جواني عبدال
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 00:17
المحور:
الادب والفن
(مَمي آلان) قصة تراثية شهيرة في الأدب الكُردي وتعد من روائع القصص الشعبية المؤثرة في العالم، لها صيت كبير بين الشعب الكُردي ولها أثر جم في وجدانه.. وهي التي شكلت أحداثها المأساوية الحقيقية تأثيرا شائعا بين الناس حتى غدت الحكاية الشعبية الأولى لديهم فتغلغلت في ثقافتهم وفلكلورهم المليء بالقصص والأساطير، حيث كانوا يجلسون الليالي الطوال تحت قبة السماء الصافية وضوء القمر والنجوم المتلألئة، أو في ليالي الشتاء الطويلة حول مواقد الحطب للاستماع بلذة وإكبار، وهم متأثرين محبوسي الأنفاس، مترقرقي الدموع في المآقي، والحسرات في الأفواه، والغصات في الحلوق، في مرابع السهر والسمر يتبادلون الآهات ويتأسفون على الشباب الغض لـ (مَم) و(زين), ساخطين على الشرير (بكوعوان) الذي كان سبب الفراق المأسوف على شبابهما والذي وقف كحجر عثرة في طريقهما.. متعجبين من تاجدين وأخويه ومقدرين تضحياتهم وتحديهم الصعاب ووقوفهم في وجه الامير لبعض الوقت، وهذا كان السبب الذي أدى إلى تعلق الناس بها، ومدى تجاوبهم معها وذلك يعزى إلى التشابه بين القصة والحالة التي عليها الكُرد من احباط ويأس. لان القصة في مجملها تعبر عن حالتهم وما آلت اليه مصائرهم اصدق تعبير، ومن ثم تعبر عن دواخلهم وما يعتمل في وجدانهم من واقع الكُرد المزري دون حصولهم على حريتهم واستقلالهم، وهذا الترابط بين الخارج والداخل يدغم حس الشعب الداخلي حين يرى مأساة فردية مرموزة في حكاية مشابهة، فيتعاطف تلقائيا كتعويض نقص أو كتعاضد مكمل في الخارج.
و(مَم وزين) قصة اقتبسها من الأدب الشفاهي (الشعبي) وصاغها الشاعر الكُردي (أحمدى خاني) حتى عُرفت باسمه لما أقام بنيانها باللغة الكُردية مدمجة بكلمات أجنية، وغيّر فيها -الأحداث والشخصيات وسلوكياتها، ثم عرض فيها رؤى فلسفية ودينية وقومية بلغة أدبية محبوكة، وبث فيها قيماً أخلاقية واجتماعية سائدة، نظمها شعرا بما يعرف بالثنائيات وانتهى من كتابتها في حوالي العام 1694-م كما يذكر الـ(خاني) ذلك في أواخر الملحمة.. وقد بذل كل ابداعه وفنه لصقلها وإبراز ما فيها من عمق المأساة لابراز جانب العشق الصوفي منها، وقد استعان كثيرا بالتراث المماثل لها المتداول في آداب الشعوب والاقوام المجاورة.. مثال من العربية (ليلى والمجنون)، ومن الفارسية (فرهاد وشيرين) و(ويس ورامين) ومن التركية (وامق وعذرا).. بعبارات بليغة والفاظ مبتكرة ممزوجة باللغات والثقافات المتداولة حينها في عصره في سابقة تحسب له، ولينسج منها قصة بليغة مترابطة تنسب له حصرا.
نعم.. (مَمى آلان) قصة تراثية أشبه بملحمة تاريخية مستقاة من الأدب الكُردي كما اسلفنا أعلاه، وهي قصة مشهورة وذائعة الصيت، جرت أحداثها - حسب التقديرات - في القرن الرابع عشر الميلادي في جزيرة بوطان إحدى الإمارات الكُردية المشهورة، والتي كانت معروفة باسم جزيرة (ابن عمر) الواقعة بين المثلث المعروف الآن بين الحدود العراقية والسورية والتركية على ضفة نهر دجلة العظيم، وقد قام الشاعر (أحمدى خاني) ومن اسم عشيرته خانيان جاء لقبه، {الذي(ولد عام 1650م وتوفي عام 1707م) في مدينة (بايزيد) بمنطقة هكاري في كُردستان (تركيا الحالية- الجنوب الشرقي منها أو ما يعرف بـ جنوب شرقي الأناضول) في منطقة أحداث القصة ذاتها –بوطان-، وهو يعد بحق من علماء الفقه الديني والأدب الكُردي البارزين وقد برع أيضا في علوم الفلسفة والتصوف إضافة إلى الأدب–} قام بصياغة أحداث هذه القصة ولخص بنيتها القصصية بطريقة شعرية إبداعية، وكان عمره حينذاك 44 عاما – كما يذكر ذلك في ملحمته (مَم وزين).. فقد أجاد في سرد أحداثها شعراً في سبقٍ تخيلي مبتكر، واستعمل كنايات وصفية قصصية بشكل اقرب اليه وإلى عصره, ولكن بطريقة مختلفة عما أوردها رواة الأدب الشعبي الشفاهي المعروفةبـ(ممى الان) من حيث أحداث القصة ومجرياتها ووقائعها وأشخاصها.. أكانت سياسية أم أدبية أم دينية، بمقاربة هموم ذاتية وخلاص نفسي وشكوى من الزمن ومن الأمراء، وسبر لأعماق المجتمع الكُردي انذاك.. الخ..
إذن.. تألفت القصة لدن (أحمدى خاني) وهي تحاول ان تتناول جوانب عدة، منها : الحب والعشق الدنيوي، التصوف الديني والفلسفة الكونية، الهم الوطني والقومي، ومن ثم تم تأطيرها بروح شاعرية شفافة، تلملم أفكار وتصورات المجتمع حينها، ليعبر بقلمه عن هموم وتطلعات ذلك الزمان. ويُظهرُ خلالها شاعرية فياضة وعواطف جياشة من مواقف رائعة مجللة بالتضحية، وبفطنة تأملية تطرق منها إلى فلسفة الوجود والعدم وقضية الخلق والتوحيد، هي بالمحصلة استخلاص لرأي المتصوفة الكبار الذي يتوقون إلى معرفة ذات الباري.. ثم عرج الشاعر على شعوره القومي والوطني فوصف حال أمته الواقعة بين حجري رحى إمبراطوريتين تتنازعان المنطقة حروبا.. وما جرّت تلك الحروب من ويلات ومآس على الشعب الكُردي من بعد.
قصة (مَم وزين) بالصورة المتداولة المروية لـ(أحمدى) خاني تختلف عما نقل من مجرياتها وأحداثها الموجودة في المثولوجيا المعروفة (مَمى آلان) بين رواة فلكلور الاغاني الجوالين (دنك-بيز) الذين خلطوا الواقع بالخيال ومزجوا التاريخ بالأسطورة، ولكن القصة الشعرية المجتزاة من النتاج الأدبي لـ (أحمدى خاني) هذبت وشذبت فيها قليلا واعدتها كعمل أدبي وفني جميل مستقل لها مقومات الشعر والقص بما فيها من أحداث ووقائع وشخوص وحبكة اتسمت بالمأساة اخيرا واعطتها روحا حقيقية مكثفة، مستغلة الجانب العاطفي (الحب والعشق من ناحية والفراق والعذال من ناحية اخرى) إلى ان اتسمت بالفاجعة والمأساة المعروفة من المجتمع ومن الثقافة المهيمنة حينها وكل حين وفي كل الاوقات والاوان لما لها من الاستمرارية الاجتماعية والدينية، كما وركزت جذرياً على التصوف والعشق المجازي والفناء في الذات الاخرى المتمثلة بالله الخالق المعبود المنتقم الجبار،ليس كما كان قد صاغها الرواة الأوائل أو الحدوتة التي حدثت ووقعت في ايامها الأولى، أو كما مرت صورها بذاكرة تلك الأيام.. والتي تضمنت وقائعها ومجموعة متباينة من أحداثها.. تأثيرا في نفوس الشعب وحولتها في الأدب الكُردي (شعراًكان ام نثراً) إلى اثر ملحمي راق لمجموع الامة الكُردية، حين شكلت أحداثها ومجرياتها ملاحم إجتماعية وتاريخية عظيمة، بثت من خلالها رؤى انية ومستقبلية لمجموع الأمة، كما بدا لـ(أحمدى خاني) في ملحمته الانفة الذكر.. وحين ترجمها محمدسعيد رمضان البوطي حوالي سنة 1956 قال عنها: قصة حب نبت في الأرض وأينع في السماء هي من روائع الأدب الكردي في القرن السابع عشر..
وللسرد متعته.. فقد تضمن الفلكلور الشعبي الشفاهي للشعب الكُردي جملة اقاصيص واساطير يعتز بها ونذكر منها عدا -مم وزين.. (-سيامد وخج- -شيخى صنعاني- تيار وغزالة- درويشى عفدي- صالح وكز- علو وفاطمى- فاطما صالح آغا- بنفش- دلال وغيرها كثير ) بالإضافة إلى عدد لا يستهان به من القصائد الشعرية الأخرى التي لا مجال لذكرها هنا، والتي تشيد بالاغوات وحروبهم ومنازعاتهم، والتي لم تاخذ فرصتها على يد شاعر ملهم وكاتب فطن متمكن ليسطرها في كتاب.. ويسرد أحداثهم ووقائعهم الحقيقية الممكنة الحدوث، حيث ينحصر دوره بترتيبها على المستوى الدرامي لتطور البنية القصصية بفنيتها العالية، التي تبرهن عن واقعية أحداثها من خلال المحافظة على روح الملحمة الأصلية، ونكهتها الأصيلة الكُردية، التي تنبعث من شخصيات المكان وفلكه. ومن ضمن تلكم الملاحم يهدف الكشف ما بين السطور عن معرفة واقع الكُرد وشخصيتهم واخلاقهم من ناحية.. كما ويقدم رؤية للواقع الكُردي في العديد من جوانبه السالفة الذكر، ويكشف السرد ايضا من خلاله عن المكنونات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حينها، كما ويهدف الكشف ايضا سبر اغوار العناصر الفنية للبنية التي يتميز به العمل الفني المنتج، وقيمته الجمالية التي له من المستوى الابداعي للشخصية الدرامية الرمزية بمدلولاتها الزمان-مكانية..
ولعل ما يؤسف له أن جميع هذه القصص والأساطير التي أتينا على ذكرها أعلاه، كانت قد تعرضت إلى التحوير والضياع بمرور الزمن، بما خالطها من الثقافات المجاورة للاقوام المهيمنة على رقاب الامة الكُردية وثقافتها، ولا يمكننا ان نعثر إلا على اليسير من الاثر الشعري والقصصي لها، تمكننا أن نلم ونأخذ فكرة بجهد قليل التعرف على النتاج الثقافي والأدبي الخاص به، ومن بعد, حتى يتم نقل بعض آثاره إلى العالمين.. كما حدثت لملحمة (مَم وزين) المدونة بقلم الشاعر والمتصوف والمفكر الالمعي (أحمدى خاني)، الأثر الباقي على مر الزمان. الذي نفض الغبار عن امة حية وذات ثقافة من خلال سرد قصة عاشقين وإبرازها كنتاج أدبي رفيع لـ مجموع الامة الكُردية، كما حدث لما بقي في طي الكتمان ردحاً طويلاً من الزمان..
وما كانت لقصة محكية ان تنتشر بين أوساط الناس -كانت موجودة ومنتشرة في كل طول وعرض كُردستان منذ قرون بمضامين مختلفة، من حيث أحداثها ووقائعها ومجرياتها وحتى من حيث الأشخاص الذين لعبوا الأدوار فيها- الا بفضل من اطلقها من آسارها، وكشف عن افاقها ونفض الغبار عن دررها كما فعل الشاعر الالمعي (أحمدى خاني).. فتناقلتها الأجيال من بعد كملحمة تاريخية واجتماعية من التراث الكُردي زهوا بانها مفخرة ودرة ولا شك، وقد تناولها الكثير من الرواة في أغانيهم المرتجلة وإلى الان دون كلل، ولكن التدوين الشاعري بفضل الشاعر (المذكور)الذي استشعر وقائعها وأحداثها على طريقته الخاصة - اعطتها بعدا اخرا ورونقا متجددا على مر الزمان فانتشرت في مناطق واسعة من كُردستان، ولا يشتط بنا الحديث القول بانه ما من كُردي لا يعرف قصة (مَم وزين)، أما بشكلها القديم المعروف بـ (ممي الان) رغم بعض التباينات في الشكل والمضمون الذي صاغه (أحمدي خاني) فيما بعد.. قصة عاشقين يشرأب في حبهما الحظ العاثر والقدر الغشوم، والمصير المحتوم الذي يؤولان إليه، قصة الوفاء والتضحية بالنفس والتي تظهر بوضوح واقعية (مَم وزين) في كلتا الحالتين من حيث هي قصة حب عذري وعشق سام ٍاخفقت المقادير والظروف بلقائهما ففرقت بينهما بقسوة وصفاقة..
وتعتبر ملحمة (مَم وزين), التي نظمها لنا (أحمدى خاني) شعرا باللغة الكُردية المحلية لمنطقة بوطان في القرن السابع عشر الميلادي، مفخرة كُردية، وهي منتشرة بين أوساط الشعب، لا لما تضمنت من أحداثٍ مثيرة ووقائع مدهشة وما انتهت اليه كنهاية مأساوية فقط, بل لأنها جسدت أولا واخيرا طموح الكُرد ببث وإثارة الروح الوطنية بينهم، وضمت بين دفتيها تلميحة صريحة إلى حالة الكُرد لأول مرة، وأشارت بإصبعها ووضعتها على الجرح النازف مما تعانيه من قبل مستعمريه ومستغليه, ووقوعه (اي الكُرد) بين القوى الكبرى العدوانية المتقاسمة له بين /الفرس الصفويين والطوران العثمانيين/.. كوقوع كُردستان بين حجري رحى الدولتين، وبين كل احتكاك بينهما كان ينـزف دم الكُرد مهدرا مجانا على مذابح مصالحمها ولا شيء آخر, حيث ربط الشاعر مأساة العشق الفردي لـ (مَم وزين) بمأساة الكُرد إجمالا، بان لا وصال ولا اتحاد الا بمأساة وفاجعة كبرى، وهذا ما كان على مر السنوات العجاف إلى ان تم تقسيم المنطقة قسريا حسب سايكس-بيكو وليزيد الكُرد انقساما جبريا بعد الحرب العالمية الأولى في بداية القرن العشرين.
*-*-*
طبعا كما هو معروف، لم تنظم (مَم وزين) بلغة كُردية صرفة /أي بمعنى بحت كُردية/، لقد تناول الـ(خاني) في منظومته هذه كلمات عربية وفارسية وتركية بكثرة وبشكل ملفت للنظر, إضافة إلى بث الثقافات الاخرى ضمن متنها.. وهذا يُعاب عليه الآن، ولكن يعذر حين يتساءل البعض عن هذه الحالة الغريبة التي سار عليها، ونهج فيها على هذا النظم، وتعليل ذلك سهل، نرى بأنه أراد بهذا الشكل ان يظهر علو كعبه ومدى ثقافته واطلاعه.. إضافة إلى حقيقة بينة هي ليزيد في ذخيرته اللغوية من ناحية، ومن ناحية اخرى ليبهر القارئ والمستمع عن مدى امتلاكه للغات الاخرى وناصيتها، ومن ثم يستفيد فيها من المعاني المتنوعة والقوافي السهلة المترادفة آنيا، لا ليسد النقص في اللغة الام /اللغة الكُردية لديه،.. بل لان ذلك العصر كان ينحو ذلك المنحى -وهو يتناول ما هو سائد- ويراه شيئا عاديا لان العصر كان ذا ثقافة اسلامية حصرا ولم يكن هناك منطق قومي حسب ثقافة هذه الأيام.. وكان ذلك يشفع له لان الـ(خاني) كان ابن عصره ويعذر ان شطح هنا أو هناك في بعض المواقف التي سبقت عصره.
وما يعترف به مغاير لما أوردناه (وهذا يحسب له) بالقول عن سبب كتابته بهذا الشكل : انما لم يطاوعه قلبه ان يكتب باحدى اللغات الكبرى حينها السائدة في الثقافة العامة بل فضل لغته على ضيقها ومحدوديتها غيرة، ويقول عن نفسه: بانه ليس مبرزا في الأدب انما وجد الميدان خاليا (فاقتحمه), لم يكن ذا قابلية وخبرة بل تعصب لبني قومه وتحمس لهم، والحاصل عنادا ابتدا الكتابة بالكردية، ترك النظم باللغات الحية السائدة، ورتب درر اللغة الكردية في سبيل عامة شعبه، حتى لا يقول الناس : ان الكرد يفتقدون المعرفة والاصل الأصيل، وليس لهم كتبهم وأدبهم.. الابيات235-241 ثم يضيف : رغبت ان اصبح كيميائيا، صقلت نحاسي وجلوت الصدأ، وقضيت حاجتي، ان كانت هذه النقود غير ذات قيمة فانها خالصة نقية، لا حيلة فيها ولها رواج بين العامة، هي لست ذهبا حتى يشك بنقائها، ولست فضة حتى يقال : انها قليلة العيار، بل واضح عملتنا فهي نحاس أحمر.. إنها كردية صرف.. الأبيات بتصرف259-268.
ولعل أهم ما تميزت به الملحمة ايضا من غرابة دونا عن أحداثها ومجرياتها, كانت دعوة صريحة من (أحمدى خاني) وصرخة مدوية بين الكُرد على مر الزمان.. مما جعلها دعوة فريدة من نوعها ومتميزة في خصوصيتها تنبه الكُرد إلى مآلهم، فرادى تلون حبهم بالحرمان، وجموعا تعجن آمالهم بالمآسي، نعم بالمختصر.. الملحمة هي قصة حب عذري نشأ بين (مم) ذلك الشاب الحالم، وبين (زين) تلك الفتاة المسلوبة الارادة ابنة أمير جزيرة بوطان السلطة، وحيث تم اللقاء في يوم عيد النيروز.. يوم التجدد للطبيعة والثورة على زهاك الظالم ويوم الحرية لدن الكُرد عامة، فامتزج الحلم بالواقع المتمثل في الممسك بزمام الامر الامير (زين الدين) أخيها، امتزاج الخيال بالحقيقة.. فاتحاد روح الحبيبين هو اتحاد مجموع الامة, لتنتهي القصة في آخر المطاف إلى نهاية فجائعية محزنة عند افتراقهما وانفصالهما.
ان تعامل (أحمدى خاني) مع ملحمة (مَم وزين)، ينحو إلى ان القصة/الحكاية غير موجودة اصلا وما قام به هو من بنات أفكاره، وما يقدمه ماهو إلا ضرب من الخيال، وما يذكره فيما يخص بعض الأحداث والوقائع في هذه القصة، هو لإضفاء نوع من الحرفنة الفنية على أحداثها لتبدو وكأنها ولدت من الواقعية المجازية له، أو بمجمل إطارها تندرج في عالم الأسطورة والخيال، وإن ما أورده من ذكر في قصته هو أن تلقى آلامنا علاجا وعلمنا رواجا.. يعبر عن ارائه القومية ويدعو للتحرر والاستقلال، ويدعو لتوحيد القبائل تحت ظل راية واحدة من ناحية، ومن ناحية اخرى يبث شكواه الصوفية الاسلامية مظهرًا التجليات الإلهية، وبكلمة صريحة رفع كلمةٍ للكُرد حتى لا يقال بان ليس للكُرد معرفة وليس لهم أدب وعلم، وحتى يبعد الشبه عن تدني قيمة الكُرد بين العالمين..
قصة اينعت بين قلبين فتيين لتشمل قلوب حرى كل الكرد، هي صرخة كما أراد الشاعر أن يجعل منها مرآة لأفكاره وخلاصة لآرائه تجاه الوجود والحياة، وهي دعوة صريحة للحاكم للتوحد ولم الشمل ويتسائل : بانه لا يرى سبباً في إبتعاد الامير عن الناس عما يمكن أن يقوم به لأجلهم، ورأى ان الله خلق الانسان وجعل سره في خلقه للتدين والعبادة جبرا، ولكنه يدعوه للتحرر وهذه الدعوة تبين انه مخير، وجعل لكل شيء من هذا سبباً يجب على المرء القيام به.
ومن ثم يتساءل : لماذا يقف الإنسان عاجزاً حائراً أمامها، ولماذا لم يستطع الكُرد حتى الان أن يجدوا حلاً لائقاً، ومن جانبه ما يقدمه تفسيراً مقنعا هو وقوعهم بين إمبراطوريتين، ولكنه مع ذلك لم يقبل بذلك ولم يسلم بواقعيته.. وما يطرحه ليس إلا مثال حي ودليل قاطع على أن هذه الدعوات الأثيرية لديه لها حل، سبق وتم تسخيره من حوله في المنطقة وبخاصة في الجانب الأوربي حين تحررت دول شرق أوربا من ربقة العثمانيين -بداية انحلال الامبراطورية العثمانية -كما يذكر جان دوست في تحقيق وترجمة مم و زين-، عندما ناضلت وكافحت أواخر القرن السابع عشر، وتحررت من نير العثماني من كريت إلى المجر..الخ..
فلو عدنا إلى عهدة التاريخ.. فالدعوى إلى الاستقلال موجودة حينها وما يقوم به الأوربيون هو ذاك، فلماذا لا يتم الاستعانة بالعمل وكسر مقولة بان الله سلطهم عليهم، وان الخروج عن الامة بداية هو الخروج عن أولي الأمر من خليفة وخلفاء على المسلمين دون الكفرة -كما فعلها البدليسي مرة-، ويشخص كذلك أسباب تخلفهم عن الركب التقدمي، ويشخص الداء والدواء أيضا، مستوعبا ثقافة وتفكير عصره وابعد.
وهنا وجوب, بان وجود الدولة هي رفع للشعر والأدب، بما فيها من رفع للامة ذاتها، كما هي من الأمور المشروعة التي تحدث في العالم، فالاستقرار والأمن مرتبط بنشوء دولة تضم ناسها وتحافظ على مصالحهم وهي اصلا تتبنى مقوماتها الاصيلة من لغة ومصير مشترك وثقافة وجغرافيا معينة.. وهكذا كان هذا العمل الذي قام به وتلكم الدعوة بمثابة إرهاصات لما سوف تتشكل في مستقبل الايام ان لم يتدارك أولى الامر منا ذلك قبل فوات الأوان.. وللأسف فات الأوان علينا برسم سايكس-بيكو بعد مضي مئتي عام، مدعيين الدين وإخوة الإسلام.. وكان هذا سبباً مباشراً لما آلت اليه حال كُردستان من بعد إلى الآن.
فلا غرابة والحالة هذه قيمة، ولنا عبرة فيما يأتي من عظائم الامور بعد ذلك - وللمرة الأولى في تاريخ الكُرد ان يقوم داعية علانية وفي سابقة تحسب له ويدعو إلى الثورة والانتفاض من ربقة الاستعمار ويكفر بمقولة أولي الأمر منكم، والذي رأى بحدس أفقي مصلحة شعبه من التحرر والاستقلال، بعد انقضاء أخوة الإسلام – مع انه أوكل الامر واشار بان ذلك يقع على عاتق الامراء وليس الشعراء والفقراء.. في أقصى وأدنى البلاد.
إن لقاء (مَم) مع الأميرة (زين) وعبر مسافات ضيقة من التقاليد والاعراف السائدة، وأثناء رحلة تنكرية في عيد النيروز.. كل ذلك خلال بضع دقائق فقط، يتولد بينهما حب تتأجج نيرانه في قلب كل منهما، كانهما الواحد انفصم كفلقتي بذرة عن قشرتها، فيهيم أحدهما بالآخر إلى درجة العشق، بعد لقائهما الأول والمستمر هو داع ابدا للقاء والتوحد مهما كلف الأمر، الأمر الذي أدى بالأمير (زين الدين) أن يرهب الاخرين كأن يقول: أوعى التقرب من مملكته..
كان العاشقان (مَم) و(زين) يتجرعان كأس الشقاء ويعيشان عذاب الفراق وينالان سهام القدر، ويتحملان هموما فوق طاقة قلبهما المليء بالحب والعشق، وبعد معاناة شديدة وعذاب اليم في رحلة شاقة استمرت أشهرا وعادلت سنينا، يلتقيا معاً وهما على شفا الهاوية من الموت في قعر جزيرة بوطان –السجن- حين تم الاتصال في العالم الاخر الذي لم يكن قد رآه أحد قط من قبل جبروت السلطان الذي يتحكم بالعباد والبلاد من غير عدل أو رحمة..
*-*-*
وما القول بان ملحمة (مَم وزين) وسرد أحداثها بكاملها كما رواها (أحمدى خاني) في ملحمته شعرا..هي مثنويات – مقطوعة مجتزاة عن اصلها الأولي.. الا محاولة أدبية وفنية نظمها الشاعر الـ(خاني) كسابقة كانت متداولة حينها في السرد القصصي متضمنة العشق الصوفي والانحلال في الدين وتجلياته، والتوحد في الذات الإلهية، متمنيا الخلاص النفسي-الذاتي على الصعيد الشخصي للـمرء.. وحتى لا يكون اجحافا منا هذا القول وحرمان الاثر من متعة متابعتها كاثر قومي جرت وقائعها في جزيرة بوطان في قصر الأمير وكُتبت على يد شاعر مرهف الاحساس متيقظ الضمير، ليقوم بإعادة صنع عرش موطنها الكُردي والدخول في صميمه الروحي بالنظر فيما يكونه واقعا أو رمزاً، وربما كان ذلك اعادة احياء من نوع جديد، ولما تعكسه القصة من الواقع الذي كان سائداًًًًًًًً آنذاك في المجتمع الكُردي حيث يعيش الكُرد بين جوار عدائي.
وأخيرا.. ملحمة (مَم وزين) قصة منظومة شعريا كما أسلفنا القول على يد المبدع (أحمدى خاني)، وتقع في 2656 بيتًا ثنائي القافية (حسب ما ورد في ترجمة جان دوست، او2659 بيتا حسب عبدالرزاق بيمار، او2661 حسب محمد عليي صويركي ).. "ويسمّى هذا الشكل في الآداب الشرقية (الفارسية والتركية ) بالمثنوي، ووزنه العروضي هو :
مـفـعول مـفاعلن فـعولن
( ـ ـ ب / ب ـ ب ـ / ب ـ ـ)
واستعمال هذا الوزن كثير في مثنويات الملاحم2"، وقولنا بالأمر هذا انه كان متداولا النظم به على صعيد القصص الشعرية والملاحم المعروفة امثال (فرهاد وشيرين) التي نظمها اكثر من شاعر فارسي كالشاعر نظامي(ت1217م) وخسرو الدهلوي(ت1324م) وهاتفي(ت1520م)، (ليلى والمجنون) نظمها الشاعر جامي(ت1429م)، (وامق وعذرا) وأول من كتبها الشاعر الفارسي عنصري (ت1039م) وضاعت، ولكن نظمها شاعر عثماني (لامعي ت1531م) وكان قد نظمها قبله بقليل شاعر عثماني اخر يدعى (بهشتي)، (ويس ورامين) وهي تعود إلى الشعر الفارسي القديم نظمها الشاعر (الجرجاني) مابعد 1053م ويعود بها البعض إلى العصر الساماني، (يوسف وزليخا) وأول من نظمها صاحب الشهنامة الفردوسي941-1021م، وقد سبقه في نظمها البلخي في القرن 4هـ، وشاعر آخر هو البختيار الاهوازي، ولكن أهم من نظمها هو الشاعر الجامي.. والقول هنا التأكيد بان هذا النمط من الملاحم كان سائدا حينها.. وهكذا تمت على نسقها (مَم وزين) الكُردية لـ(خاني).
وسبقتها تاريخيا قصة (الشيخي الصنعاني) المنظومة الأخرى الرائعة للشـاعر الكُردي (فقه تـَيران) ولكنه نظمها على شكل رباعيات، الثلاث الأولى متشابهة القافية أما الأخرى الرابعة فهي تاتي مغايرة، ولكن (فقه تـَيران) أتى بالقافية الرابعة في كل القصة متشابهة والتي تبلغ نحو 361 رباعية اي 1440 بيت شعري.
المــمراجع:
1- ملحمة (مـمو زين) للشاعر أحمد خاني. ترجمة محـمدسعيد رمضان البوطي.#1956
2- ديوان (أحمدى خاني) (مَم وزين) ترجمة وتحقيق جان دوست ط 1995
3- الروح القومية الكُردية /ملحمة (مَم وزين)/ عبدالرزاق بيمار/مجلة المعرفة- امارات
4- نورالدين ظاظا مقدمة لـ (مم آلان) روجيه ليسكو/ ترجمة عبدالناصر حسو
5- مَمُ وزَين روميو وجوليت الأدب الكردي د: محمد علي الصويركي/ موقع تيريز
6- (مَمّىِ آلان و زين) - صاغها باللغة العربية: فاضل باكير برازي.. #2005
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟