محمود الكسواني
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 01:41
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
. أين المشكلة في تاريخنا
مراجعة نقدية
بقلم.. محمود الكسواني
إذا جمعنا حسن فرحان المالكي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون في سؤال واحد: «أين تكمن المشكلة في تاريخ الإسلام؟ ومتى بدأت؟» فسنجد أنهم لا يقدمون جوابًا واحدًا، لكن بينهم منطقة تقاطع مهمة جدًا.
وأهم شيء أن نفرّق بين الإسلام كنص ورسالة وبين التاريخ الذي صنعه المسلمون بعد النبي ﷺ.
1. حسن فرحان المالكي: المشكلة بدأت حين غلب التاريخُ القرآنَ
المالكي يميل إلى أن المشكلة الأساسية ليست في الإسلام نفسه، وإنما في القراءة التاريخية والتراثية التي تشكلت لاحقًا، وفي إعطاء الصراعات السياسية وشخصيات السلطة مساحة أكبر من القرآن والقيم الإسلامية.
وهو ينتقد خصوصًا الطريقة التي كُتب بها التاريخ؛ إذ يرى أن التاريخ الإسلامي ركّز بصورة مفرطة على السلطة والحروب والخلفاء، وأهمل جوانب العلم والاقتصاد والأدب وحياة الناس. وفي حوار له مع الجزيرة أشار تحديدًا إلى أن التدوين التاريخي اهتم بالجانب السياسي بغزارة أكبر من غيره. �
ومن هنا يمكن أن نقول إن المالكي يرى بداية الانحراف الكبير في لحظة الصراع السياسي المبكر، ثم تراكمت فوقه الروايات والمرويات والتقديسات المذهبية.
لكن المالكي لا يقول ببساطة: «المشكلة بدأت بمقتل عثمان». فالأمر عنده أعمق: المشكلة في الطريقة التي جرى بها التعامل مع ذلك التاريخ بعد وقوعه، وفي جعل روايات السلطة والفرقة والمذهب معيارًا لفهم الإسلام.
2. محمد عابد الجابري: نقطة التحول الكبرى هي الفتنة الكبرى
هنا الجابري أكثر تحديدًا.
بالنسبة إليه، مقتل عثمان سنة 35هـ ثم الصراع بين علي ومعاوية يمثلان نقطة تحول هائلة في التاريخ السياسي الإسلامي.
فبعد الفتنة انتقل النظام السياسي، في قراءة الجابري، من نموذج الخلافة/الشورى إلى دولة الملك والغلبة التي تداخل فيها الدين بالقبيلة والمصلحة السياسية. وهو يحلل العقل السياسي العربي من خلال ثلاثة محددات أساسية:
العقيدة + القبيلة + الغنيمة.
ويرى أن هذه المحددات أصبحت أدوات أساسية في ممارسة السياسة. �
والأهم أن الجابري يرى أن الصراع السياسي بدأ يبحث عن غطاء ديني؛ أي أن الموقف السياسي الجزئي صار يحتاج إلى سند ديني عام، ومن هنا نشأ جزء مهم من علم الكلام والجدل العقدي. �
لذلك يمكن تلخيص الجابري هكذا:
المشكلة بدأت عندما تحولت السياسة من مجال تديره قيم الرسالة إلى مجال للصراع على السلطة، ثم جرى توظيف الدين لتبرير المواقف السياسية.
ولهذا تحتل الفتنة الكبرى مكانة مركزية في مشروعه، وإن كان لا يعتبرها وحدها تفسيرًا لكل ما جاء بعدها.
3. محمد أركون: المشكلة أعمق من السياسة؛ إنها في تشكل «العقل الإسلامي»
أركون يذهب أبعد من الجابري.
هو لا يبحث فقط عن لحظة سياسية فاسدة، بل يسأل:
كيف تشكل العقل الذي أصبح المسلمون من خلاله يفكرون في الدين والتاريخ والحقيقة؟
ويرى أن الفكر الإسلامي مر بمراحل تاريخية، ولا سيما مرحلة التأسيس ثم العصر الكلاسيكي، ثم مرحلة أصبح فيها العقل أكثر تكرارًا واجترارًا للموروث بدل أن يعيد نقده باستمرار.
يعطي أركون أهمية كبيرة لتبلور علم أصول الفقه، خصوصًا مع الشافعي؛ لأن هذه المرحلة، في قراءته، ساهمت في تثبيت منظومة معرفية تحدد كيفية إنتاج الحقيقة الدينية وفهم النص. �
إذن عند أركون لا تكمن المشكلة فقط في:
«من حكم المسلمين؟»
بل في:
«كيف أصبح المسلمون يفكرون في الدين والتاريخ والنص؟»
ولهذا كان مشروعه الأساسي هو نقد العقل الإسلامي نفسه والكشف تاريخيًا عن كيفية تشكله، لا مجرد الحكم على الأشخاص والأحداث. �
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
إذن متى بدأت المشكلة عند الثلاثة؟
يمكن وضعها على خط زمني هكذا:
المفكر
نقطة المشكلة الأساسية
متى تقريبًا؟
حسن فرحان المالكي
غلبة الرواية السلطوية والمذهبية على القرآن والقيم، وطريقة كتابة التاريخ
بدأت مبكرًا مع الصراع السياسي الأول وتراكمت بعده
محمد عابد الجابري
تحول السياسة إلى صراع على السلطة وتوظيف الدين والقبيلة والغنيمة
الفتنة الكبرى: 35–40هـ، ثم ترسخت مع الدولة الأموية
محمد أركون
تشكل «العقل الإسلامي» وتحوّل بعض الاجتهادات التاريخية إلى منظومات مغلقة
بدأ التشكّل مبكرًا، وخصوصًا مع مرحلة التدوين والشافعي وما بعدها
لكن هناك نقطة مشتركة عميقة جدًا
لو أردنا اختصار الثلاثة في جملة واحدة، فسأقول:
المشكلة لم تبدأ عندما ظهر الإسلام، وإنما عندما دخل الإسلام التاريخَ السياسي والاجتماعي، ثم بدأت المصالح والصراعات البشرية تُلبس نفسها لباسًا دينيًا، وبعد ذلك تحولت القراءات التاريخية لهذه المرحلة إلى تراث يُتعامل معه أحيانًا كما لو كان هو الدين نفسه.
وهنا يلتقي الثلاثة، رغم اختلافهم الشديد.
المالكي يريد أن يعيد القرآن إلى مركز القراءة.
الجابري يريد أن يكشف آليات السلطة والقبيلة والغنيمة التي صنعت العقل السياسي.
أركون يريد أن يفكك البنية المعرفية التي جعلت بعض منتجات التاريخ تبدو وكأنها حقائق دينية فوق التاريخ.
واللافت أن الجابري نفسه يصف الفترة التي أعقبت الفتنة بأنها لحظة انتقلت فيها السياسة من نموذج سابق إلى «دولة الملك»؛ بينما أركون يبحث في مرحلة لاحقة عن كيفية تحول تلك التجارب التاريخية إلى بنية فكرية ومعرفية راسخة. �
والآن يأتي السؤال الأهم
إذا أردنا أن نبحث «أين كانت اللحظة التي انكسر فيها المسار الأول؟» فهناك أربع محطات لا بد من وضعها أمام بعضها:
السقيفة → مقتل عثمان → صفين والتحكيم → انتقال الحكم إلى ملك وراثي مع معاوية ثم يزيد.
وهنا تحديدًا يصبح الفرق بين المالكي والجابري وأركون مثيرًا جدًا؛ لأن المالكي يعطي أهمية أكبر لما حدث في الرواية والوعي الديني، والجابري لما حدث في بنية السلطة، وأركون لما حدث في بنية العقل والمعرفة.
وإذا أردنا أن نضع السقيفة، ومقتل عثمان، وصفين، والتحكيم، ثم انتقال الحكم إلى الملك الأموي أمام المالكي والجابري وأركون، فالأفضل ألا ننسب إليهم رأيًا واحدًا؛ لأن كل واحد منهم ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة.
أولًا: السقيفة — هل كانت لحظة الانحراف؟
السقيفة عند هؤلاء ليست بالضرورة «بداية انهيار الإسلام»، وهذه نقطة مهمة.
عند حسن فرحان المالكي
المالكي يميل إلى قراءة السقيفة بوصفها حدثًا سياسيًا بشريًا لا ينبغي أن يتحول إلى عقيدة دينية مقدسة.
المشكلة عنده ليست مجرد أن أبا بكر أصبح خليفة، وإنما أن الخلاف السياسي المبكر أصبح لاحقًا جزءًا من منظومات مذهبية متصارعة، وأُعيدت قراءة الأحداث بحيث أصبح الدفاع عن شخصية تاريخية دفاعًا عن المذهب نفسه.
ومن هنا يأتي اهتمامه الشديد بالتمييز بين:
القرآن ← شيء
الروايات التاريخية ← شيء آخر
التفسير المذهبي للروايات ← شيء ثالث.
وهذا جزء أساسي من مشروعه في إعادة قراءة التاريخ الإسلامي.
ثانيًا: مقتل عثمان — هنا تبدأ الأزمة الحقيقية
هنا نقترب كثيرًا من الجابري.
مقتل عثمان سنة 35هـ / 656م ليس مجرد حادثة قتل خليفة؛ بل هو لحظة انفجار للصراع السياسي داخل الجماعة الإسلامية.
فالخلاف الذي كان يمكن أن يبقى ضمن حدود السياسة أصبح:
قتالًا بين مسلمين → ثم خلافًا حول الشرعية → ثم خلافًا عقديًا → ثم مذاهب وفرقًا → ثم روايات تاريخية متعارضة.
وهذه النقطة مهمة جدًا.
الجابري لا يفسر الأزمة باعتبارها مجرد «فساد أفراد»، وإنما يبحث عن البنية التي أنتجت الصراع.
ومن أشهر مفاهيمه في تحليل العقل السياسي العربي:
العقيدة – القبيلة – الغنيمة.
أي أن السياسة لم تكن منفصلة عن الدين والقبيلة والمصلحة الاقتصادية، بل تفاعلت هذه العناصر معًا في إنتاج السلطة السياسية.
ولهذا فإن الفتنة الكبرى عند الجابري هي نقطة انعطاف تاريخية كبرى، وليست مجرد حادثة عابرة.
ثالثًا: علي ومعاوية وصفين
هنا تصبح المسألة أكثر حساسية.
بعد مقتل عثمان، بويع علي بالخلافة، لكن معاوية رفض البيعة قبل الاقتصاص من قتلة عثمان.
ثم وقعت صفين سنة 37هـ.
وهنا ظهر سؤال أخطر من سؤال «من قتل عثمان؟»:
من يملك الشرعية السياسية؟
علي يقول عمليًا: البيعة للخليفة القائم أولًا.
ومعاوية يرفع قضية عثمان والقصاص.
ثم جاءت قضية التحكيم.
وهنا حدث شيء بالغ الأهمية في تاريخ الفكر الإسلامي:
النزاع السياسي بدأ ينتج أسئلة دينية وعقدية.
من هو المؤمن؟
من هو الكافر؟
هل مرتكب الكبيرة مؤمن؟
هل يجوز الخروج على الإمام؟
ما شرعية الإمام؟
هل الحكم لله وحده؟
ومن هنا ارتبطت السياسة بعلم الكلام.
وهذا هو المجال الذي يصبح فيه تحليل الجابري بالغ الأهمية: السياسة لم تعد مجرد سياسة؛ بدأت تنتج خطابًا دينيًا يبررها ويدافع عنها.
رابعًا: معاوية وانتقال الخلافة إلى الملك
وهنا، في رأيي، أهم نقطة في مقارنة الثلاثة.
الجابري يرى أن التحول الأكبر لم يكن مجرد وصول معاوية إلى السلطة، وإنما الانتقال من نموذج الخلافة إلى نموذج الملك.
أي أن السلطة بدأت تتحول من مفهوم يقوم ـ نظريًا ـ على البيعة والشورى إلى سلطة أكثر ارتباطًا بالغلبة والعصبية والوراثة.
ثم جاء تثبيت ولاية العهد ليزيد، فأصبح انتقال السلطة الوراثي أكثر وضوحًا.
وهنا يمكن أن نرسم خطًا:
النبي ﷺ
↓
الخلفاء الأوائل
↓
الفتنة الكبرى
↓
علي ومعاوية
↓
صفين والتحكيم
↓
انتصار الدولة الأموية
↓
الملك الوراثي
والجابري يرى أن هذه النقلة غيرت العقل السياسي العربي الإسلامي بصورة عميقة.
لكن أركون سيقول: المشكلة ليست هنا فقط
وهذه هي النقطة التي تجعل أركون مختلفًا جدًا.
لو قلت لأركون:
«إذن المشكلة بدأت مع معاوية وتحولت الخلافة إلى ملك؟»
فهذا بالنسبة إليه تفسير سياسي أكثر من اللازم.
أركون يريد أن يسأل سؤالًا آخر:
ماذا حدث بعد ذلك لكي تتحول التجربة التاريخية إلى تراث مقدس لا يمكن نقده؟
أي أنه لا يكتفي بدراسة:
مَن حكم؟
بل يريد دراسة:
كيف فكر الناس في الحكم والدين والنص والحقيقة؟
ولهذا يركز أركون على مفهوم «العقل الإسلامي» وكيف تشكل تاريخيًا، وعلى ضرورة إخضاع التراث للدراسة التاريخية والنقدية. �
وهو يرى أن من أهم اللحظات في تشكل العقل الإسلامي الكلاسيكي تبلور المنظومة الأصولية والنصية، ويولي أهمية خاصة لكتاب الشافعي «الرسالة» باعتباره لحظة مفصلية في تنظيم العلاقة بين النص واللغة والفقه والاستدلال. �
وهنا يصبح الفرق بينهم واضحًا جدًا
يمكن تلخيص المسار هكذا:
المالكي يسأل:
ماذا حدث للتاريخ الذي وصلنا؟
ويشكك في الروايات والتقديسات المذهبية، ويريد إعادة وضع القرآن والقيم القرآنية في مركز الحكم على التاريخ.
الجابري يسأل:
ماذا حدث للسياسة؟
فيبحث عن انتقال السلطة من الشورى إلى الملك، وعن دور العقيدة والقبيلة والغنيمة في تشكيل العقل السياسي.
أركون يسأل:
ماذا حدث للعقل نفسه؟
كيف تحولت اجتهادات تاريخية إلى منظومات معرفية مغلقة، وكيف أصبح بعض ما أنتجه التاريخ يُعامل كأنه فوق التاريخ؟
لكن هناك شيء أعمق يجمعهم
لو أردنا أن نكتب تاريخ الأزمة في سطر واحد، يمكن أن يكون:
الصراع على السلطة أنتج روايات → الروايات أنتجت شرعيات → الشرعيات أنتجت مذاهب → المذاهب أعادت تفسير التاريخ → ثم أصبح التاريخ نفسه جزءًا من العقيدة.
وهذه ربما أهم حلقة في الموضوع كله.
فمثلًا:
حدث سياسي ← مقتل عثمان
ثم:
سؤال سياسي ← من الخليفة الشرعي؟
ثم:
صراع عسكري ← صفين
ثم:
سؤال عقدي ← الحكم لله / الإيمان والكفر / الإمامة
ثم:
مذهب ← خوارج، شيعة، مرجئة، أهل السنة...
ثم:
روايات تاريخية ← كل جماعة تعيد تفسير الماضي بما يخدم رؤيتها.
ثم بعد قرون:
يأتي المسلم ويقرأ الرواية المذهبية وكأنها التاريخ الموضوعي نفسه.
وهنا بالضبط تظهر أهمية المالكي والجابري وأركون، رغم اختلاف مناهجهم.
لكنني أضيف نقطة مهمة جدًا
لا أعتقد أن من الدقة القول إن «الإسلام انحرف في صفين» أو إن «الإسلام انتهى سياسيًا مع معاوية».
هذه أحكام أكبر من الأدلة التاريخية.
الأدق هو القول:
صفين والفتنة الكبرى كانتا نقطة تحول في التاريخ السياسي الإسلامي، ثم أدى تحول السلطة إلى الملك إلى إعادة تشكيل الحياة السياسية، وبعد ذلك ساهم التدوين الفقهي والكلامي والتاريخي في تثبيت قراءات مختلفة لذلك الماضي.
وهذا أكثر دقة تاريخيًا من البحث عن «لحظة واحدة سقط فيها الإسلام».
وأظن أن السؤال الأكثر إثارة الآن هو:
ماذا حدث تحديدًا بين 11هـ و41هـ؟
أي من وفاة النبي ﷺ إلى قيام الدولة الأموية.
لأن هذه الثلاثين سنة هي التي شهدت:
السقيفة → حروب الردة → توسع الدولة → مقتل عمر → الشورى → مقتل عثمان → خلافة علي → الجمل → صفين → التحكيم → الخوارج → مقتل علي → الحسن → معاوية.
ادن يبقى السؤال : كيف ندرس ما حدث دون مرجعيات مذهبية؟
إذا درسنا هذه السنوات دون الرواية السنية المسبقة ودون الرواية الشيعية المسبقة، ووضعنا القرآن أولًا ثم أقدم المصادر التاريخية المتاحة ومناهج نقد الرواية، سنصل إلى صورة مختلفة تمامًا عن الصورة المذهبية التقليدية.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟