أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد فاتح محمد - مأسسة الرداءة














المزيد.....

مأسسة الرداءة


أحمد فاتح محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 04:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمر العالم المعاصر بمرحلة تاريخية حرجة، يُعاد فيها تشكيل الفضاء العمومي وصياغة وعي المجتمعات وفق مقتضيات السوق ومصالح الرأسمالية العولمية. وفي هذا السياق المأزوم، لم تعد المعرفة تطلب لذاتها كأداة للتحرر وتوسيع آفاق الوعي البشري، بل جري تسييقها وتشييئها لتتحول إلى سلعة تضبطها قوانين العرض والطلب. ولعل أبرز تجليات هذا الانزلاق البنيوى هو صعود نجم ما يُعرف بمراكز البحوث والدراسات، التي غدت ذراعا أيديولوجيا وثقافيا للهيمنة النيوليبرالية، تنهض بمهمة مأسسة نموذج من الرداءة الفكرية. حيث يتراجع الفكر النقدى الأصيل أمام زحف معايير النمطية والتبسيط والابتذال الوظيفي. إن قراءة هذا التحول المعرفي تفرض علينا تفكيك المفاهيم التي يتأسس عليها هذا النظام الجديد، وعلى رأسها مفهوم "الخبير أو البروفيسور" الذي حل محل المثقف النقدى والملتزم أو أصحاب الفكر الرصين المهتم بقضايا مجتمعه. فإذا كان المثقف يسعى بطبيعته إلى الكشف عن المسكوت عنه، ومساءلة الشرعيات السياسية والاقتصادية القائمة، فإن الخبير أو البروفيسور في مراكز البحوث في هذا العصر هو محض تقني في معبد السوق. لا يمتلك تساؤلات وجودية أو مجتمعية، بل تقتصر وظيفته على تقديم حلول إجرائية للمشكلات التي يفرزها النظام نفسه، دون أن يجرؤ يوما على التشكيك في بنيته أو عدالته. إن المعرفة التي ينتجها هؤلاء الخبراء هي "معرفة غائية بالطلب"، تمولها الاحتكارات الكبري والمنظمات المالية الدولية، لتصوغ قرارات السياسة العامة في قالب علمي زائف يوحي بالحياد والموضوعية، بينما هو في حقيقته انحياز سافر لمصالح الأقليات المالية أو الشركات التجارية و التسويقية الكبري على حساب الأغلبيات الشعبية. تخدم هذه المراكز، في جوهر بنيتها التمويلية والسياسية، التحالف العولمي القائم بين الشركات العابرة للحدود والنخب السياسية الحاكمة التي تخلت عن دورها الاجتماعي والرعائي. أما أجندتها العميقة فتتمثل في نزع الطابع السياسي عن الفضاء العام وتحويل القضايا المجتمعية الكبرى إلى مسائل إجرائية محضة. إن الفقر والتهميش، وتمركز الثروة، لم تعد في أدبيات هذه المراكز نتائج حتمية للاستغلال البنيوى، بل غدت عثرات تقنية تعالج من خلال ما يروج له باسم الحوكمة والإدارة الرشيدة. يكمن الخطر هنا في أن هذه المفاهيم، المستعارة أساساً من معجم الشركات ومجالس الإدارة، تعمل على إلغاء السياسة بمعناها النبيل كفعل ديمقراطي جماعي، محولة الدولة إلى مجرد مجلس إدارة يرعى شؤون السوق، والمواطنين إلى زبائن ومستهلكين مسلوبي الإرادة. من جهة أخرى، تعمل هذه المراكز كحارس بوابات للوعي الجمعي، إذ تسعى جاهدة لفرض سقف معرفي محدد لا يمكن تجاوزه. ومن خلال الضخ المعرفي المستمر، والتقارير الإحصائية المعقدة، واللقاءات الإعلامية اللامعة، تصنع توافقاا عاما زائفا يوهم الجماهير بأنه لا خيار آخر سوى الاندماج في المسار النيوليبرالي القائم. إن أى تفكير يسعى للبحث عن بدائل اقتصادية واجتماعية أكثر إنسانية يصنف فورا ضمن خانة عدم الواقعية أو الشعبوية المعطلة للتنمية. وبهذا المعنى، فإن هذه المؤسسات تمارس رقابة ناعمة وخفية لا تعتمد المنع المباشر، بل تستخدم آليات التهميش المعرفي والإقصاء التمويلي لكل فكر يغرد خارج السرب، مما يجبر النخب الأكاديمية على الانصياع لشروط السوق وتدجين عقولهم لتتلاءم مع متطلبات النمطية السائدة. إن مراكز البحوث في العصر النيوليبرالي ليست سوي معامل لتزييف الوعي وإنتاج المسوغات الأيديولوجية للاستبداد المالي ومأسسة الرداءة المعرفية. إنها الأداة التي تحوّل الفكر الإنساني من قوة محركة للتاريخ وقادرة على التغيير، إلى تروس صامتة في آلة الإنتاج الرأسمالي الكبير. ولمواجهة هذه الهيمنة، يغدو لزاماً على العقل النقدى المعاصر التحرر من سلطة هؤلاء الخبراء الموجهين، والعودة إلى ينابيع المعرفة المستقلة التي تضع كرامة الإنسان وعدالته الاجتماعية فوق حسابات الربح والخسارة.



#أحمد_فاتح_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إصلاح قوانين الأحوال الشخصية العربية: بين مقتضيات العصر ومقا ...
- الشرعية بين مجلــس الحكم والحكومات العربية
- ماذا فعلتم بعد الأستقــلال؟
- لــماذا حـــَـل وزارة الأعــلام ؟!
- الأحزاب الأسلاميـة - الواقع والبديل


المزيد.....




- مصر.. هكذا رد علاء مبارك على سؤال عن عدد الجامعات الحكومية ب ...
- -إنت الشوفير؟-.. اعتذار مؤثر أردني لطيار سوري (فيديو)
- رهينة بريطانية-إسرائيلية سابقة لدى حركة حماس تتزوج في تل أبي ...
- عواصف رعدية وسيول تجتاح مناطق لبنان وسوريا (فيديوهات)
- عراقجي يكشف عن معلومات استخباراتية تتعلق بالتلاعب بأسواق الط ...
- أوسلو.. آلاف النرويجيين يشيعون الملك هارالد الخامس (فيديو)
- الولايات المتحدة.. تحذير من أزمة في ورق المرحاض بعد تهديد كن ...
- الإعلام العبري: ماذا كشف التدريب الجوي الصيني المصري عن مواز ...
- النيجر: تمرد في قاعدة عسكرية... ما الدلالات والتبعات؟
- -استيقظت لأجد خفاشا يحاول دخول فمي-.. لحظات رعب عاشتها طبيبة ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد فاتح محمد - مأسسة الرداءة