أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد فاتح محمد - إصلاح قوانين الأحوال الشخصية العربية: بين مقتضيات العصر ومقاومة التقليد














المزيد.....

إصلاح قوانين الأحوال الشخصية العربية: بين مقتضيات العصر ومقاومة التقليد


أحمد فاتح محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 08:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في عالم يركض بسرعة مذهلة نحو المستقبل، حيث يقتحم الإنسان مجاهل الذكاء الاصطناعي ويستكشف أسرار الجينات، يبدو المشهد العربي في أروقة المحاكم الأسرية مثيراً للدهشة والحزن معاً. نقف في القرن الحادي والعشرين بملابس حداثية، بينما تحكم علاقاتنا الإنسانية الأكثر حميمية—كالزواج، والطلاق، والميراث، والوصاية—منظومة تشريعية كتبت نصوصها الأساسية في أزمنة غابرة، وتحت وطأة ظروف اجتماعية واقتصادية بادت تماماً ولم يبق منها سوى أوراق صفراء. هذا الانفصام ليس مجرد مفارقة زمنية عابرة، بل هو أزمة بنيوية تضرب عمق الفلسفة القانونية التي تقوم عليها الدولة المعاصرة. الحديث عن إصلاح قوانين الأحوال الشخصية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية ليس ترفاً فكرياً يناقش في الصالونات الثقافية المغلقة، ولا هو مجرد استجابة لضغوطات حقوقية طارئة كما يحلو لبعض المحافظين تصويره تعميةً للعقول. إنه في جوهره سؤال حول فلسفة التشريع ودور الدولة في صياغة مفهوم المواطنة الحرة. القانون في كينونته الفلسفية المعاصرة ليس مجرد تدوين للأعراف الموروثة، ولا هو حارس أمين لمعادلات القوة التقليدية القديمة داخل الأسرة. القانون هو العقل المجسد للدولة الوطنية الحديثة، هو الأداة التي تعبر بها الجماعة البشرية عن إرادتها الواعية في التطور والعدالة. وحين تتخلى الدولة عن واجبها في عقلنة هذه القوانين وتبسيطها لتلائم كرامة الإنسان الحديث، فإنها تتنازل طواعية عن جوهر سيادتها التشريعية لصالح قوى ماضوية تأبى الخروج من سراديب التاريخ. أي منطق هذا الذي يقبل بأن يكون الفرد مواطناً كامل الأهلية والمسؤولية في الفضاء العام—ينتخب، ويحاكم، ويسهم في بناء الاقتصاد ومؤسسات الدولة—ثم يتحول بمجرد عبوره عتبة منزله إلى كائن منقوص الأهلية في منظومة أسرية يحكمها التمييز وغياب التكافؤ؟ هذا التقسيم الحاد للذات الإنسانية ينتج مجتمعاً منقسم الوعي، عاجزاً عن تمثل قيم الحرية والمسؤولية المشتركة. إن الأسرة هي الخلية الأولى التي تتشكل فيها ثقافة الدولة، فإذا تأسست هذه الخلية على علاقات تسلطية وقوانين تشرعن التبعية باسم الخصوصية والتقاليد، فإننا نعيد باستمرار إنتاج مجتمعات خاضعة تفتقر إلى الوعي المدني الحقيقي. إن الاستبداد داخل جدران البيت هو التربة الخصبة التي ينمو فيها الاستبداد السياسي والاجتماعي. التشريع الحديث، لكي يكتسب مشروعيته الأخلاقية والعقلية، يجب أن ينطلق من فرضية أساسية واحدة: الإنسان هو القيمة العليا، وهو محور كل تنظيم قانوني تسعى الدولة لصياغته. والتشريعات التي تبنى على تقديس الموروث لمجرد قِدمه، متجاهلة التغيرات الجذرية في بنية المجتمع المعاصر، هي قوانين تعاني من انفصال تام عن الواقع الاجتماعي. إن مقاومة التجديد بحجة حماية الهوية الثقافية ما هي إلا واجهة أيديولوجية لتبرير استمرار هيمنة مفاهيم عفا عليها الزمن. إنها تخشى رياح العقلنة لأن إخضاع قوانين العائلة لمعايير العدالة والمساواة يعني سقوط امتيازات تاريخية بنيت على حساب الطرف الأضعف في العقد الاجتماعي الأسري. إننا نقف اليوم أمام لحظة اختيار حاسمة لا تحتمل المواربة: إما أن نرتفع بتشريعاتنا إلى مستوى متطلبات العصر، لنؤسس لقانون أحوال شخصية مدني، عقلاني، وموحد، يساوي بين المواطنين أمام القانون دون تمييز جنسي أو طائفي، وإما أن نبقى أسرى لغبار الماضي، نتفرج على قطار التحديث الإنساني وهو يفوتنا بينما نحن غارقون في جدالات تفسيرية حسمت بقية مجتمعات العالم قضيتها الإنسانية منذ عقود. الخلاص يبدأ من شجاعة المشرع في تحرير النص القانوني من أسر التقليد، وإدراك أن حماية المجتمع لا تبدأ من تحصين النصوص القديمة، بل من صون كرامة الإنسان الحي ليكون القانون حامياً للمستقبل لا حارساً للقبور.



#أحمد_فاتح_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشرعية بين مجلــس الحكم والحكومات العربية
- ماذا فعلتم بعد الأستقــلال؟
- لــماذا حـــَـل وزارة الأعــلام ؟!
- الأحزاب الأسلاميـة - الواقع والبديل


المزيد.....




- شاهد رد ترامب عند سؤاله عن مداهمة منزل إلهان عمر من قبل الحك ...
- شاهد.. إعصار يقلب سيارات بساحة انتظار في ولاية كارولينا الشم ...
- -كرم الأخلاق-.. أمير سعودي يعلّق على ردود الفعل على بيانات س ...
- مبعوث روسيا يتهم بريطانيا والأوروبيين بتبني حملات إعلامية لت ...
- آثار حمض نووي تكشف خيوط سرقة لوحتي رينوار في فرنسا
- إعصار -سايمون- وعاصفة -راشيل- يخلفان قتلى ودمارا في المكسيك ...
- ترامب يستبعد تقديم روسيا والصين دعما فعليا لإيران
- ترمب يتوقع نهاية حرب إيران ويقرّ باحتمال المبالغة في استهداف ...
- وردة والأسير المحرر أبو حميد.. قصة حب كسرت مؤبد الاحتلال وتح ...
- ما الذي سيفعله زيلينسكي بعد أن منعه ترامب من ضرب مصافي النفط ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد فاتح محمد - إصلاح قوانين الأحوال الشخصية العربية: بين مقتضيات العصر ومقاومة التقليد