مادهاب بانت
عضو في الحزب الشيوعي النيبالي.
(Madhab Pant)
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 10:36
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
مادهاب بانت عضو في الحزب الشيوعي النيبالي.
في حوالي الساعة الثامنة والنصف صباحًا من يوم 26 أغسطس/آب 2026، اندفع جدار هائل من المياه والطين والجليد والصخور الضخمة عبر نهر ليندي خولا نحو منظومتي نهري بوتيكوشي وتريشولي. وجاء السيل المفاجئ من دون هطول أمطار محلية أو إطلاق صفارات إنذار، ففاجأ المجتمعات الواقعة على الحدود، مثل تيموري، في منتصف الصباح.
وفي البداية، اعتُقد أن الهزات الأرضية التي شعر بها السكان ناجمة عن زلزال، لكن بيانات الأقمار الصناعية والرصد الزلزالي أكدت لاحقًا السبب الحقيقي: انهيار ضخم للصخور والجليد على ارتفاعات شاهقة بالقرب من لانغتانغ ليرونغ، في الجانب التبتي، امتد على مساحة تقارب كيلومترًا مربعًا وأحدث صدمة أرضية تعادل زلزالًا بقوة 5.2 درجات.
وبعد أن هبط الانهيار مسافة عمودية بلغت 1200 متر إلى الوادي، سدّ نهر ليندي مؤقتًا قبل أن ينهار الحاجز، مطلقًا كتلة هائلة محمّلة بالحطام، اجتاحت مناطق راسوا ونواكوت ودادينغ وغورخا وتاناهون وتشيتوان.
العوامل البيئية والتسلسل الهيدرولوجي للكارثة
كشفت الكارثة عن الهشاشة الشديدة للأنظمة البيئية في مرتفعات الهيمالايا في ظل تغير المناخ. فارتفاع درجات الحرارة وتسارع دورات التجمد والذوبان يؤديان تدريجيًا إلى إضعاف التربة الصقيعية والروابط الجليدية التي تثبّت الصخور في الجبال، مما يجعل المنحدرات أكثر عرضة للانهيار.
ولم تكن هذه حادثة معزولة؛ إذ كانت فيضانات أصغر ناجمة عن انفجار بحيرات جليدية في يوليو/تموز 2025 قد أضعفت بالفعل التربة السطحية واستقرار ضفاف الأنهار في المنطقة.
وقد تطورت الكارثة على مرحلتين. ففي المرحلة الأولى، أدى الانهيار الجليدي والصخري إلى تشكيل سد مؤقت من الحطام عبر الممر الضيق لنهر ليندي خولا. وتراكم الضغط المائي بسرعة خلف الجدار المؤلف من الجليد والصخور مع تدفق المياه الناتجة عن ذوبان الأنهار الجليدية ومياه النهر، إلى أن انهار الحاجز.
أما في المرحلة الثانية، فقد اندفعت الكتلة المحررة إلى أسفل مجرى النهر بسرعة تجاوزت 75 كيلومترًا في الساعة، جارفـةً معها التربة السطحية والحصى والصخور، ومتحولة إلى تيار شديد الكشط حفر مجاري الأنهار وجرّد جوانب الأودية وقوّض أساسات الجبال عبر ممرات بوتيكوشي وتريشولي وناراياني.
ولا تزال بحيرات حاجزية ثانوية تتشكل في بعض الروافد العليا المسدودة، الأمر الذي دفع السلطات إلى إصدار تحذيرات جديدة من الفيضانات في المناطق الواقعة أسفل مجرى النهر.
الخسائر البشرية والدمار في البنية التحتية
وفقًا للهيئة الوطنية للحد من مخاطر الكوارث وإدارتها في نيبال والشرطة النيبالية، كانت الخسائر البشرية والمادية كارثية. فقد تجاوز عدد الوفيات المؤكدة 669 شخصًا، فيما جرفت المياه الضحايا إلى مناطق بعيدة مثل تشيتوان، حيث سُجلت 248 وفاة، وناوالباراسي الشرقية بـ158 وفاة، وناوالباراسي الغربية بـ75 وفاة.
كما عُثر على بعض الجثامين على بعد يصل إلى 240 كيلومترًا داخل ولاية أوتار براديش الهندية.
ولا يزال ما بين 1000 و2426 شخصًا في عداد المفقودين، بينهم 933 عاملًا في قطاع الطاقة الكهرومائية، وعشرات من أفراد الجيش النيبالي والشرطة وقوات الشرطة المسلحة وموظفي الجمارك والسكان المحليين، إضافة إلى أكثر من 500 مواطن أجنبي، معظمهم من المتنزهين وحجاج كايلاش ماناساروفار القادمين من أكثر من 30 دولة.
وعلى صعيد الإنقاذ والتعافي، تلقى ما بين 3700 و4400 ناجٍ العلاج أو تم إجلاؤهم، من بينهم نحو 200 عامل جرى إنقاذهم من أنفاق محطات الطاقة الكهرومائية التي غمرتها المياه.
وتشير التقديرات الحالية إلى أن حجم الأضرار تجاوز 200 مليار روبية نيبالية. وقد دمّر الفيضان أكثر من 80 جسرًا، بينها أكثر من 35 جسرًا للسيارات وأكثر من 45 جسرًا معلقًا، كما جرف نحو 40 كيلومترًا من الممر التجاري الحيوي بين بيتراواتي وراسوا غادي، مما أدى إلى توقف التجارة البرية مع الصين.
كما تعرضت 13 محطة كهرومائية تعمل بنظام الجريان النهري، من بينها محطة راسوا غادي بقدرة 111 ميغاواط ومحطة تريشولي العليا 3A بقدرة 60 ميغاواط، لأضرار هيكلية مباشرة، مما أدى إلى خروج مئات الميغاواطات من شبكة الكهرباء الوطنية.
اضطراب بيئي ومخاطر من صنع الإنسان
إلى جانب الخسائر البشرية والاقتصادية، أدى الفيضان العنيف إلى تدمير الموائل المائية والقضاء على تجمعات الكائنات اللافقارية في مناطق واسعة من حديقة لانغتانغ الوطنية والمناطق العازلة المحيطة بها.
وجرفت الكارثة ملايين الأطنان من التربة السطحية من المنحدرات الجبلية، فيما أدت الرواسب الكثيفة من الطمي إلى مزيد من تدهور الأراضي الزراعية في المناطق الواقعة أسفل مجرى النهر.
وتحذر التقييمات البيئية من أن الحطام غير المستقر المتبقي في الروافد العليا قد يؤدي إلى تشكل بحيرات حاجزية جديدة، مما يزيد خطر حدوث فيضانات انفجارية أخرى عند عودة الأمطار.
كما ساهم النشاط البشري في هذه الممرات الجبلية الضيقة في مضاعفة حجم الدمار. فقد أضافت مشاريع الطرق التي اقتربت من مجاري الأنهار، وضيق السهول الفيضية، ومخلفات الحفر الناتجة عن مواقع البناء، كميات إضافية من المواد إلى مسار الفيضان.
وعندما اندفعت موجة المياه، تحولت هذه المخلفات ومجاري الأنهار الضيقة إلى عوامل خطر إضافية زادت من قوة التيار وشدة الدمار.
الاستجابة الطارئة والتعاون عبر الحدود
نشرت نيبال أكثر من 15 ألف عنصر من الجيش والشرطة وقوات الشرطة المسلحة، إلى جانب مروحيات عسكرية وخاصة، لتنفيذ عمليات إجلاء جوي وإيصال المساعدات الطبية وعمليات البحث والإنقاذ.
كما أنشأت الهيئة الوطنية للحد من مخاطر الكوارث وإدارتها 12 فريق تنسيق قطاعيًا لتتبع المفقودين، وإعادة تشغيل شبكة الكهرباء، وتنظيم إيصال المساعدات، بدعم من صناديق الإغاثة وشحنات كبيرة من المواد الغذائية والمأوى والمستلزمات الطبية.
ولأن المخاطر في المناطق الجبلية العالية تتجاوز الحدود الوطنية، تطلبت الاستجابة تنسيقًا إقليميًا سريعًا. فقد فعّلت الصين بروتوكولات الطوارئ في محيط ميناء جيرونغ، وأرسلت أكثر من 500 من عمال الإنقاذ، بينما شاركت الفرق الهيدرولوجية الصينية بيانات فورية حول مستويات المياه والبحيرات الحاجزية المستندة إلى صور الأقمار الصناعية مع قسم التنبؤ بالفيضانات في نيبال.
وفي الهند، جرت عمليات التعافي في المناطق الحدودية من ولايتي بيهار وأوتار براديش، كما فُتحت بوابات سد فالمكيناغار على نهر غانداك للتعامل مع كميات المياه المتدفقة، وتم إنشاء خطوط هاتفية للمساعدة في البحث عن الحجاج المفقودين.
وساهمت الولايات المتحدة والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر وشبكات الإغاثة الدولية في توفير التمويل الطارئ ومواد الإيواء ودعم تتبع المسافرين والمساعدة الدبلوماسية للمواطنين الأجانب المتضررين.
إن منع تكرار كارثة بهذا الحجم يتطلب تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود، وفرض مناطق حماية على ضفاف الأنهار بشكل صارم، وإجراء تقييمات بيئية تراكمية وشاملة لمشاريع أحواض الأنهار، وإنشاء شبكات إنذار مبكر متكاملة مع بيانات الأقمار الصناعية، ومصممة خصيصًا للظروف الديناميكية والمتغيرة في مرتفعات جبال الهيمالايا.
https://portal.globetrotter.media/2026/08/29/when-the-mountain-broke-inside-nepals-deadliest-himalayan-flood/
#مادهاب_بانت (هاشتاغ)
Madhab_Pant#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟