أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - دارا حصري - من التقديس إلى التبديد: كيف التهمت الأيديولوجيا حلم الكورد؟














المزيد.....

من التقديس إلى التبديد: كيف التهمت الأيديولوجيا حلم الكورد؟


دارا حصري

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 16:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


التقديس إلى التبديد: كيف التهمت الأيديولوجيا حلم الكورد؟
​تبدأ أعتى المآسي في التاريخ البشري تحت مظلة البدايات البراقة؛ فما من جريمة كبرى أو استبداد عاتٍ إلا وشُرّعت أبوابه في البداية باسم فكرة نبيلة وشعار براق يلامس الوجدان. وفي التجربة الكوردية مع حزب العمال الكوردستاني، نجد الإسقاط الأكثر تراجيدية لمقولة "الطريق إلى الجحيم مفروش بالنيات الحسنة".
​بدأ الحزب مساره رافعاً شعاراً ساحراً لأمة تعرضت للتهميش والإنكار: "تأسيس كردستان الكبرى الموحدة والمستقلة". كان الحلم مثيراً، لكن الوسيلة كانت مدمّرة. ف بأسم هذا الهدف السامي، أُخرجت الفكرة من دائرة السياسة والإنسانية إلى ساحة التقديس الراديكالي؛ حيث أُبيحت كل الوسائل، وصار منطق العصابة والسلاح هو الحاكم. لم تكن الرصاصات تُوجّه للخصوم الخارجيين فحسب، بل صُوّبت أولاً إلى صدور الكوادر التاريخية والمصلحين والدعاة إلى النضال المدني والسلمي من الكورد أنفسهم، تحت تهم جاهزة تتردد أصداؤها في كل أيديولوجيا شمولية: "الخيانة والتخلي عن القضية".
​وهنا يبرز السؤال الوجودي الأكثر مرارة: لماذا خيار العسكرة وإراقة الدماء، بينما كان الأسلوب المدني والعصيان السلمي متاحاً وممكناً؟
​الحقيقة القاسية هي أن النضال المدني والسلمي يقتضي وجود مجتمع حيّ ومتعدد، يملك فيه الفكر والنقابات والإعلام سلطة التغيير التراكمي. لكن الأيديولوجيا الشمولية رفضت هذا المسار عمداً؛ لأن السلاح بالنسبة لها لم يكن مجرد أداة لمواجهة السلطات، بل كان وسيلة للإخضاع الداخلي واحتكار التمثيل وإلغاء أي صوت كوردي مستقل. لقد استُبدلت ثقافة البناء التراكمي التي تحفظ للمجتمع شبابه وقراه ومؤسساته، بـ "عمل تدميري" منح القيادة سلطة مطلقة، وحرم الشعب من استثمار الأدوات المدنية والدولية الحديثة لانتزاع حقوقه.
​قد يظن البعض أن هذه تجربة غير مسبوقة، لكن التاريخ الإنساني حافل بنماذج شمولية سلكت المسار ذاته؛ من "الخمير الحمر" في كامبوديا الذين أبادوا أبناء بلدهم باسم "العدالة الاجتماعية"، إلى "حركة الدرب الضياء" في البيرو، وحتى "مجاهدي خلق" في إيران. غير أن الخصوصية الأشد إيلاماً في التجربة الكوردية تكمن في الانقلاب الأيديولوجي المفاجئ؛ إذ شهد الحزب تحولاً دراماتيكياً ومجانياً بتخليه عن "الاستقلال والتحرير" لصالح مفاهيم هجينة ومائعة مثل "أخوة الشعوب" و"الاندماج". وبلمحة عين، أُخبرت الجماهير بأن الهدف الذي قُتل من أجله الآلاف كان "فكرة متخلفة وتجاوزها الزمن".
​تكمن الكارثة الحقيقية اليوم في أن هذا التحول والتخلي الكامل عن الشعارات الأولى لم يثمر حتى عن أدنى ضمانات دستورية أو قانونية تثبت الهوية والكينونة الكوردية، لا في تركيا ولا في سوريا؛ ليمسي المشهد ختاماً نادر التكرار في تاريخ الثورات: تجربة خُسر فيها السلاح والهدف معاً، وعاد فيها المسار إلى نقطة الصفر التي كان يمكن الانطلاق منها مدنياً وسلماً منذ اليوم الأول دون قطرة دم واحدة.
​لكن المأساة الأشد قسوة في هذه الدورة هي تحديداً مَن دفع الثمن. الحزب ككيان وأيديولوجيا وقيادات لم يخسر شيئاً؛ فالأيديولوجيون يتنقلون بين المقرات والتلفزيونات ويُغيرون الخطاب بنقرة قلم. أما الثمن الحقيقي، فقدُفع كاملاً من لحم ودم المجتمع الكوردي: قرى دُمّرت، وأجيال سُرقت من مقاعد الدراسة إلى جبهات القتال، وأمهات قَضين العمر يبكين أبناءً ذُبحوا على مذبح شعارات تُخُلي عنها لاحقاً بلا مقابل.
​إنها الدرس القاسي الذي يذلّل كل حلم: عندما تُمنح الأيديولوجيا المسلحة حق النطق باسم الشعوب، تلتهم أبناءها أولاً، وتصادر حراكهم المدني، ثم تبيع القضية في النهاية، وتترك الأمهات وحدهن يحملن وزر "الفكرة النبيلة".



#دارا_حصري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماكرون لم يخطأ
- الضامن التركي!
- شكراً كورد تركيا
- هل تركيا تدعم أم تحارب الجماعات الأرهابية؟


المزيد.....




- النفط يهبط 3% مع انتعاش آمال إنشاء ممر جديد في مضيق هرمز
- ميلانيا ترامب بفساتين مكشوفة وتسريحات جريئة.. اختيارات مختلف ...
- عون: لا خيار إلا التفاوض لتحرير الجنوب وإعادة الإعمار
- نتنياهو يتحدث عن الاستيطان ويكشف مباحثاته مع ترامب حول إيران ...
- سوريا.. ارتفاع منسوب الفرات في دير الزور
- السويد.. القبض على مشتبه به ثانٍ في الهجوم بالسيف على مدرسة ...
- عقوبات ترامب على إيران تضع أمريكا والصين في مواجهة مباشرة
- بعد سلسلة انتكاسات.. مرشحان مدعومان من ترامب يفوزان بالانتخا ...
- بـ 32 دولارا.. نوكيا تطلق هاتفا من الطراز القديم يشحن أجهزتك ...
- نتنياهو يهاجم آيزنكوت: لو استمعنا إليه لكان نصر الله وخامنئي ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - دارا حصري - من التقديس إلى التبديد: كيف التهمت الأيديولوجيا حلم الكورد؟