طارق جهلان
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:29
المحور:
قضايا ثقافية
عقب رحيل الشيخ همام في نوفمبر 1769م عاد الصعيد تحت سيطرة العثمانيون حتى ما أعلن علي بك الكبير انفصاله عن الدولة العثمانية في نهاية العام[1] فأحيا على زعمه دولة المماليك في مصر في هذا الوقت تولى شياخة " الهمامية" هو اسماعيل بن عيسى بن عبد الله " ابن عم الشيخ همام" وكان على صراع مع ابن الشيخ همام الاكبر " درويش" لكن كفة اسماعيل هي الراجحة في الصراع كون أم درويش وهي صالحة أقرب لأخاها اسماعيل وتجعل في أن يكون خليفة زوجها الشيخ همام لذلك لم يرتاح درويش للعيش في الصعيد فاستقر في القاهرة بعد أن سطا عمه الشيخ اسماعيل على أملاكه في " الحلافي" في أوائل عام 1771م[2] استغل تلك الفرصة في الخلاف الذي دب بين درويش وخاله الشيخ اسماعيل هو محمد بك أبي الذهب الذي انقلب على علي بك الكبير كما هو معروف في أوائل عام 1772م فاستعان بالهوارة وبقايا القاسمية التي كانت تحت قيادة درويش بن الشيخ همام[3] وكان الدافع لدي محمد بك أبي الذهب تقوية الحكم العثماني واسقاط المحاولة المملوكية للانفصال بذلك استطاع محمد بك أبي الذهب أن يهزم علي بك الكبير في إبريل 1772م فتعود الدولة العثمانية من جديد ويكون محمد بك أبي الذهب شيخ بلد بدلاً من سلطان مملوكي ففر علي بك الكبير إلى حيفا لكن مع حلول مايو 1773م عاد علي بك الكبير بدعم من الروس وظاهر العمر لكنه انهزم في الصالحية وحمل أسيراً إلى معسكر أبي الذهب وفي النهاية مات مسموماً[4]
لكن السياسة ليست لها أماناً أو عهداً أو ميثاقاً حيث قام كما يروي الجبرتي " واقتدى به بعد ذلك محمد بك في أيام امارته وأخذ منه جملة وكذلك أتباعه من بعده ، حتى أخرجوا ما في دورهم من المتاع والأواني والنحاس قناطير مقنطرة ، ثم تتبعوا الحفر لاستخراج الخبايا حتى هدموا الدور والمجالس ونبشوها وأخربوها[5] وكان سر انقلاب محمد بك أبي الذهب عليه هو خوفه من اقتراب الصوفية وتقربهم من فرنسا في ذلك الوقت خاصة أنه سيحارب ظاهر العمر المدعوم من روسيا لذلك ضيق عليه ثانية بسبب السياسة على أثر ذلك توفي محمد بك أبي الذهب في يافا[6] تولى ابراهيم بك ومراد بك شياخة البلد عقب وفاة سيدهم محمد بك أبي الذهب لذلك دخلوا في صراع مع زميل سيدهم اسماعيل بك وكان اسماعيل بك مدعوم من قبل الشيخ اسماعيل بن عيسى الهمامي خال " درويش" الذي يرغب في القضاء عليه لذلك انضم درويش بن الشيخ همام لإبراهيم بك ومراد بك استطاع اسماعيل بك أن يقوم بانقلاب عسكري في يوليو 1777م وينجح في السيطرة على منصب شياخة البلد بدعم كبير من اسماعيل بن عيسى[7] عند هنا من السهل التخلص من درويش بن همام الذي مات في القاهرة كما روى الجبرتي مثل آحاد الناس فيما يبدو أنه التخلص بالسم[8]
عقب وفاة درويش تولى زعامة الحزب الهمامي " آل همام شيخ العرب" هو شاهين مستمراً في العداء لخاله اسماعيل بن عيسى ما يؤكد ذلك دعمه لإبراهيم بك ومراد بك في رجب 1191هـ الموافق أغسطس 1777م حيث استطاعا بدعم شاهين أن يهزما التجريدة التي يقودها اسماعيل بك الصغير[9]. لكن اسماعيل بك استطاع الانتصار عليهم ثانية في سبتمبر 1777م وقد ولى على جرجا حسن بك الجداوي لكي يحفظ الأمن فيها لكن ابراهيم بك اعلن الانقلاب على الدولة العثمانية والعمل على إحياء الدولة البندارية في ديسمبر 1777م بعبارة الجبرتي " واستولوا على البلاد وقبضوا على الخراج وملكوا من جرجا إلى فوق"[10]. وتم طرد حسن بك الجداوي إلى أسيوط ومعه الشيخ اسماعيل بن عيسى ، لكن ما لبث أن عقد مراد بك وابراهيم بك انقلاب عسكري في فبراير 1778م وتوليا مشيخة البلد من جديد وتم إقصاء اسماعيل بك وعند هنا تولى حكم جرجا اسماعيل بك بالاتفاق مع ابراهيم بك ومراد بك واجتمع شاهين مع خاله اسماعيل في صف ابراهيم بك ومراد بك وهذا ما أغضب حسن بك الجداوي الذي رفض قيام دولة بندارية في صعيد مصر لذلك قام بانقلاب فاشل في يونيو 1778م بزعامة العلويين " أتباع علي بك الكبير" ضد المحمديون " أتباع محمد بك أبي الذهب" جعل حسن بك الجداوي يهرب إلى الصعيد ويطمع اسماعيل بن عيسى الهمامي حاكم الدولة البندارية أن يسقط حاكمي مصر ابراهيم بك وحسن بك وفعلاً كثرت أتباع حسن بك الجداوي عند هروب رضوان بك علي زعيم العلويون الذي فر إلى صعيد مصر في أكتوبر 1778م ، لكن عند هنا تحرك مراد بك استطاع أن يفرق شاهين عن خاله اسماعيل الهمامي لذلك تم تسليمه لمراد بك في يونيو 1779م وتم إعدام اسماعيل بن عيسى الهمامي وتولى شاهين خلفاً له حكم الدولة البندارية[11]
لكن شاهين لم يستطع الاستقواء على حسن بك الجداوي ورضوان بك اللذا عاد ثانية في أغسطس 1780م وكان هدف الاثنين العودة بحكم مصر إلى اسماعيل بك الذي عاد فعلاً من أراضي الدولة العثمانية في فبراير 1781م إلى شرق ليبيا " درنة" وهناك استطاع أن يسيطر على الدولة البندارية ويحجر على شاهين بن الشيخ همام وجعل اخميم عاصمة دولته وولى حسن بك الجداوي على قنا ورضوان بك على اسنا وهذا ما جعل مراد بك أن يقبل بوجود تلك الدولة في مايو 1781م ويعقد الصلح بين المماليك العلوية الذين هم مع البنداريون والمماليك المحمدية[12] وقوى أمر اسماعيل بك في أكتوبر 1782م حيث وصلت له أعداد كبيرة من المماليك العلوية لكن الذي أضعف موقفه هو هروب رضوان بك المتواجد في اسنا إلى إبراهيم بك ومراد بك في مايو 1783م وهذا ما سهل المهمة لمراد بك أن يرسل عثمان بك الشرقاوي الذي أسقط الدولة البندارية في يوليو 1783م عقب عزل شاهين بن همام[13] وتولى عثمان بك الشرقاوي الحكم العثماني في جرجا لكن اسماعيل بك قوي في اخميم هو وزميله حسن بك الجداوي وهذا ما كان يرفضه مراد بك يرغب في إضعاف اسماعيل بك لكن ابراهيم بك رضى بهذا الوضع الشاذ فانضم شاهين بن همام إلى مراد على أمل للعودة إلى عرشه ثانية لذلك أتى شاهين للدفاع عن مراد بك في حربه ضد ابراهيم بك في فبراير 1784م لكن انهزم مراد بك ومعه شاهين بن همام اللذا انسحبا إلى الصعيد ثانية وهناك قبل عثمان بك الشرقاوي نفوذ اسماعيل بك في اخميم شريطة أن يتم الصلح بين الطرفين وقد تم الصلح في إبريل 1784م وكان الدافع الأساسي لقبول ابراهيم بك الصلح أن يقبض على عثمان بك بالغدر والحيلة وفعلا ً تم ذلك في مايو 1784م عقب محاولة فاشلة للهروب وتم على أثر ذلك نفي عثمان بك الشرقاوي إلى المنصورة لكن عثمان بك فر إلى صعيد مصر وتمت محاولات الصلح ثانية مع ابراهيم بك ومراد بك وتم عزل عثمان بك الشرقاوي عن حكم جرجا وأعيدت الدولة البندارية [14] لذلك غصب عثمان بك الشرقاوي الذي حرض مراد بك على عزل شاهين بن همام لذلك قام أيوب بك بحملة بقرار من نفسه لحرب شاهين بن همام في إبريل 1785م واستطاع عزل شاهين بن همام عن حكم الدولة البندارية ووضع مكانه لاشين بك[15] وعند هنا انتهى نفوذ الهماميون في بني بندار
[1] عمر عبد العزيز عمر : تاريخ العالم العربي الحديث ، دار المعرفة الجامعية ، الاسكندرية ، 1993م، ص 147 يروي الجبرتي في هذا الصدد في رمضان 1183هـ الموافق يناير 1770م " ومما اتفق أن علي بك الكبير صلى الجمعة في أوائل شهر رمضان بجامع الداودية فخطب الشيخ عبد ربه ودعا للسلطان ثم لعلي بك. فلما انقضت الصلاة وقام علي بك يريد الانصراف احضر الخطيب وكان رجلاً من أهل العلم يغلب عليه البله والصلاح فقال له :من أمرك بالدعاء باسمي على المنبر أقيل لك أني سلطان؟ فقال : نعم أنت سلطان وأنا أدعو لك. فأظهر الغيظ وأمر بضربه فبطحوه وضربه بالعصي. فقام بعد ذلك متألماً من الضرب وركب الحمار وذهب إلى داره ثم أن علي بك أرسل إليه في ثاني يوم بدراهم وكسوة واستسمحه" (الجبرتي : عجائب الآثار في التراجم والأخبار ، الجيل الجديد ، بيروت ، بدون تاريخ ، جـ 1 ، ص 378-379 )
[2] ليلى عبد اللطيف أحمد : الصعيد في عهد شيخ العرب همام ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1987م ، ص 149
[3] عمر عبد العزيز عمر : المرجع السابق ، ص 148
[4] عمر عبد العزيز عمر : نفس المرجع السابق ، ص 149
[5] الجبرتي : المصدر السابق، جـ 1 ، ص 387
[6] عمر عبد العزيز عمر : المرجع السابق ، ص 150
[7] الجبرتي : المصدر السابق، جـ 1 ، ص 501
[8] الجبرتي : نفس المصدر السابق، جـ 1 ، ص 387
[9] الجبرتي : نفس المصدر السابق، جـ 1 ، ص 502
[10] الجبرتي : نفس المصدر السابق، جـ 1 ، ص 508
[11] الجبرتي : نفس المصدر السابق، جـ 1 ، ص 538
[12] الجبرتي : نفس المصدر السابق، جـ 1 ، ص 552
[13] الجبرتي : نفس المصدر السابق، جـ 1 ، ص 568
[14] الجبرتي : نفس المصدر السابق، جـ 1 ، ص 581
[15] الجبرتي : نفس المصدر السابق، جـ 1 ، ص 593
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟