آراس اليوسف
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 20:40
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ما أن تُذكر جناق قلعة في تركيا اليوم، حتى تُستحضر باعتبارها واحدة من أعظم الانتصارات في التاريخ التركي!؟، حيث تُرفع الأعلام التركية، وتُروى سرديات وأساطير الشهداء والجنود، ويُربط الانتصار بصورة الأمة التركية التي دافعت عن وطنها.
لكن كل هذا لايستطيع أن يخفي سؤالا تاريخيًا أساسيًا يغيب غالبًا عن هذه الرواية، وهو: ترى من كان هذا الجيش الذي قاتل في جناق قلعة عام 1915؟
كانت جناق قلعة إحدى أهم معارك الحرب العالمية الأولى. وقد حاولت بريطانيا وفرنسا وحلفاؤهما السيطرة على مضيق الدردنيل والوصول إلى إسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية، بينما تولى الجيش العثماني الدفاع عن المضيق وشبه جزيرة غاليبولي. فقد بدأت الحملة الكبرى عام 1915 وانتهت بانسحاب قوات الحلفاء في بداية عام 1916.
في ذلك الوقت لم تكن الجمهورية التركية موجودة أصلًا. كانت الدولة العثمانية لا تزال قائمة، وكانت هناك دولة واسعة تضم شعوبًا وقوميات متعددة. لذلك فإن الجيش الذي وقف في جناق قلعة لم يكن جيش دولة قومية تركية، وإنما كان الجيش العثماني الذي ضم في صفوفه أبناء قوميات ومناطق مختلفة، من الأتراك والكرد والعرب والشركس وغيرهم.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الدور الكردي الذي جرى تهميشه في الرواية القومية اللاحقة.
فقد شارك الكرد في التشكيلات العسكرية العثمانية، وظهر بينهم ضباط وصلوا إلى مواقع متقدمة في هرم القيادة.
ومن أبرز الأسماء في هذا السياق هو كاظم إنانج، المولود في دياربكر عام 1880. ففي 15 آذار/مارس 1915، أي قبل الإنزال البري للحلفاء بأسابيع، عُيّن رئيسًا لأركان الجيش الخامس العثماني، وهو الجيش المسؤول عن الدفاع عن جناق قلعة.
وهذا المنصب يحمل أهمية كبيرة. إنه يعادل أو يعني رئيس أركان الجيش، و ليس قائد وحدة صغيرة ولا ضابطًا ميدانيًا عابرًا، وإنما أحد كبار المسؤولين عن التخطيط والتنظيم وإدارة العمليات العسكرية، باعتباره يعمل مباشرة ضمن القيادة العليا للجيش.
وتنسب مصادر تاريخية كاظم إنانج إلى أصل كردي، فيما توثق المصادر الرسمية التركية مولده في دياربكر ومنصبه العسكري. وبغض النظر عن الجدل حول التفاصيل العائلية، فإن وجود ضابط من دياربكر في هذا الموقع القيادي خلال معركة جناق قلعة حقيقة موثقة.
وهذا يغيّر كثيرًا من الصورة التي تُقدَّم عن المشاركة الكردية.
فإذا كان الجيش الذي دافع عن جناق قلعة جيشًا عثمانيًا متعدد القوميات، وكان أحد كبار ضباط قيادته العليا من دياربكر ومنسوبًا إلى أصل كردي، بل أن يكون كرديا، فهذا يعني أن الكرد كانوا أكبر من مجرد قوة بشرية تُستدعى عند الحاجة، لأنهم كانوا جزءًا من المؤسسة العسكرية نفسها، وقد وصل بعضهم إلى مواقع مؤثرة في قيادتها.
كما شارك جنود وضباط كرد من مناطق مختلفة في صفوف الجيش العثماني، وسقط منهم قتلى في الحرب. ولا تسمح السجلات المتوفرة بإعطاء رقم دقيق لعدد الكرد الذين شاركوا في جناق قلعة، لأن التصنيف العسكري لم يكن يقوم على القومية بالشكل الذي يسمح بإحصاء هؤلاء الجنود اليوم، إلا أن أهمية المشاركة لا تقاس فقط بعدد ما يمكن وضعه في جدول، وإنما ينظر إليه من خلال المواقع التي وصل إليها أصحابها داخل الجيش.
وعندما ننظر إلى بقية مكونات الجيش، تظهر صورة أكثر وضوحًا لطبيعة المعركة.
فقد شاركت وحدات تضم جنودًا عربًا من سوريا وبلاد الشام، ومن بينها الفرقتان 72 و77. وتذكر المصادر العسكرية أن عددًا كبيرًا من جنود الفوج 77 فرّ من ساحة القتال، كما سُجلت حالات فرار وتشتت في الوحدات المرتبطة به. وتدخلت القيادة العثمانية لإعادة الفارين إلى مواقعهم.
هذه الواقعة- في الحقيقة- جزء من تاريخ جناق قلعة كما سجلته المصادر، وتوضح في الوقت نفسه أن الجيش العثماني الذي خاض المعركة كان مؤلفًا من مجموعات سكانية مختلفة، ولم يكن جيشًا متجانسًا قوميًّا.
وهو مايقود إلى السؤال الأهم : لماذا يُختزل هذا الجيش اليوم في تسمية واحدة؟
إن تحويل جناق قلعة من انتصار للدولة العثمانية إلى «انتصار تركي» خالص هو نتيجة طبيعية لإعادة قراءة التاريخ العثماني من منظور الجمهورية التركية التي تأسست عام 1923. ومع مرور الزمن، أصبحت المعركة إحدى أهم أدوات بناء الذاكرة الوطنية التركية، وأخذت الهوية العثمانية المتعددة القوميات تتراجع أمام الرواية القومية الجديدة.
وهنا يُدفع الكرد إلى هامش القصة، رغم أن التاريخ نفسه يقدم مثالًا يصعب تجاهله: كاظم إنانج، القادم من دياربكر، كان رئيس أركان الجيش الخامس في جناق قلعة.
ولابد من التأكيد أن ما نتناوله، هنا، لايعد قصة عن كردي شارك في معركة وانتهى الأمر. إنها إشارة إلى موقع الكرد داخل الدولة العثمانية ومؤسساتها العسكرية في تلك المرحلة.
كما أن الاعتراف بالدور الكردي لا يعني تحويل جناق قلعة إلى «معركة كردية». هذه معركة عثمانية، وهذا تحديدًا ما يجعل المشاركة الكردية مهمة: الكرد كانوا جزءًا من الدولة والجيش اللذين خاضا المعركة، وكان حضورهم موجودًا في القيادة وفي الميدان.
المشكلة، إذن، ليست في أن تركيا تحتفل بجناق قلعة. من الطبيعي أن تكون المعركة جزءًا من ذاكرتها التاريخية. المشكلة تبدأ عندما تتحول ذاكرة الانتصار إلى رواية تمحو الآخرين الذين شاركوا فيه، ثم يُعاد تقديم الجيش العثماني وكأنه كان جيشًا تركيًا قوميًّا قبل وجود الجمهورية التركية نفسها.
فجناق قلعة- على ضوء كل هذا- قد وقعت عام 1915، أي في زمن الدولة العثمانية.
والجيش الذي دافع عنها كان عثمانيًا.
والدولة العثمانية كانت تضم شعوبًا متعددة.
والكرد كانوا إحدى هذه الشعوب، وشاركوا في الجيش، ووصل أحد الضباط المنسوبين إلى أصل كردي إلى موقع رئيس أركان الجيش الخامس في واحدة من أهم جبهات الحرب.
لذلك، فإن استعادة الدور الكردي في جناق قلعة هي محاولة إنصاف؟ لإعادة جزء من التاريخ الذي جرى اختصاره، واختزاله.
جناق قلعة صنعها جيش عثماني متعدد القوميات، وكان الكرد جزءًا من هذا الجيش، في القيادة والميدان. أما تحويل ذلك الانتصار العثماني المشترك إلى ملكية قومية تركية خالصة، فهو قراءة لاحقة للتاريخ وليست صورة كاملة لما حدث عام 1915.
المصادر
- وزارة الدفاع الوطني التركية (MSB)، السيرة العسكرية لكاظم إنانج وتوثيق تعيينه رئيسًا لأركان الجيش الخامس في 15 آذار 1915.
"وزارة الدفاع الوطني التركية – كاظم إنانج" (https://reference-url-citation.invalid/0)
- موسوعة أتاتورك الرسمية، جبهة جناق قلعة، والفرقة التاسعة عشرة والفوجان 72 و77 والوقائع المتعلقة بفرار قسم من الجنود.
"موسوعة أتاتورك – جبهة جناق قلعة" (https://reference-url-citation.invalid/1)
- Çanakkale Savaşları Gelibolu Tarihi Alan Başkanlığı، أرشيف المنطقة التاريخية لجناق قلعة، ويتضمن مراجع حول مشاركة الكرد في الحرب.
"أرشيف جناق قلعة التاريخي" (https://reference-url-citation.invalid/2)
- Tarih ve Günce، دراسة أكاديمية حول نشاط كاظم إنانج في جبهة جناق قلعة.
"الدراسة الأكاديمية عن كاظم إنانج" (https://reference-url-citation.invalid/3)
- Atatürk Kültür Merkezi، ببليوغرافيا معارك جناق قلعة، وتتضمن مراجع حول مشاركة الكرد.
"ببليوغرافيا جناق قلعة" (https://reference-url-citation.invalid/4)
- Suavi Aydın – Birikim، دراسة حول طبيعة الجيش العثماني وتعدد مكوناته في جناق قلعة.
"دراسة عن الجيش العثماني في جناق قلعة" (https://reference-url-citation.invalid/5)
#آراس_اليوسف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟