نور محمد يوسف
كاتبة ومترجمة وباحثة سورية
(Nour Mohammad Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 19:48
المحور:
قضايا ثقافية
مقدمة
تُعدّ رواية قلب الظلام (Heart of Darkness, 1899) للكاتب البولندي-الإنجليزي جوزيف كونراد، ورواية موسم الهجرة إلى الشمال (Mawsim al-Hijra ila al-Shamal, 1966) للروائي السوداني الطيب صالح، من أبرز الأعمال الروائية التي تناولت العلاقة الاستعمارية بين الشمال (أوروبا) والجنوب (إفريقيا). وقد أثارت المقارنة بينهما اهتماماً نقدياً واسعاً، خاصة في سياق الدراسات ما بعد الكولونيالية، حيث يُنظر إلى رواية صالح غالباً على أنها "كتابة مضادة" (counternarrative) لرواية كونراد، أو محاولة أفريقية للرد على الصور النمطية الاستعمارية الأوروبية.
تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية مقارنة بين العملين، متناولةً الكاتبين، البيئة، الأفكار الفلسفية، العصر، البعد الزمني، نقاط التلاقي والاختلاف، وسبل التأثير والتأثر، مع الاستناد إلى مراجع أكاديمية معتمدة.
أولاً: الكاتب – السيرة والسياق الثقافي
جوزيف كونراد (1857-1924)
ولد كونراد في بولندا الخاضعة للحكم الروسي، لعائلة من النبلاء المناضلين ضد الاحتلال. فقد والده في سن مبكرة، وهاجر إلى بريطانيا حيث عمل بحّاراً في الأسطول التجاري البريطاني لأكثر من عشرين عاماً، جاب خلالها أنحاء العالم. هذه التجربة البحرية الواسعة، وخاصة رحلته إلى نهر الكونغو عام 1890، شكلت الأساس الذي بنى عليه روايته الأشهر. يتميز كونراد بكونه كاتباً "حدودياً" يعيش في فضاءات ثقافية متعددة: بولندي المولد، بريطاني الجنسية، فرانكوفوني الثقافة، وهذا ما جعل كتاباته تحمل طابعاً تشكيكياً في الحضارة الأوروبية ومشروعها الاستعماري، مع بقائه أسيراً للخطاب الاستعماري في بعض جوانبه.
الطيب صالح (1929-2009)
وُلد الطيب صالح في قرية كرمكول بشمال السودان، لعائلة من قبيلة الركابية. تلقى تعليمه في مدارس السودان ثم في جامعة الخرطوم، قبل أن يسافر إلى بريطانيا لاستكمال دراساته العليا، وعاش متنقلاً بين أوروبا والعالم العربي طوال حياته. هذه التجربة الشخصية للاغتراب والتنقل بين الشرق والغرب انعكست بوضوح في روايته الأهم. يُعدّ صالح واحداً من أبرز الأصوات الروائية العربية في القرن العشرين، وقد وصفت روايته بأنها "أهم رواية عربية في القرن العشرين".
فارق جوهري: بينما كتب كونراد عن إفريقيا من موقع المستعمر الأوروبي الذي زار القارة السوداء لفترة محدودة، كتب صالح عن العلاقة مع أوروبا من موقع المنتمي إلى الجنوب والذي عاش في الشمال وعانى من تجربة الاغتراب والهيمنة الثقافية.
ثانياً: البيئة – الفضاء الروائي والجغرافيا الرمزية
قلب الظلام: النهر والغابة
تدور أحداث الرواية في فضاءين متقابلين: نهر التايمز في لندن (الإطار الخارجي) ونهر الكونغو في وسط إفريقيا (الإطار الداخلي). يشكّل النهر محوراً للحركة الاستعمارية، حيث يبحر الراوي ماردو في اتجاه مجرى النهر نحو الداخل الأفريقي، في رحلة تشبه النزول إلى الجحيم. الغابة الكثيفة تمثّل "الظلام" المجهول الذي يهدد العقل الأوروبي المتحضر، بينما تمثّل محطات الاستعمار (المحطات التجارية) جيوباً من "النظام" الأوروبي المزعوم وسط "الفوضى" الأفريقية.
موسم الهجرة إلى الشمال: قريتان وجسران
يتوزع فضاء الرواية بين قريتين سودانيتين على ضفاف النيل (قرية الراوي وقرية مصطفى سعيد) من جهة، ومدينة لندن من جهة أخرى. يحمل السفر من الجنوب إلى الشمال دلالة الهجرة الاستعمارية/ما بعد الاستعمارية، حيث يذهب المثقف السوداني إلى مركز الإمبراطورية ليتعلم ثم يعود محمّلاً بثقافة "الآخر". النيل هنا يوازي الكونغو عند كونراد، لكن اتجاه الرحلة معكوس: من الجنوب إلى الشمال، ومن المستعمَر إلى المستعمِر.
الملاحظة المقارنة: في قلب الظلام، تكون الرحلة من الشمال (أوروبا) إلى الجنوب (إفريقيا) ومن "الحضارة" إلى "الوحشية" المزعومة. أما في موسم الهجرة، فتكاد الرحلة أن تكون معكوسة: من الجنوب إلى الشمال، ومن "التخلف" المزعوم إلى "الحضارة". هذا الانعكاس في اتجاه الرحلة يشكّل محوراً أساسياً لفهم العلاقة النقدية بين النصين.
ثالثاً: أفكار كل رواية – المضامين الفلسفية والنقدية
قلب الظلام: نقد الاستعمار ونقد الإنسان
تتعدد المستويات الفلسفية في رواية كونراد:
1. نقد المشروع الاستعماري: تكشف الرواية عبثية "المهمة الحضارية" الأوروبية في إفريقيا، حيث يتحول كورتز من "مصلح" مثالي إلى طاغية جشع يعبد نفسه. الرواية تسخر من فكرة "نشر الحضارة" في ظل الفظائع الاستعمارية.
2. استكشاف "الظلام" الداخلي: العنوان يحمل دلالة مزدوجة: الظلام الجغرافي لأفريقيا، والظلام الأخلاقي والنفسي الكامن في أعماق الإنسان الأوروبي. رحلة ماردو إلى الكونغو هي في الحقيقة رحلة إلى أعماق النفس البشرية، حيث تتهاوى كل الحواجز الأخلاقية.
3. التناقض الإيديولوجي: يرى نقاد مثل تشينوا أتشيبي أن كونراد كان "عنصرياً متكاملاً" رغم نقده للاستعمار، بينما يرى آخرون أن الرواية كانت نقداً جريئاً للغطرسة الأوروبية. هذا التناقض يعكس موقع كونراد الحدودي: فهو يفضح الاستعمار لكنه لا يستطيع التحرر من إرثه الفكري.
4. أزمة الهوية: يعاني كل من ماردو وكورتز من أزمة هوية في مواجهة "الآخر" الأفريقي، حيث تتهاوى الحدود بين "المتحضر" و"الهمجي".
موسم الهجرة إلى الشمال: الهوية والاغتراب والكتابة المضادة
1. أزمة الهوية بعد الكولونيالية: يدور محور الرواية حول شخصية مصطفى سعيد، الشاب السوداني المثقف الذي يدرس في بريطانيا، ويعيش صراعاً عميقاً بين هويته الشرقية والانبهار بالغرب، مما يدفعه إلى علاقات مدمرة مع نساء إنجليزيات تنتهي بموتهن ثم بمحاكمته. مصطفى يجسّد أزمة المثقف ما بعد الاستعماري الذي فقد جذوره دون أن يندمج تماماً في ثقافة المستعمِر.
2. نقد الأسطورة الاستعمارية: تعيد الرواية كتابة العلاقة بين الشرق والغرب، مقدمةً صورة معكوسة لعلاقة كورتز بالنساء والسلطة. فمصطفى سعيد يستخدم جاذبيته الشرقية لإغواء النساء الأوروبيات، مقلباً بذلك دور المستعمِر/المستعمَر.
3. الكتابة المضادة (Writing Back): يُقرأ العمل غالباً كردّ أفريقي على قلب الظلام، حيث يقدّم صالح رواية من منظور الجنوب، مانحاً الصوت والوكالة للشخصية الأفريقية.
4. التعدد الصوتي (Polyphony): تستخدم الرواية تقنية الأصوات المتعددة، حيث تتنوع وجهات النظر حول مصطفى سعيد بين الإعجاب والاستنكار، مما يعكس تعقيد الهوية ما بعد الاستعمارية.
رابعاً: العصر – السياق التاريخي لكل عمل
قلب الظلام (1899/1902)
• العصر: ذروة التوسع الاستعماري الأوروبي في إفريقيا (التدافع على إفريقيا – Scramble for Africa).
• السياق المباشر: استعمار بلجيكا للكونغو تحت حكم الملك ليوبولد الثاني، حيث ارتكبت فظائع بحق السكان الأصليين.
• السياق الأدبي: أواخر العصر الفيكتوري، وبدايات الحداثة الأدبية حيث بدأ التشكيك في قيم الحضارة الغربية.
• الوضع السياسي: بريطانيا في أوج قوتها الإمبراطورية، مع بداية ظهور أصوات ناقدة للاستعمار.
موسم الهجرة إلى الشمال (1966)
• العصر: مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث حصلت السودان على استقلالها من الحكم البريطاني-المصري عام 1956.
• السياق المباشر: صراع الهوية في الدول العربية والإفريقية حديثة الاستقلال بين التراث والحداثة.
• السياق الأدبي: ازدهار الرواية العربية وما بعد الكولونيالية، مع بدء كتاب من الجنوب بإعادة كتابة الرواية الاستعمارية من منظورهم.
• الوضع السياسي: توتر الحرب الباردة، وبروز حركات التحرر الوطني في العالم الثالث.
فارق زمني كبير: بين العملين 67 عاماً، شهدت خلالها إفريقيا تحولاً جذرياً من كيان مستعمَر إلى دول مستقلة تواجه تحديات بناء الهوية الوطنية. هذا الفارق يفسر اختلاف المقاربتين: كونراد يكتب من داخل الإمبراطورية ناقداً إياها، بينما يكتب صالح من خارجها معيداً تشكيل الذاكرة الاستعمارية.
خامساً: البعد الزمني – بنية السرد والزمن الروائي
قلب الظلام: البنية الإطارية والزمن المزدوج
تعتمد الرواية بنية الراوی داخل الراوي (frame narrative):
• الإطار الخارجي: بحارة على متن سفينة راسية في نهر التايمز، يروي أحدهم (ماردو) قصته.
• الإطار الداخلي: رحلة ماردو السابقة في الكونغو.
• يخلق هذا البناء إحساساً بالمسافة والتأمل، حيث تُروى أحداث الماضي من منظور الحاضر.
الزمن في الرواية غير خطي، مع تقفزات إلى الأمام والخلف، مما يعكس اضطراب التجربة الاستعمارية وتشظي الذاكرة.
موسم الهجرة إلى الشمال: استرجاع الذاكرة والزمن الدائري
• تبدأ الرواية بعودة الراوي إلى قريته بعد غياب سبع سنوات.
• تنتقل بين الحاضر (عودة الراوي) والماضي (قصة مصطفى سعيد) عبر تقنية الاسترجاع (flashback).
• تستخدم تيار الوعي (stream of consciousness) والمونولوج الداخلي، خاصة في المقاطع التي تعبر عن صراع مصطفى النفسي.
الملاحظة المقارنة: كلتا الروايتين تستخدمان تقنية الرحلة في اتجاهين (two round trips):
• في قلب الظلام: ينطلق ماردو من لندن إلى الكونغو ثم يعود.
• في موسم الهجرة: ينطلق الراوي من السودان إلى لندن ثم يعود، وكذلك مصطفى سعيد.
لكن الفارق أن رحلة كونراد تبدأ من المركز (أوروبا) نحو الهامش (إفريقيا) وتعـود، بينما رحلة صالح تبدأ من الهامش (السودان) نحو المركز (أوروبا) وتعـود. هذا الانعكاس في اتجاه الرحلة هو جوهر العلاقة التناصية بين النصين.
سادساً: نقاط التلاقي
1. استكشاف "الآخر" والهوية
تتناول كلتا الروايتين لقاء الشرق بالغرب، وتكشفان كيف يُبنى "الآخر" في المخيال الأوروبي. في قلب الظلام، يُصوَّر الأفارقة على أنهم "ظلام" و"همجية" مقابل "نور" و"حضارة" أوروبية. وفي موسم الهجرة، يُصوَّر الأوروبيون (خاصة النساء) كضحايا للجاذبية "الشرقية" الغامضة، مما يعكس صورة معكوسة للصورة النمطية الاستعمارية.
2. نقد المشروع الاستعماري
كلتا الروايتين تقدمان نقداً لاذعاً للاستعمار. غير أن نقد كونراد يأتي من موقع غامض/متناقض (ينتقد الظلم الاستعماري لكنه يعيد إنتاج الصور النمطية العنصرية)، بينما نقد صالح يأتي من موقع المُستعمَر مباشرة.
3. البنية السردية المزدوجة
كلتا الروايتين تستخدمان بنية الرحلة المزدوجة (ذهاباً وإياباً)، مع راوٍ يتذكر أحداثاً من الماضي ويعيد سردها.
4. شخصية البطل المأساوي
• كورتز: مثالي يتحول إلى طاغية، يموت وفي فمه كلمات "الرعب! الرعب!".
• مصطفى سعيد: مثقف لامع يتحول إلى قاتل، ويعيش مأساة الانتماء المزدوج.
كلاهما شخصيات مأساوية تجسّد انهيار المثاليات في مواجهة قسوة الواقع الاستعماري وما بعد الاستعماري. وقد وُصف مصطفى سعيد بأنه "منافس لكورتز" في رواية كونراد.
5. استخدام الرمزية المكانية
• النهر في كلتا الروايتين: الكونغو والنيل رمزان للرحلة الاستكشافية وللانتقال بين عوالم متباينة.
• الظلام في كلتا الروايتين: ظلام الغابة الأفريقية عند كونراد، وظلام النفس البشرية في مواجهة الاغتراب عند صالح.
سابعاً: نقاط الاختلاف
1. زاوية النظر (وجهة النظر)
قلب الظلام موسم الهجرة إلى الشمال
تُروى من منظور أوروبي (ماردو/كونراد) تُروى من منظور أفريقي-عربي (الراوي/صالح)
الأفارقة شخصيات صامتة، لا صوت لها الشخصيات الأفريقية/العربية لها صوت ووكالة
المستعمَر (إفريقيا) موضوع للنظر المستعمَر (السودان) ذات تنظر وتُرى
2. موقع الكاتب من الخطاب الاستعماري
• كونراد: موقع مزدوج/متناقض. هو ناقد للاستعمار لكنه أسير لتصوراته العنصرية. يصف تشينوا أتشيبي كونراد بأنه "عنصري متكامل"، بينما يرى إدوارد سعيد أن كونراد كان يعاني من "محدودية مأساوية".
• صالح: موقع مقاوم/ناقض. يكتب من داخل الثقافة المستعمَرة ليعيد سرد القصة من منظورها. يقدّم "كتابة مضادة" (counternarrative) تعكس الصورة الاستعمارية.
3. الغرض من الرحلة
• في قلب الظلام: رحلة استكشاف/استعمار – البحث عن كورتز، وجمع العاج، ونشر "الحضارة".
• في موسم الهجرة: رحلة تعلم/اغتراب – البحث عن المعرفة في الغرب، ثم العودة المحفوفة بالصدمة.
4. النهاية
• قلب الظلام: ينتهي بعودة ماردو إلى أوروبا وكذبته على خطيبة كورتز، في إشارة إلى استمرار الأكذوبة الاستعمارية.
• موسم الهجرة: ينتهي بنهاية مفتوحة حيث يسبح الراوي في النيل، معلناً "سأعيش" – في إشارة إلى إمكانية تجاوز المأساة الاستعمارية.
5. البنية الصوتية
• قلب الظلام: تنتقل من التعدد الصوتي (polyphonic) في البداية إلى الصوت الأحادي (egocentric) في النهاية (سيطرة صوت ماردو).
• موسم الهجرة: تنتقل من الصوت الأحادي إلى التعدد الصوتي، حيث تتعدد الأصوات والروايات عن مصطفى سعيد.
هذا الانعكاس في البنية الصوتية يعكس اختلاف المشروعين: كونراد يُخضع الأصوات الأخرى لصوت المستعمِر، بينما صالح يفتح المجال لتعدد الأصوات التي تعكس تعقيد الهوية ما بعد الاستعمارية.
ثامناً: سبل التأثير والتأثر – التناص بين النصين
هل تأثر الطيب صالح بكونراد؟
تجمع الدراسات النقدية على أن موسم الهجرة إلى الشمال تقيم حواراً تناصياً (intertextual) عميقاً مع قلب الظلام. لكن طبيعة هذا التأثر تخضع لتأويلات مختلفة:
1. التأثر كـ"كتابة مضادة" (Writing Back)
يرى كثير من النقاد أن صالح يكتب روايته كردّ على كونراد، مقدماً منظوراً من الجنوب يكشف زيف الصورة الاستعمارية. فإذا كان كونراد قد صوّر إفريقيا كـ"قلب مظلم" يحتاج إلى نور أوروبا، فإن صالح يقدّم أوروبا نفسها كفضاء للظلام الأخلاقي والاستغلال العاطفي.
2. التأثر كـ"محاكاة ساخرة" (Parody/Mimicry)
يستخدم صالح أسلوب المحاكاة الساخرة (parody) لنص كونراد. فهو يعيد إنتاج البنية الأساسية (رحلة نهرية، بطل مأساوي، لقاء بين الشرق والغرب) لكنه يقلب المعاني والدلالات. مصطفى سعيد ليس مجرد كورتز أفريقي، بل هو نقيض لكورتز: يستخدم جاذبيته الشرقية ليس لاستعمار إفريقيا بل "لاستعمار" أوروبا عاطفياً وجنسياً.
3. التأثر كـ"حوار" لا كـ"ردّ"
ثمة قراءة أكثر تعقيداً ترى أن صالح لا يرد على كونراد بقدر ما يحاوره، معترفاً بتأثيره لكنه يتجاوزه. فصالح يضع نفسه في موقع وسيط بين الثقافتين، معترفاً بتعقيد الهوية ما بعد الاستعمارية التي لا يمكن اختزالها في موقف "ضد" أو "مع" الغرب.
4. التأثر بالمرجعيات الأخرى
إلى جانب كونراد، يتناص نص صالح مع مراجع أخرى: مسرحية عطيل لشكسبير، وقصة عنترة بن شداد في التراث العربي. هذا التشابك التناصي يجعل رواية صالح فضاءً للحوار الثقافي بين الشرق والغرب، بدلاً من أن تكون مجرد ردّ على نص واحد.
هل يمكن قراءة صالح دون كونراد؟
يمكن بالطبع، لكن فهم عمق رواية صالح واستراتيجياتها النقدية يتطلب معرفة بنص كونراد. فصالح يفترض معرفة القارئ بنص كونراد ليتمكن من تقديم مفاجآته وقلباته. وهذه إحدى سمات التناص القوي: النص الجديد لا يحل محل النص القديم، بل يفترض وجوده ويبني عليه.
تاسعاً: خلاصة الدراسة
تُظهر المقارنة بين قلب الظلام وموسم الهجرة إلى الشمال كيف يمكن لنصين، يفصل بينهما سبعة عقود ونصف قرن من الزمن، أن يقدما رؤيتين متكاملتين ومتناقضتين في آن واحد للعلاقة الاستعمارية بين الشمال والجنوب.
قلب الظلام تظل عملاً تأسيسياً في نقد الاستعمار، لكنها تحمل في طياتها تناقضات موقع كونراد الحدودي: فهو ينفضح الاستعمار لكنه يبقى أسيراً لتصوراته. أما موسم الهجرة إلى الشمال فتقدّم كتابة مضادة (counternarrative) تعيد سرد القصة من منظور المُستعمَر، مانحةً إياه صوتاً ووكالة، ومقلبةً الصور النمطية الاستعمارية.
يمكن القول إن العلاقة بين النصين ليست علاقة تأثير أحادي بقدر ما هي علاقة حوار تناصي (intertextual dialogue)، حيث يقرأ صالح كونراد، ويعيد كتابته، ويحاوره، ويتجاوزه في آن واحد. هذا الحوار يمثل نموذجاً مهماً للأدب ما بعد الكولونيالي الذي لا يكتفي برفض المركز بل يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة معه من خلال المحاكاة الناقدة وتعدد الأصوات.
عاشراً: قائمة المراجع المعتمدة
المراجع الأكاديمية باللغة الإنجليزية
1. El Aribi, Hamza. Quest for Identity in Joseph Conrad’s Heart of Darkness and Tayeb Salih’s Season of Migration to the North. Master’s Thesis, Universidad de Valladolid, 2023.
o يعتمد على مفاهيم Homi Bhabha حول التهجين (hybridity) والمحاكاة (mimicry) والالتباس (ambivalence) لتحليل أزمة الهوية في كلتا الروايتين.
2. El-Hussari, Ibrahim A. "Season of Migration to the North and Heart of Darkness: African Ministry of European Stereotypes." International Research Journal of Arts & Humanities (IRJAH), Vol. 38.
o يفحص كيفية محاكاة رواية صالح لرواية كونراد، مع التركيز على البنية المعكوسة للرحلتين والتعدد الصوتي.
3. "Representing Otherness: A Comparative Study of Joseph Conrad’s Heart of Darkness and Tayeb Salih’s Season of Migration to the North." The Achievers Journal: Journal of English Language, Literature and Culture, Vol. 4, No. 2, 2018, pp. 1-19.
o دراسة مقارنة تركز على تمثيل "الآخر" في النصين.
4. Caminero-Santangelo, Byron. African Fiction and Joseph Conrad: Reading Postcolonial Intertextuality. Albany: SUNY Press, 2005.
o يناقش التناص ما بعد الكولونيالي بين الأدب الإفريقي وكونراد، مع فصل مخصص لرواية صالح.
5. Achebe, Chinua. "An Image of Africa: Racism in Conrad s Heart of Darkness." The Massachusetts Review, 1977.
o النقد الكلاسيكي لكونراد من منظور أفريقي.
6. Said, Edward W. Culture and Imperialism. New York: Knopf, 1993.
o يناقش موقع كونراد "المحدود مأساوياً" في نقد الإمبراطورية.
المراجع الأكاديمية باللغة العربية
7. "文学文化学视阈下《迁徙北方的季节》中主人公的文化身份认同" – دراسة منشورة في مجلة Journal of Beijing International Studies University، 2018.
o تحلل أزمة الهوية الثقافية لبطل رواية صالح في سياق الصدام بين الثقافة العربية والغربية.
8. "文化杂糅下的身份危机——评萨利赫的《向北迁徙的季节》" – دراسة منشورة في قاعدة بيانات Wanfang، 2021.
o تستخدم نظرية الهوية المهجنة (Hybrid Identity) لهومي بابا لتحليل رواية صالح.
9. "东方不是东方——《北迁季节》后殖民解读" – دراسة منشورة في مجلة جامعة هونغهي, 2014.
o قراءة ما بعد كولونيالية لرواية صالح، تركز على قلب الصور النمطية بين الشرق والغرب.
10. "塔依卜·萨利赫的经典互文性书写与种族文化的认同和冲突" – دراسة منشورة في CLC Web: Comparative Literature and Culture, 2020.
o تحلل التناص في رواية صالح مع كل من عطيل لشكسبير وقصة عنترة بن شداد.
المصادر الموسوعية والمراجع العامة
11. "黑暗的心" – 百度百科 (Baidu Baike).
o معلومات عن الرواية، كاتبها، خلفيتها التاريخية، وشخصياتها.
12. "塔耶卜·萨利赫" – 百度百科 (Baidu Baike).
o معلومات عن حياة الطيب صالح وأعماله.
13. "موسم الهجرة إلى الشمال" – ويكيبيديا العربية.
o معلومات عامة عن الرواية.
14. Conrad, Joseph. Heart of Darkness. 1899/1902.
o النص الأصلي للرواية.
15. Salih, Tayeb. Season of Migration to the North. 1966.
o النص الأصلي للرواية (الترجمة الإنجليزية).
#نور_محمد_يوسف (هاشتاغ)
Nour_Mohammad_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟