أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - كتابة الموت














المزيد.....

كتابة الموت


نورالدين حنيف

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 20:43
المحور: قضايا ثقافية
    


و نحن نكتب رغبتنا في الحياة إنما نكتب موتنا باستمرار. هذه مفارقة عجيبة لكنها كائنة شئنا أم أبينا، و لا أحد ينفلت من عضويته فيها بصورة أو بأخرى. و هي عضوية لا تشريف فيها و لا تسييد و لا تنقيص، (فالموت هو أعدل مخلوق خلقه الله على وجه البسيطة).
لكن الحديث هنا لن يكون واعظا حكيما يمتلك الوصايا الكفيلة بالانتصار القيمي على الموت، و إنما غرضنا بيان كيف تتورّط الكتابة في فعل الموت و هي لا تدرك ذاتها المورَّطَة.
ما معنى الكتابة إن لم تكن حرصا على تسويد الوجود الشخصي والجمعي معاً والتأريخ لهما؟
ما معنى الكتابة إن لم تكن حرصا شديدا على تبويب الحياة الشخصية داخل خانات إبداعية مفتوحة على الآخر كي يقرأ وشمها الغابر و الظاهر و بالتالي يقرأ خوفها و أمانها معاً.
أن أكتب الحياة معناهُ أنني أكتب بدايات كوني المصغّر، سواء نثرتُ أم شعرتُ أم مسرحتُ أم رويتُ أم شكّلتُ أم رقصتُ أم مثّلتُ أم نحتتُ أم...
إنني في كل هذا أكتبني بدءاً و أكتبني نهايةً، و معنى ذلك أنني عندما أكتب البداية فحتما يسكنني شرط النهاية، و يؤرّقني حدّها المسلّط على رقبتي مثل سيف ديمقليطس، و يعنّفني حضورها المتواري خلف جُدُر البدايات المختلفة و المتعددة و الراقصة احتفالاً بهذه الحياة .
إنني و أنا أكتبني بدايةً أمارسُ طقوسي منذ الولادة إلى الموت، منذ الصرخة الأولى المغادرة للرحم، إلى الصرخة الأخيرة التي تمارسها قريبةٌ من أقاربي. هذه الطقوس التي أبنيها كتابةً عبر النوع الأدبي الذي يختارني، هي أشبه بالرقص على نارٍ، بحيث و أنا أرقص ، أي أكتب، تتبدى لي تلك الظلالُ المتحركة المنعكسة لأجسادي المكتوبة. و لكنها ليست كذلك، إنها ظلالٌ لا للأجساد الحاضرة في عمقي، و إنما هي ظلالُ التأويلاتِ الممكنة لكتاباتي الموحَّدة في المعنى، المتعددة في التأويل.
إن كل ظلٍّ هو جسد، و كلّ جسد هو نصّ كُتبَ لينتهي، ليلفظ أنفاسه الأخيرة في اللحظة التي انبثق فيها مولودا جديداً. و الجديدُ هنا أضعه بين قوسين، إذ ما إن يخرج من قناعتك باحتضانه عن عيون القراء إلا ويصبح قديماً حتى و لو كان عمره دقيقة أو دقيقتين بعد الخروج أو النشر. مثله في ذلك مثل الزمن، فلا حق لنا في وصف الحاضر بالحاضر المطلق، إذ ما إن تمر الدقيقة الأولى على قولنا بالحاضر إلا و يدخل هذا الأخير في عرف الماضي قياساً للحظة الحاضرة المتجددة التي أنا فيها الآن.
هنا نستطيع القول إن الجسد - النص يموت حال خروجه من رحم المبدع، و بالتالي فهو يكتب موته أثناء كتابة الحياة ذاتها. و كلّ إبداعٍ خرج من قبضة المؤلف إلى قبضات القرّاء يصبح إبداعا قديما، أي ميّتاً و هو في قمّة الحياة، لأن صاحبه يفكّر مباشرة في العمل الثاني الذي يُنسيه العمل الأول، و في الرابع الذي يلهيه عن الثالث... و هكذا دواليك. تتمّ العملية في لعبة وجودية تستلذّ قبضتي الحياة و الموت معاً.
و حتى لا نكون مقاربين جزئيين في غير إنصاف، نقول: إن العمل الإبداعي الذي وسمناه بالموت حال خروجه من عرين صاحبه، يملك القدرة الزئبقية على الحياة و الانبعاث، و على التجدد الدائم و على التواري و التخفي أيضا، و ذلك تبعا لطبيعة قارئه لا لطبيعةٍ فيه، إن القارئ هو من يضخ أسباب الحياة في الكتابة المشَرّحة أمام ناظريه، وهو من ينفخ فيها روح الحركة، و حركة الروح... و هو أيضا من يبثّ فيها سموم الجمود و السكون إذا ما تعامل مع الكتابة الغيرية بالإهمال والترك. و هو تركٌ لا يقتل الكتابةَ بقدر ما يقتل وضعها العابر بين يدي هذا القارئ المهمل. أما هي فحيّةٌ بطبيعتها ميّتةٌ بطبيعته، حيّة بالقوّة في ذاتها، ميّتةٌ بالفعل في ذاته



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السياسة لا تقبل الفراغ
- الشيطانُ كائنٌ وسيم - قصّة


المزيد.....




- قطر تدعو لتعزيز دور الدبلوماسية الإنسانية
- أفضل التمارين للحفاظ على صحة العظام
- خبير يكشف أسباب صعوبة الاستيقاظ صباحا في الخريف
- إنجاز علمي غير مسبوق.. نقل البروتونات المضادة بالشاحنة دون ف ...
- موسكو تقترح ربط الخليج العربي بالصين وروسيا وأوروبا
- G7 تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتحذر من تهديد -غير مقبو ...
- غارات جوية مكثفة تستهدف مواقع حوثية غربي تعز
- ” الرى” : مصر تستضيف فعاليات المؤتمر العربي السابع للمياه، ا ...
- “مي عبد الحميد” تقدم شرحًا وافيًا للمبادرة الرئاسية “سكن لكل ...
- التعليم العالي: إعلان نتيجة تقليل الاغتراب لطلاب الثانوية ال ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - كتابة الموت