آراس اليوسف
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 09:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ثمة شعوب ظهرت عبر التاريخ، وهي تقدم في الكتب التي تتناولها، وكأنها ظلت دائماً في مركز الأحداث، فيما تختصر صفحات كثيرة تاريخ شعوب أخرى ضمن مراحل حديثة من عمر المنطقة، وقد تعرض التاريخ الكردي لهذا الاختزال طويلاً رغم حضور الكرد السياسي والعسكري والعلمي والثقافي الممتد عبر قرون، إذ شاركوا من ديار بكر وملاذكرد إلى بغداد ودمشق، ومن جبال زاغروس إلى تبريز، في صناعة دول وإمارات وتحولات كبرى، كما خاضوا معارك غيرت موازين المنطقة وقدموا قادة وعلماء وشعراء تركوا آثاراً تجاوزت المجال الكردي إلى تاريخ الشرق كله. ومن هنا تبدو العودة إلى المحطات التاريخية المتعاقبة ضرورة لفهم موقع الكرد في تاريخ المنطقة قبل نشوء الحدود والدول الحديثة بقرون طويلة.
بدأت إحدى المحطات البارزة مع الإمارة المروانية التي قامت بين عامي 990 و1085م واتخذت من ميافارقين وديار بكر مراكز رئيسية لها، حيث امتد نفوذها إلى أجزاء واسعة من ديار بكر والجزيرة وأصبحت المنطقة في عهدها مركزاً سياسياً وعسكرياً مهماً، وهو ما يضع الحضور السياسي الكردي في جنوب شرق الأناضول ضمن حقبة سبقت قيام الدولة العثمانية بقرون. وكان الأناضول آنذاك فضاءً تتداخل داخله شعوب وإمارات وقوى سياسية متعددة، والكرد كانوا إحدى القوى التي شاركت في تشكيل واقعه وصراعاته وتحالفاته.
وجاءت معركة ملاذكرد في 26 أغسطس/آب 1071م ضمن هذا المناخ التاريخي، إذ واجه السلطان السلجوقي ألب أرسلان الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع وانتهت المعركة بانتصار السلاجقة، ثم تسارعت بعدها عملية استقرار القوى الإسلامية داخل الأناضول وبدأت تحولات طويلة ستنشأ ضمنها لاحقاً سلطنات وإمارات ودول تركية وكردية وقوى محلية أخرى. وكانت القوى الكردية المنتشرة في شرق الأناضول والجزيرة جزءاً من البيئة العسكرية والسياسية المحيطة بهذه التحولات، الأمر الذي يجعل تاريخ الأناضول أوسع من الروايات التي تحصره ضمن قومية واحدة ويضع الكرد ضمن المكونات الفاعلة في حروبه وتحالفاته واستقراره السياسي.
وفي القرن الثاني عشر انتقل الحضور الكردي إلى مستوى آخر مع صلاح الدين يوسف بن أيوب الذي ولد في تكريت سنة 1137 أو 1138م ضمن عائلة كردية ونشأ في بيئة عسكرية وسياسية قادته لاحقاً إلى موقع بالغ التأثير في تاريخ المنطقة، حيث أنهى الدولة الفاطمية في مصر سنة 1171م واستطاع خلال السنوات التالية توحيد مصر والشام وأجزاء واسعة من المشرق، ثم حقق انتصاره في معركة حطين في 4 يوليو/تموز 1187م ودخل القدس في 2 أكتوبر/تشرين الأول من السنة نفسها. وقد تجاوز حضور صلاح الدين حدود انتمائه القومي ليصبح واحداً من أشهر قادة التاريخ الإسلامي، غير أن جذوره الكردية تظل جزءاً أساسياً من سيرته ومن تاريخ القوى والشخصيات الكردية التي وصلت إلى مراكز القرار في الشرق الإسلامي.
وبالتوازي مع الحضور العسكري والسياسي، شهدت ديار بكر- آمد- تجربة علمية لافتة ارتبطت ببديع الزمان أبو العز بن إسماعيل بن الرزاز الجزري الذي عاش تقريباً بين 1136 و1206م وعمل في بلاط حكام الدولة الأرتقية، ثم أكمل سنة 1206م كتابه "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل"، وقد ضم الكتاب أوصافاً لعشرات الآلات والساعات المائية والمضخات وأجهزة رفع المياه والآليات ذاتية الحركة، إلى جانب تصاميم ميكانيكية تنفذ حركات محددة بصورة آلية. ولهذا احتل الجزري مكانة بارزة في تاريخ الهندسة الميكانيكية، ولا سيما أن عدداً من أفكاره وتصاميمه سبق الثورة الصناعية الأوروبية بقرون.
ومع انطلاق الدولة العثمانية قرابة سنة 1299م من إمارة صغيرة في شمال غرب الأناضول ثم توسعها خلال القرنين التاليين، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من إعادة توزيع القوة، وكان الأناضول الذي تمددت فيه الدولة العثمانية يضم الأتراك والكرد والأرمن واليونانيين والسريان ومكونات أخرى، فيما احتفظت إمارات كردية في الشرق بدرجات متفاوتة من الاستقلال المحلي. وقد برزت خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر إمارات بوتان وبدليس وهكاري وبهدينان وسوران وبابان والعمادية وغيرها، وامتلكت هذه الإمارات أمراء وجيوشاً ونفوذاً محلياً وكانت تتحرك ضمن شبكة واسعة من التحالفات والمصالح والظروف السياسية، وهو ما جعلها كيانات سياسية كردية فعلية أدارت مساحات واسعة من كردستان وفق نظم ذلك العصر.
ثم ظهرت الدولة الصفوية سنة 1501م عندما دخل الشاه إسماعيل الأول تبريز وأعلن قيامها، لتصبح لاحقاً قوة كبرى في تاريخ إيران والمنطقة. وقد اختلف المؤرخون في أصول الأسرة الصفوية، وظهرت روايات تربط جذورها بالمجال الكردي والإيراني المحلي في مقابل تطورها اللاحق داخل البيئة الأذربيجانية واللغة التركية، فيما كانت المناطق الكردية حاضرة بقوة داخل الجغرافيا الصفوية ومجال الصراع بينها وبين الدولة العثمانية.
وتكثف ذلك الصراع في معركة جالديران في 23 أغسطس/آب 1514م بين السلطان سليم الأول والشاه إسماعيل، وهي معركة تركت أثراً بعيداً في تاريخ المنطقة، إذ دخل جزء كبير من كردستان بعدها في المجال العثماني وبقيت مناطق كردية أخرى ضمن النفوذ الصفوي، ومنذ تلك المرحلة أخذ المجال الكردي يتوزع بصورة متزايدة بين الإمبراطوريتين. وفي السنوات التالية لعب المؤرخ والسياسي الكردي إدريس البدليسي دوراً مؤثراً في تنظيم العلاقة بين السلطان سليم الأول وعدد من الأمراء الكرد، ودخلت إمارات كردية عديدة في النظام العثماني مع احتفاظها بدرجات من الحكم المحلي، كما شكلت هذه الإمارات قوة على الحدود الشرقية للدولة العثمانية في مواجهة الصفويين وأسهمت في تثبيت التوازن العسكري والسياسي في تلك الجغرافيا.
واستمر الصراع العثماني الصفوي حتى جاءت معاهدة" زهاب"، المعروفة أيضاً بمعاهدة قصر شيرين، في 17 مايو/أيار 1639م لتضع حداً لإحدى المراحل الطويلة من المواجهة بين الإمبراطوريتين وترسخ خطاً حدودياً اكتسب أثراً متزايداً في تاريخ المنطقة. وكانت كردستان من أكثر المجالات تأثراً بتلك الحدود التي بدأت تقسم جغرافيا عاش فيها الكرد منذ قرون، ويمكن تتبع أحد الجذور المبكرة للمسألة الكردية الحديثة من خلال هذه التحولات التي جعلت المجال السكاني والجغرافي الكردي موزعاً داخل سلطات سياسية متنافسة.
وخلال القرن التاسع عشر شرعت الدولة العثمانية في تعزيز سلطتها المركزية وإنهاء أنماط الحكم المحلي الواسع، فأخذ نفوذ الإمارات الكردية يتراجع تدريجياً حتى انتهت إمارة بوتان بقيادة الأمير بدرخان بك سنة 1847م عقب صراع مع السلطة العثمانية، وكان سقوطها مؤشراً إلى نهاية مرحلة طويلة من الإدارة الكردية المحلية. وأعقب ذلك تحول في أدوات الحضور الكردي، إذ ازداد دور الثقافة والصحافة والتعليم والعمل السياسي الحديث، حتى صدرت صحيفة "كردستان" في القاهرة سنة 1898م على يد مقداد مدحت بدرخان لتصبح محطة أساسية في تطور الصحافة الكردية، ومنها دخلت اللغة والقضايا الثقافية والسياسية الكردية مرحلة جديدة ارتبطت بصعود الصحافة الحديثة والقوميات في المنطقة.
وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى سنة 1918م وسقطت الدولة العثمانية، دخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة رسم حدوده وكياناته السياسية، وبرز موقع الكرد في النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة، ثم جاءت معاهدة سيفر في 10 أغسطس/آب 1920م متضمنة ترتيبات تخص المناطق الكردية وإمكانية إنشاء كيان كردي ضمن شروط وإجراءات محددة. غير أن موازين القوى تغيرت سريعاً مع صعود الحركة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال، إلى أن وقعت معاهدة لوزان في 24 يوليو/تموز 1923م وثبتت حدود الجمهورية التركية الجديدة وانتهت الترتيبات التي فتحتها سيفر أمام المشروع الكردي، وبذلك أصبح توزع الكرد بين تركيا والعراق وسوريا وإيران أكثر وضوحاً في النظام الإقليمي الجديد.
وفي سوريا امتدت مرحلة الانتداب الفرنسي من 1920 إلى 1946م، وخلالها شارك الكرد في الحياة السياسية وفي مقاومة الانتداب، بالتوازي مع نشاط ثقافي وصحفي ساهمت فيه شخصيات ومؤسسات كردية وكان لآل بدرخان دور مهم في تطوير الصحافة والكتابة باللغة الكردية. وحين انتهى الانتداب الفرنسي في 17 أبريل/نيسان 1946م ودخلت سوريا مرحلة الاستقلال، انتقلت القضية الكردية إلى سياق سياسي جديد ارتبط باللغة والهوية والحقوق الثقافية والسياسية ضمن الدولة السورية الحديثة.
وكانت الثقافة حاضرة طوال هذه القرون إلى جانب السياسة والحروب والإمارات، إذ برز ملا جزيري خلال القرن السابع عشر بين كبار شعراء الكرد الكلاسيكيين، كما عاش أحمد خاني بين نحو 1650 و1707م وكتب "مم وزين" التي احتلت موقعاً مركزياً في الأدب الكردي، وإلى جانبهما ظهر فقي تيران وشعراء آخرون ساهموا في حفظ اللغة والأدب والذاكرة الثقافية عبر أزمنة افتقر فيها الكرد إلى دولة تجمع مناطقهم.
وهكذا تمتد السلسلة التاريخية من الإمارة المروانية في القرنين العاشر والحادي عشر إلى ملاذكرد سنة 1071م، ثم إلى صلاح الدين والجزري في القرن الثاني عشر، فإلى نشوء الدولة العثمانية والإمارات الكردية وصراع العثمانيين والصفويين وجالديران وزهاب، وصولاً إلى سقوط بوتان وظهور الصحافة الكردية ونهاية الدولة العثمانية وسيفر ولوزان واستقلال سوريا. ويكشف اتصال هذه المراحل امتداد الحضور الكردي لأكثر من ألف عام ضمن قلب التحولات التي صنعت الشرق الأوسط.
وتبدو هذه الصورة أكثر وضوحاً عند قراءة تاريخ تركيا وإيران والعراق وسوريا خارج الحدود السياسية الراهنة، إذ سبقت هذه الدول إمبراطوريات وسلطنات وإمارات وشبكات واسعة من الشعوب والقوى المتداخلة، وكان الكرد حاضرين في تلك الجغرافيا عبر الجيوش والإمارات والتحالفات والحروب والإدارة والثقافة والعلم والصحافة ومقاومة الاحتلال، ثم وجدوا أنفسهم خلال القرن العشرين موزعين بين أربع دول بعد انهيار الإمبراطوريات وتغير الخرائط مرات متتالية.
ومن المروانيين في القرن الحادي عشر إلى صلاح الدين في القرن الثاني عشر، ومن الإمارات الكردية في الحقبة العثمانية إلى جالديران سنة 1514م وزهاب سنة 1639م، ثم إلى سيفر سنة 1920م ولوزان سنة 1923م، يمتد تاريخ شعب عاش تحولات الخرائط والدول من داخلها وشارك في صناعتها قبل أن تستقر الحدود الحديثة بصورتها المعروفة اليوم، ولذلك تظل قراءة تاريخ الأناضول وإيران والعراق وسوريا مرتبطة أيضاً بقراءة الحضور الكردي العسكري والسياسي والعلمي والثقافي الذي رافق تاريخ المنطقة قروناً طويلة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟