أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رحال كريش - البيئة البصرية للمدرسة وأثرها التربوي الجداريات المدرسية نموذجا















المزيد.....

البيئة البصرية للمدرسة وأثرها التربوي الجداريات المدرسية نموذجا


رحال كريش

الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:31
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


تتشكّل البيئة البصرية للمدرسة من مجموع العناصر التي تخاطب حاسة البصر لدى المتعلم: الألوان، الإضاءة، تنظيم الفضاءات، الإشارات والملصقات، وامتدادًا إلى الجدران بوصفها أكبر سطح متاح للتعبير والدلالة. ومن بين هذه العناصر جميعًا، تبرز الجداريات المدرسية بوصفها التجلي الأكثر كثافة ودلالة لهذه البيئة، إذ تحوّل الجدار من عنصر معماري صامت إلى نص بصري قابل للقراءة والتأويل. في هذا المقال، نقارب البيئة البصرية للمدرسة من خلال الجداريات تحديدًا، انطلاقًا من تجربة شخصية، وصولًا إلى تأطير نظري وشواهد من تجارب عالمية.
تعرّفت إلى فن الجداريات في سنّ الثامنة عشرة، حين كنت عضوًا في مجموعة تشجيع لأحد الأندية المحلية بمدينة قلعة السراغنة، الواقعة على مسافة ثمانين كيلومترًا شمال مدينة مراكش. كانت البداية بسيطة: مجرد ترسيم لبصمة بصرية على الجدران، دون وعي كامل بأبعادها. لكن سرعان ما اكتشفت أن لكل لون وخط تأثيرًا في تشكيل الانطباع البصري، وأن الجدار الفارغ ليس مجرد خلفية محايدة، بل فضاء حيوي قابل لحمل دلالات رمزية وإطلاق رسائل جماعية. كانت تلك التجربة الأولى بمثابة اكتشاف للعلاقة الممكنة بين الفن والمجتمع، وكيف يمكن لجدار واحد أن يتحول إلى وسيط ثقافي يعكس هوية المجموعة ويحفز الشعور بالانتماء إليها.
مع اتساع هذه التجربة، انتقل الفعل الجمالي إلى الفضاء المدرسي، حين استدعانا أحد أساتذة اللغة الإنجليزية لإنجاز عبارات تحفيزية وبورتريهات (صور شخصية تعبيرية) لشخصيات فكرية وثقافية. ورغم محدودية وعينا آنذاك بالأبعاد الرمزية لما كنا ننجزه، بدأنا نفهم تدريجيًا أن الجدار يمكن أن يكون وسيطًا للتعلم والتأمل، يتجاوز وظيفته التقليدية بوصفه مجرد فاصل معماري، ليصبح مساحة للتفاعل اليومي مع رموز تحفز التفكير وتُسائل المتعلم حول القيم والمعرفة. شكّلت هذه التجربة خطوة أساسية نحو فهم الجداريات بوصفها أداة تربوية، لا مجرد نشاط فني أو زخرفي عابر.
الجدار بوصفه علامة: من الزخرفة إلى الدلالة
لاحقًا، ومع استكمال دراستي العليا في الرباط، والتحاقي بماستر «سرديات الأنساق الرمزية والثقافية والسيميولوجية» بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس، تبلور لديّ تصور أعمق للجداريات بوصفها نسقًا ثقافيًا رمزيًا. فوفق التصور السوسيري للعلامة اللسانية، الذي يمكن تعميمه على العلامة البصرية، تتألف الجدارية من دالّ ومدلول: يشكّل اللون والخط والتكوين البصري الدالَّ الملموس، فيما يمثّل المعنى الرمزي والثقافي الذي تحيل إليه هذه العناصر المدلولَ. فبورتريه عالِم على جدار مدرسي، مثلًا، لا يقتصر على كونه صورة (دالًا)، بل يحيل ضمنيًا إلى قيم الفضول والمثابرة والبحث عن المعرفة (مدلولًا)، وهي قيم يستبطنها المتعلم في كل مرة يمر فيها أمام الجدار، دون حاجة إلى شرح مباشر. ومن هذا المنطلق، يمكن الاستعانة أيضًا بما أضافه رولان بارت من تمييز بين المعنى الحرفي (التقريري) والمعنى الإيحائي (الرمزي) للصورة، لفهم كيف تحمل الجدارية الواحدة مستويين من الدلالة في آن واحد: مستوى ظاهر يمكن وصفه، ومستوى إيحائي يرتبط بالسياق الثقافي والقيمي الذي تنتمي إليه المدرسة ومجتمعها. بهذا التصور، يتحول الجدار المدرسي من عنصر معماري جامد إلى أداة تعليمية قادرة على إنتاج المعنى والتأثير في وعي المتعلم وسلوكه؛ فالجداريات المدرسية، إذا صُممت بوعي، تبني علاقات معرفية يومية بين الطالب والمكان، وتفتح أمامه آفاقًا للتفكير النقدي والبحث المستقل.
إعادة التفكير في البيئة البصرية للمدرسة، من هذا المنظور، تُبرز دور الجدار في تشكيل وعي المتعلم وبناء علاقته بالمكان والمعرفة. فالجدار المحايد مساحة ضائعة من الإمكانات. والصورة، حين تُوظَّف بوعي، لا تشتغل كعنصر زخرفي، بل كوسيط ثقافي يحفّز الفضول، ويربط الطالب بسياقات معرفية أوسع من المنهج الدراسي المباشر. فوجود شخصيات علمية أو فكرية أو فنية على الجدران لا يقدّم معرفة جاهزة، لكنه يخلق احتكاكًا يوميًا بالرموز الإنسانية، يشجّع الطالب على البحث والتأمل النقدي، ويحفزه على استكشاف السياق الاجتماعي والثقافي الذي أنتج هذه الرموز.
شواهد من التجربة العالمية
تؤكد التجارب العالمية هذا المنطق بوضوح. ففي الولايات المتحدة، أسهم مشروع "RAW " Project(اختصار Re- imagining Arts Worldwide )، الذي انطلق سنة 2014 في حي وينوود بميامي قبل أن يمتد إلى مدارس دنفر، في تحويل عشرات المدارس إلى لوحات فنية ضخمة بالتعاون بين فنانين محترفين والطلاب أنفسهم. ولم يقتصر أثر المشروع على البعد الجمالي، إذ أشارت متابعات إعلامية له إلى ارتفاع في الإقبال على التسجيل بالمدارس المعنية، وتحسّن في النتائج الدراسية، وتراجع في حالات التنمر والعنف، وهو ما يعكس الأثر النفسي والتربوي غير المباشر الذي يمكن أن تُحدثه بيئة بصرية محفِّزة.
في المقابل، تكشف جدارية " Life of Washington"في مدرسة جورج واشنطن الثانوية بسان فرانسيسكو، التي أنجزها الفنان فيكتور أرناوتوف سنة 1936 ضمن مشاريع الفن العام الممولة من هيئة أشغال التقدم الأمريكية (WPA)، وجهًا آخر لقوة الجدار المدرسي بوصفه نصًا تربويًا. فقد أثارت اللوحة، التي تصوّر مشاهد من حياة جورج واشنطن دون تجميل لصورته كمالك عبيد ومسؤول عن سياسات أضرّت بالسكان الأصليين، جدلًا واسعًا داخل المدرسة وخارجها حول كيفية تدريس التاريخ عبر الصورة: هل يُحذف ما هو مؤلم من الذاكرة البصرية أم يُبقى عليه بوصفه مادة للنقاش النقدي؟ وقد تراوح موقف إدارة المدرسة، عبر السنوات، بين قرار بطمس اللوحة وآخر بالإبقاء عليها بعد جدل قانوني وأهلي طويل. وبصرف النظر عن الموقف الذي قد يتبناه المرء من هذا الجدل، فإن الجدارية بحد ذاتها تقدّم مثالًا صارخًا على أن الجدار المدرسي، حين يحمل صورة قوية الدلالة، يتحول إلى فضاء حي للنقاش حول التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية، لا مجرد سطح للزخرفة. أما في أوروبا، فتعتمد المدارس الفنلندية والسويدية على تصميم بيئة مدرسية متكاملة تُدمِج الفن في الجدران والممرات، بما يدعم التعلم متعدد القنوات، ويعزز الراحة النفسية للطلاب، ويجعل الجدار المدرسي جزءًا من فلسفة تربوية شاملة، لا مجرد حائط فارغ.
من الصورة الجاهزة إلى المشروع الجماعي
تزداد قيمة الجداريات حين ترتبط بالفعل التعليمي نفسه. فالمعلم يمكن أن يستثمرها كنقطة انطلاق للنقاش أو البحث أو الأنشطة التطبيقية، ويمكن للطلاب المشاركة في تخطيطها وتنفيذها، فيتحول الجدار من صورة جاهزة إلى مشروع جماعي حي. وفي هذه الحالة، لا يكون الطالب متلقيًا سلبيًا، بل مشاركًا في إنتاج المعنى، ومتفاعلًا مع الفن بوصفه أداة للتفكير النقدي والإبداع، ويزداد شعوره بالانتماء إلى المكان وتقديره لدوره داخل المجتمع المدرسي.
الجداريات التعليمية المعاصرة في الفضاء المدرسي العربي، حين تُصمَّم بوعي ثقافي وبصري، تتجاوز وظيفة التزيين لتصبح ممارسة رمزية وإبداعية. فهي تسهم في بناء الوعي، وتوجيه الانتباه، وصياغة علاقة المتعلم بالمكان والمعرفة، كما تربط المفاهيم المجردة بالتجربة الحسية اليومية، بما يعزز الذاكرة البصرية ويجعل التعلم أكثر فعالية. واختيار الرموز الفنية والعلمية بلغة بصرية معاصرة يعكس وعيًا بطبيعة المتلقي المدرسي، ويضمن أن تكون الصورة محفزة وواضحة، دون الوقوع في التبسيط المخل أو الخطابية المباشرة.
إضافة إلى ذلك، تتضح الفائدة التربوية والنفسية للجداريات في تعزيز الحس الجمالي لدى المتعلم، وتحفيز فضوله المعرفي، ورفع مستويات التفاعل الاجتماعي داخل المدرسة. فاللون والخط والتكوين لا تُستخدم للزينة فحسب، بل بوصفها أدوات تنظيم بصري تساعد على تثبيت المعلومات، وتنشيط الذاكرة، وربط المفاهيم بالتجربة اليومية. كما أن مشاركة الطلاب في إنتاج هذه الجداريات تُنمّي لديهم مهارات التخطيط والتفكير النقدي والعمل الجماعي، وتغرس فيهم شعورًا بالمسؤولية تجاه فضاء المدرسة، وتسهم في بناء هويتهم الفردية والجماعية معًا. وتؤكد تجارب عالمية أخرى هذا الدور التربوي. ففي اليابان وكوريا الجنوبية، تُوظَّف الجداريات لترسيخ قيم اجتماعية كالتعاون والانضباط والاحترام المتبادل، بما يربط التعليم بالقيم الأخلاقية بطريقة يومية غير مباشرة. أما في ألمانيا، فتُستخدم الجداريات لعرض ابتكارات الطلاب أنفسهم، بما يعزز مشاركتهم الفعلية، ويشجعهم على التفكير النقدي والإبداع. وتوضح هذه التجارب مجتمعة أن الجداريات ليست حائطًا فارغًا، بل عنصر فاعل في البيئة التعليمية، يؤثر في المناخ النفسي والتربوي للمدرسة.
خاتمة: نحو منصة تعليمية متكاملة
من هذا المنطلق، يمكن اعتبار إعادة التفكير في أسوار المدارس، بوصفها منصات معرفية بصرية، موقفًا تربويًا وثقافيًا يوسّع الفعل التعليمي ليشمل العقل والحس معًا، ويُحدث أثرًا تربويًا أعمق وأدوم. فالجداريات، كما حاولنا أن نبيّن، ليست مجرد حائط فارغ، بل عنصر فاعل في بناء الخبرة التعليمية اليومية، ومجال لإشراك الطلاب في صناعة المعرفة، وتحفيز التفكير النقدي، وتنمية الهوية الثقافية والجمالية للمتعلم. وهذه الرؤية تتطلب تخطيطًا واعيًا وتصميمًا مدروسًا يراعي طبيعة المتلقي المدرسي، ويوازن بين التحفيز البصري والبعد المعرفي والرمزي، بما يجعل الجدار المدرسي منصة تعليمية متكاملة، لا زخرفة عابرة على هامش الفعل التربوي.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- خلافا لتصريحات ترامب.. تقييمات استخباراتية أمريكية تحذّر من ...
- غارة إسرائيلية -نادرة- على الضفة الغربية.. وهذا ما استهدفته ...
- مدفيديف: مزاعم واشنطن عن -انتصارها- على إيران غير صحيحة
- النعمان في بلا قيود: تصعيد الحوثي وضع الهدنة تحت مقصلة النها ...
- اتفاق دفاعي جديد بين الكويت وباكستان... هل يتّسع الدور الباك ...
- من -نزهة قصيرة- إلى مواجهة بلا أفق.. هل خسرت واشنطن رهانها ع ...
- معجبون يستقبلون سيلين ديون أمام فندقها في باريس قبل انطلاق إ ...
- بغارة من مسيّرة.. كيف علّق نتنياهو على اغتيال قائد كتيبة جني ...
- حرائق مميتة تلتهم شمال شرق الجزائر وإعلان حداد وطني
- -جنائية وشخصية-.. الأمن السوري يكشف دوافع مقتل الشيخ عبد الر ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رحال كريش - البيئة البصرية للمدرسة وأثرها التربوي الجداريات المدرسية نموذجا