً، بل هي منهج لفك شيفرات الاحتلال الاستيطاني بوصفه نظاماً يستفيد من استغلال العمالة الفلسطينية الرخيصة، ويسعى لتحويل الاقتصاد الوطني إلى توابع لاقتصاد المُحتل.
• التلازم العضوي بين الوطني والطبقي: هذا هو جوهر المشروع. فالمقاومة الوطنية التي لا تطرح أجندة اجتماعية واضحة لمكافحة الفقر والبطالة وتمكين المرأة والفلاحين تظل ناقصة وقابلة للاختراق. والعكس صحيح؛ فأي نضال طبقي يتجاهل جوهر الصراع مع الاحتلال هو نضال مشوه. لذا فإن تحرير فلسطين لا ينفصل عن تحرير العمال من قيد البطالة، والمرأة من ربقة التهميش، والفلاحين من مصادرة أراضيهم. هما وجهان لعملة واحدة.
• العمق الأممي والإقليمي: في زمن العزلة القسرية، يجب على الحزب الجديد أن يعيد ربط القضية الفلسطينية بحركات العمال والشعوب العربية، وأن ينخرط في حركات مناهضة الإمبريالية عالمياً، ففلسطين ليست قضية خاصة، بل هي اختبار أخلاقي للضمير الإنساني، وحليف طبيعي لكل من يناضل ضد التمييز والعنصرية والاستغلال.
• خامساً: الحركة كورشة لبناء الحزب… استراتيجية التنظيم
تُعَدُّ الانتخابات مجرد البداية، وتكمن القيمة الحقيقية للحركة فيما بعد يوم الاقتراع:
• خلايا القاعدة الشعبية: ستخلق الحملة الانتخابية شبكة من المتطوعين والمناصرين في المخيمات والأحياء الفقيرة والريف والجامعات. هذه الخلايا هي النواة الطبيعية للحزب المستقبلي؛ بدلاً من بناء التنظيم من الصفر، ترثه الحركة جاهزاً بعد انتهاء السباق الانتخابي.
• الكوادر القيادية الشابة: ستبرز وجوه جديدة قادرة على مخاطبة الجماهير وتحمل المسؤولية وامتلاك الكاريزما السياسية، فهؤلاء هم القادة الطبيعيون للحزب القادم، المدربون في ميدان المعركة الانتخابية لا في المدارس الحزبية فقط.
• البرنامج المتطور: ما ينجح في برنامج الحركة الانتخابية يُثبَّت في برنامج الحزب، وما يثبت فشله أو عدم جدواه يُعاد النظر فيه، وفق منهجية تجريبية علمية لا أيديولوجية جامدة.
يظل التنظيم هو الفارق بين النخبة التنظيرية والحركة الجماهيرية. هنا تبرز ضرورة اعتماد «الديمقراطية المركزية المتجددة»، والتي تعني نقاشاً فكرياً صارماً وحراً داخل التنظيم يصل إلى حد الاختلاف الجذري في الرؤى، لكنه يتحول فوراً إلى وحدة عمل والتزام بقرار الأغلبية، مع تجنب آفات الفردية والشللية وعبادة الشخصية. والأهم هو الانغراس في القواعد الشعبية الحقيقية: المخيمات المكتظة، والقرى المهمشة، والجامعات، والنقابات العمالية. لا يمكن بناء حزب ثوري من فوق، بل من تحت، عبر النضال اليومي، مع دمج أدوات الكفاح الحديثة كوسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية مع العمل التنظيمي التقليدي.
سادساً: كيف تواجه الحركة والحزب التحديات؟
• التمويل الشعبي: لن تُموَّل الحركة (ولا الحزب لاحقاً) من جيوب التجار أو الأطراف الإقليمية، بل عبر حملات تمويل جماعي واشتراكات رمزية من العمال والطلاب، بما يضمن الاستقلالية.
• الإعلام البديل: لن تجد الحركة مساحة كافية في القنوات الرسمية، لذا ستعتمد على البث المباشر والبودكاست ومنصات التواصل وصناعة محتوى بصري جذاب يكسر جدار الصمت المفروض على اليسار.
• مواجهة التفتت اليساري والاتهامات السياسية: صياغة خطاب جامع يعترف بالحساسيات التاريخية لكنه يتجاوزها ويفتح الباب للمستقلين والناشطين. ستُتهم الحركة بـــــ «تقسيم الصف الوطني» أو «التخريب»، فيكون جوابها: نحن لا نقسم الصف، بل نُكثّف الجماهير المهمشة التي لا يمثّلها أحد، ونضغط لتحويل الانتخابات من صراع على المناصب إلى صراع على السياسات والعدالة الاجتماعية.
• مواجهة الهيمنة الثقافية والسياسية: تقديم بديل فكري واقتصادي مقنع قائم على خطة وطنية تنموية تضمن العدالة في توزيع الثروات وتواجه الفساد وتعيد تعريف معنى الصمود كقوة إنتاجية.
• الخاتمة: انتخابات 2026… نقطة انطلاق من الجذور إلى المستقبل
ليست العبرة بعدد المقاعد التي قد تحصل عليها الحركة اليسارية الجديدة في المجلس التشريعي، وإنما العبرة في استعادة اليسار لحضوره في الشارع، وزرع بذور تنظيمية في تربة اجتماعية جافة الآن ولكنها خصبة، وتربية جيل جديد من المناضلين لا يعرف الفكر الماركسي نظرياً فحسب، بل يمارسه في أروقة الحملات الانتخابية وفي مواجهة الفقر وفي التفاوض اليومي مع الجماهير.
إنّ إعلان الحركة اليوم، تحت مظلة الانتخابات، ليس انتهازية سياسية، بل طريق استراتيجي يستثمر الإطار القائم لتفكيكه وإعادة بنائه. هذا المشروع هو الجسر الذي يربط تضحيات الماضي الشيوعي بجذوره الممتدة في النضال الطبقي، بآمال الأجيال القادمة التي تتوق إلى فردوس أرضي: فلسطين حرة ديمقراطية تسودها العدالة الاجتماعية، حيث تكون الكرامة الإنسانية هي الرأسمال الحقيقي، والحرية هي الأجر اليومي لكل عامل ومزارع وأم ومناضل.
المستقبل لا ينتظر… بل يُبنى بأيدي الجماهير، من الجذور إلى الأفق.
ناشط سياسي فلسطيني مقيم في مدينة نابلس (فلسطين)
#سلام_الزاغة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟