أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الحَادِي وَالسَّبْعُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-















المزيد.....



الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الحَادِي وَالسَّبْعُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 17:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ سحر العدم المطلق: أطروحة في جدلية السلطة، الهيمنة، و الإنتحار الوجودي

يتأسس الكيان الإنساني في أعماق جوهره على توتر أزلي بين رغبتين متطرفتين تتصارعان في خفاء البنية النفسية و الميتافيزيقية، وهما رغبة الجموح المطلق نحو السيطرة و الهيمنة وتأكيد الذات كمطلق مهيمن، والرغبة الدفينة الموازية في التلاشي الشامل والذوبان في العدم البكر عبر ما يمكن وصفه بالإنتحار الوجودي الشامل، و حين نمعن النظر في هذا التشابك المعقد نكتشف أن دوافع القوة ليست سوى قناع معقد ترتديه الرغبة الفطرية في العدم، فكل محاولة لهيمنة الأنا على العالم والآخرين لا تنبع من فائض حياة حقيقي، بل هي محاولة يائسة وملتوية لتوسيع حدود الذات لكي يكون إنهيارها اللاحق أكثر شمولاً ودوياً، فالطغيان و السلطة المطلقة هما الوجه الآخر للعدمية الفاعلة، حيث يسعى الإنسان المهيمن إلى إعادة تشكيل الوجود على صورته لكي يتمكن في نهاية المطاف من تدميره من الجذور، وبذلك يتقاطع السحر بوصفه آلية للتحكم الخفي وتجاوز القوانين الطبيعية مع الرغبة في العدم، فالساحر أو طالب السلطة المطلقة لا يريد التعايش مع العالم بل يريد إخضاعه لكي يمارس عليه سيادة مطلقة تفضي حتماً إلى إستنفاد معناه، وهنا يتحول السحر من مجرد أداة للسيطرة البراغماتية إلى طقس وجودي يهدف إلى تفكيك أواصر الواقع ذاته، إذ إن السيطرة التامة تعني بالضرورة غياب المقاومة، وغياب المقاومة يعني موت المعنى، و موت المعنى ليس سوى العتبة المؤدية مباشرة إلى العدم المطلق، وعندما تبلغ الهيمنة ذروتها تصبح الذات محاصرة بفراغها الداخلي العارم، فلا تعود ترى في إنجازاتها وسلطتها سوى عبث مطبق يحثها خفية على التخلص من ثقل الوجود برمته، وهذا هو المعنى العميق للإنتحار الوجودي الشامل الذي لا يقتصر على إنهاء الحياة البيولوجية للفرد، بل يتعداه إلى رغبة محمومة في محو الوجود بأسره وتفريغه من أي دلالة، كأن الكائن يمارس أقصى درجات القوة لكي يتمكن من تدمير الوجود كوسيلة وحيدة للتحرر من عبىء الوعي بالذات، وتلتقي هنا إرادة القوة النيتشوية مع العدمية البوذية أو الغنوصية في نقطة حرجة واحدة، هي تلك اللحظة التي يكتشف فيها المدافع عن الهيمنة أن كل جبروته وسلطته ما هي إلا صرخة في فضائي العدم الفسيح، فيتحول السعي نحو السيطرة إلى رغبة عارمة في الإنتهاء، ويصبح الهدم الخارجي إنعكاساً دقيقاً للرغبة الدفينة في الإندثار الداخلي والعودة إلى حالة السكون الأبدي التي سبقت بزوغ الوعي، وبهذا يغدو السحر والعدم وجهين لعملة واحدة تمثل رحلة الإنسان الأزلية بين وهم الإمتلاك المطلق وحقيقة الفناء الشامل، حيث تخدم الهيمنة كجسر عبور نفسي يمر عبره الكائن لكي يحقق رغبته الخفية في الإرتماء بأحضان العدم بعد أن يستنفد كل سبل السيطرة الممكنة، لتنغلق الدائرة الوجودية على نفسها في تناغم مأساوي صامت يفسر سر هذا الإرتباط العجيب بين تعاظم رغبة القوة وتأجج الميل الخفي نحو التلاشي العدمي المطلق.

_ عدالة الفناء: القصاص الوجودي في قاع النسيان والمحو الأبدي

تتخلق العدالة الكامنة في تلك النهاية المفجعة التي تلقى بكل ساحر طامح في قاع النسيان الأبدي من صميم المفارقة الوجودية التي تعاقب الوهم بذات أدواته، حيث لا تمثل هذه النهاية إنتقاماً خارجياً أو قصاصاً إلهياً بالمعنى التقليدي، بل هي إستكمال حتمي للمسار العبثي الذي إختاره الساحر بنفسه حين قرر التمرد على الناموس الطبيعي وإستبدال التوازن الخلاق بالسيطرة المصطنعة، فالعدم هنا ليس مجرد عقوبة تزج بالمعتدي في غياهب النسيان، بل هو المآل الطبيعي والمنطق الأخير لكل طموح يسعى إلى إلغاء الآخرين وإخضاع الوجود، فمن يحاول إبتلاع العالم عبر السحر والهيمنة يجد نفسه عاجلاً أو آجلاً مبتلعاً من قبل الفراغ الذي خلفه وراءه، وحين يسقط الساحر في قاع النسيان فإن ذلك يترجم عدالة كونية عميقة تعيد الإعتبار للمعنى البسيط والأصيل للحياة بعيداً عن صخب الغطرسة و سطوة المعجزات المزيفة، لأن الساحر الطامح قد إستنفد رصيده الوجودي في محاولات مستمتة لتزوير الواقع و تطويعه، مما يترك روحه قاحلة وخاوية تماماً من أي محتوى حقيقي سوى صدى أوهامه الخاصة، وهنا تصبح الإبادة و التلاشي في قاع النسيان هي التطهير الأخير للوجود من وطأة الإستبداد الميتافيزيقي الذي مارسه، فالنسيان الأبدي لا يشكل ظلماً بحق هذا الطامح، بل هو العدالة المطلقة التي تليق بمن حاول تدمير تنوع العالم لصالح توحيد سلطته المطلقة، إذ يقتضي التوازن الكوني أن يمحى اثر من أراد محو معالم الوجود المستقلة عن إرادته، وتتجلى هذه العدالة أيضاً في كون النسيان هو الرد الوحيد الممكن على محاولة الساحر الخلود بطرق غير مشروع، فحين أراد أن يحفر إسمه بالقوة فوق صفحة الأبدية عبر الرعب والهيمنة، عاقبه القدر بأن ألقاه في أعماق المحو حيث لا إسم ولا صدى ولا ذكر، ليتحول جبروته القديم إلى هباء منثور يذروه ريح العدم الذي إستدعاها طوال حياته دون أن يدري، و بذلك تتكشف العدالة الكامنة كقانون توازن خفي يحمي الوجود من التورم المطلق، ويضمن أن كل محاولة للخروج عن حدود الكائن البشري المتواضع ستنتهي حتماً إلى الإرتطام بصخرة العدم الصامت، حيث تتساوي كل العظمة المصطنعة مع التراب، و ينتهي الطموح السحري الهائل إلى مجرد حكاية منسيّة لا تترك وراءها سوى فراغ مهيب يشهد على حماقة القوة حين تنفصل عن الحكمة، وتلك هي العدالة الحق التي تعيد للكون هدوءه ولمعنى براءته بعد أن كاد سحر الطغيان أن يمزق نسيجه الأبدي.

_ دنس الوسيلة ووهم الخلود: سقوط الساحر في فخ الجحيم العدمي

ينفتح هذا التساؤل المأساوي على أزليّة الصراع البشري بين طهارة الوسيلة وعنفوان الغاية، ليضع العقل الإنساني في مواجهة مباشرة مع إغواءات السحر والعدم حين تتخذ الوسائل المظلمة سبيلاً لانتزاع المعنى والخلود من براثن العدم الفاني، ولا يمكن لأي تحليل فلسفي نزيه أن يمنح تبريراً أخلاقياً خالصاً لمثل هذه المسالك المظلمة، لأن جوهر السحر في تعريفه الأنطولوجي يقوم على إنتهاك النظام الكوني الأصيل وإستعباد الإرادات الأخرى عبر الخداع و القوة، وحين يلجأ الساحر أو الباحث عن الخلود إلى هذه العتبات المظلمة، فإنه لا يصنع معنى حقيقياً بل يؤسس لوهم هش ينهار عند أول إختبار حقيقي، إن السعي نحو الخلود عبر الوسائل المظلمة يشبه محاولة بناء صرح فخم على رمال متحركة، حيث تتحول الغاية النبيلة المتمثلة في طلب المعنى إلى نقيضها التام بفعل دنس الوسيلة، فالغاية التي تبحث عن الخلود عبر أدوات الفناء والعدم تحمل في طياتها بذور فنائها الذاتي، لأن السحر كآلية للسيطرة المطلقة يستنفد طاقة الكائن ويفسد نقاء روحه، جاعلاً إياه أسيراً لما يحاول تدميره، ومن هنا تصبح محاولة تبرير إستخدام الظلام للوصول إلى النور مغالطة ميتافيزيقية كبرى، إذ إن الظلام لا ينتج إلا ظلاماً، والوسائل المظلمة لا تقود سالكها إلا إلى قاع النسيان والعدم الشامل الذي تحدثنا عنه سابقاً، و حين يتوهم الإنسان أن غاية السعي وراء المعنى تبرر له إستخدام الطقوس المعتمة والإخضاع والإستبداد، فانه يقع في فخ الخداع الأكبر، حيث يتخلى عن جوهره الإنساني الحر ليصبح أداة طيعة بيد القوى العدمية التي يعتقد خطأً أنه يسيطر عليها، وبدلاً من أن يحقق الخلود المرجو، فإنه يحفر لنفسه قبراً أبدياً في ذاكرة الكون، فالخلود الحقيقي لا ينال بالتسلط ولا بالاستعانة بالظلمات الخفية، بل يتأتى من خلال الإنخراط الواعي والمتواضع في نسيج الوجود، وتقبل هشاشة الكائن البشري دون محاولة لتزوير الطبيعة أو إغتصاب الناموس الكوني، وتبرير الوسائل المظلمة هو في حد ذاته إعلان لهزيمة الروح وإستسلامها المبكر لإغواء العدم، إذ يظن صاحبها أنه يخترق أبواب الأبدية، بينما هو في الواقع يفتح أبواب الجحيم على مصراعيها لتبتلع رغبته في المعنى وتتركها رماداً تذروه رياح العدم الأبدي، وتلك هي المفارقة الكبرى التي تجعل من السحر طريقاً مسدوداً، ومن الرغبة في الخلود عبر الظلام رحلة انتحار وجودي مستترة ترتدي ثياب القوة والتعالي بينما لا تحمل في جوهرها سوى العدم المحض والفناء المبرم.

_ زلزلة الأخلاق: إستعلاء الممارس وسقوط الآخر في وهدة العدمية المطلقة

يؤدي التمرد الجذري على النظام الكوني عبر ممارسة السحر والعدم إلى زلزال كياني هائل يطاح فيه بالبنية الأخلاقية التقليدية برمتها، لتبزغ عوضاً عنها منظومة مشوهة تعيد تشكيل نظرة الممارس إلى ذاته وإلى الآخرين من منظور إستعلائي مدمر، فعندما يقرر الساحر كسر الناموس الطبيعي والتمرد على الثوابت التي تحكم الوجود، فإنه ينفصل أولاً عن ذاته الحقيقية ليتقمص شخصية المشرع المطلق، متوهماً أنه بات متعالياً على الضعف البشري والحدود الأخلاقية التي تقيد سواه، وهنا تنعكس هذه الثورة الميتافيزيقية على ذات الممارس بتحويلها إلى كيان متضخم ومنعزل، يعاني من حالة وهم مرضية تجعله يرى في نفسه مركزاً للكون و مرجعية نهائية للحق والباطل، مما يفقده شيئاً فشيئاً تعاطفه الإنساني الأصيل ويجعله حبيساً لفراغه الداخلي، أما على مستوى النظرة إلى الآخرين، فإن هذا التمرد الكوني يسقط كل إعتبار للآخر ككائن مستقل له كرامته وحريته، ليتحول البشر في عين الممارس إلى مجرد أدوات صامتة أو أحجار شطرنج مسخرة لخدمة مشروعه الإستبدادي، فالآخر لم يعد شريكاً في الوجود أو نداً يستحق الإحترام، بل أصبح عقبة يجب تجاوزها أو مادة خام يجب ترويضها وإخضاعها لمنطق القوة والسحر، وتتأسس الأخلاق هنا على أنقاض الإنسانية لتصبح أخلاق القوة المطلقة حيث المبرر الوحيد للفعل هو قدرته على تحقيق الهيمنة وتوسيع نطاق السيطرة، وكلما توغل الممارس في دروب السحر والعدم، كلما تآكلت عنده الحدود الفاصلة بين الخير والشر، ليحل محلها معيار واحد يتمثل فيما يخدم إرادة التمرد وما يعزز وهم الخلود الفردي، وبذلك يؤدي هذا الانفصال الأخلاقي إلى عزلة مطلقة تجعل الممارس غريباً حتى عن نفسه، محكوماً بلعنة الإستبداد التي تجعل كل علاقاته الإنسانية قائمة على الخداع والإستغلال، وتفضي في نهاية المطاف إلى تدمير المعنى الأخلاقي للوجود من أساسه، إذ لا يمكن لأي مجتمع أو رابطة بشرية أن تقوم على أنقاض نفي الآخر وإلغاء حريته، ومن هنا يتكشف التمرد الكوني على أبعاده الأخلاقية كرحلة إنحدار تدريجي نحو العدمية الأخلاقية المطلقة، حيث يفقد الإنسان إنسانِيَّته قبل أن يفقد حياته، ويتحول الساحر الطامح إلى مسخ وجودي يعيش على حافة الهاوية، يمارس طقوسه العبثية في عالم إفتراضي يخلقه لنفسه، بينما تتسرب الحياة الحقيقية من بين أصابعه تاركة إياه وحيداً في قاع النسيان الأخلاقي والوجودي الذي صنعه بيده، لتثبت هذه التجربة المأساوية أن أي محاولة لفرض النظام البشري المستبد بالقوة السحرية على الكون لا تخلخل الناموس الكوني فحسب، بل تهدم البنیة الأخلاقية للذات والآخرين معاً، ممهدة الطريق أمام الإنهيار الشامل والفناء العدمي الذي لا يبقي ولا يذر.

_ عرش العدم وبراءة التلاشي: بوثيقا الحرية فوق أنقاض الأثر

إن أشد لحظات الوعي الإنساني قسوة هي تلك التي يدرك فيها الكائن أن صرحه المزعوم لم يكن سوى وهم شُيّد على رمال متحركة وأن نزواته العابثة لم تؤد فقط إلى تبديد طاقاته بل أسفرت عن محو كامل لأثره في الوجود وكأن حضوره بأكمله لم يكن سوى طيف عابر في سديم العدم السحيق وهنا يبرز السؤال الفلسفي المعذب عن ذلك العزاء الأخلاقي المتبقي لكائن تتلاشى عوائده و تذرو رياح الواقع ركام طموحاته على أهداب الفناء إن هذا التساؤل يستدعي بالضرورة تفكيكا جذريا لطبيعة الوجود الإنساني المأزوم بين مطرقة السحر وسندان العدم حيث يتحول السحر هنا إلى تلك القوة الوهمية الكامنة في الرغبة الباحثة عن المطلق بينما يمثل العدم الهاوية التي تتربص بكل أثر ليطمسه و تتأتى الإجابة الفلسفية العميقة من قلب هذا التوتر لتكشف عن أن العزاء الحقيقي لا يكمن في خلود المادة ولا في بقاء الأسماء على جدران التاريخ بل في شجاعة الاعتراف بالعدم وفي القدرة الاستثنائية على تحويل الهزيمة الوجودية إلى مساحة للحرية المطلقة فالكائن الذي يُمحى أثره بفعل أوهامه يكتشف فجأة أنه قد تحرر من عبء التخليد ومن ثقل المعايير الاجتماعية التي تحاصره وتطالبه بأن يكون امتدادا لكتلة صماء من التوقعات التقليدية إن محو الأثر بفعل الوهم يغدو في هذا السياق طقسا تطهيريا خفيا يعيد الكائن إلى براءته الأولى حيث لا شيء يملكه ولا شيء يملكه الوجود فيتعالى على رغبة الاستحواذ ويتحرر من وهم الأبدية المصطنعة ويكمن العزاء الأخلاقي الأسمى هنا في بزوغ وعي راديكالي يفيد بأن القيمة الحقيقية للوجود لا تستمد من ديمومته البحتة ولا من كمية الآثار التي يخلفها وراءه بل تستمد من تلك الكثافة الشعورية اللحظية التي يعيشها الكائن في مواجهة العدم وجها لوجه إن السحر الذي أغوى الكائن في بدايته لم يكن سوى محاولة يائسة للهروب من هشاشة الموت فلما تبدد هذا السحر وتهاوت أوهامه لم يبق سوى الصلابة الصامتة للوعي الذي يقبل بعبثية الكون دون أن ينكسر ودون أن يستجدب الرحمة من تاريخ لن يذكره فالإنسان العار من كل أثر هو الإنسان الأكثر حرية و الأكثر قدرة على تذوق الوجود بصورته الخام بعيدا عن أوهام الخلود المادي وبعيدا عن رهن الهوية لتقديرات الآخرين وحين يتصالح الكائن مع هذه العزلة الكونية الكبرى وينظر إلى العدم لا باعتباره عدوا غاشما بل باعتباره الأفق الواسع الذي احتضن زلاته وأحلامه الوهمية يتحول العزاء الأخلاقي من مجرد تعزية نفسية عابرة إلى موقف بطولي يتمثل في القدرة على الابتسام في وجه الفناء وفي الإقرار بأن الجمال الكامن في التجربة الإنسانية يكمن في زوالها لا في بقائها وبأن الحياة التي تُعاش بشغف حتى آخر قطرة من الوهم هي وحدها التي تبرر وجودها بمعزل عن المآلات و النتائج والآثار المادية التي ترصدها الذاكرة الجمعية وبذلك يرتقي الكائن فوق أنقاض أثره الممحو ليصبح هو نفسه المعنى وهو نفسه الغاية وهو نفسه السيد المطلق على عرش عدومه المتألق

_ الرشد الأنطولوجي: شجاعة الوجود في مواجهة صمت الكون وعري الحرية

إن التأمل العميق في بنية الوجود الإنساني يفتح أبواباً واسعة أمام تساؤلات كبرى تتعلق بمدى قدرة الإنسان على احتمل وزر حريته ومواجهة قلقه الوجودي دون اللجوء إلى مسكنات اليقين المطلق أو الأوهام الميتافيزيقية التي تقدم إجابات جاهزة عن أسرار الكون والحياة إن العصر الحديث بكل تعقيداته وتجلياته التقنية والفكرية قد وضع الإنسان وجهاً لوجه أمام عري وجودي غير مسبوق حيث تهاوت المنظومات الكبرى التي طالما وفرت له الدفىء والحماية المعنوية، مما جعله يدرك بحدة غير عادية هشة كينونته و عابرية أيامه في هذا الكون الشاسع والصامت وهنا بالذات يبرز السؤال الجوهري حول المعنى وكيفية بنائه في عالم يبدو ظاهرياً خالياً من أي غائية مسبقة أو تصميم إلهي واضح يوجه خطى البشر نحو غاية محددة إن هذا الفراغ الوجودي أو ما يمكن إصطلاحه بصمت الكون يفرض على الإنسان شجاعة نادرة تتمثل في رفض الإستسلام للعدم و رفض في الوقت ذاته الهروب نحو الأساطير المريحة التي تلغي إرادته الحرة وتفرغ إختياراته من قيمتها الأخلاقية الأصيلة لأن البطولة الحقيقية لا تكمن في إمتلاك القدرة على تغيير قوانين الطبيعة أو السيطرة على مجريات القدر بل تكمن في القدرة الفائقة على الإستمرار في المقاومة وصنع الجمال والحق والخير في عالم يغص بالعبث والفوضى إن الفيلسوف الوجودي يرى أن الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً، وهي عبارة تحمل في طياتها أثقل أنواع المسؤولية لأن الإنسان عندما يدرك أنه المسؤول الوحيد عن أفعاله وعن الصورة التي يختار بها أن يقدم نفسه للبشرية فإنه يفقد كل مبرر لتعليق اخطائه أو إخفاقاته على شماعة الظروف أو القوى الخفية او الآلهة الغاضبة وهذا التحول الجذري من مرحلة الطفولة الروحية حيث كان الإنسان ينتظر التوجيه الخارجي إلى مرحلة الرشد الأنطولوجي حيث يتحمل كامل عبء وجوده هو التعبير الأسمى عن الكرامة البشرية التي لا تقدر بثمن إن القيم الأخلاقية الحقة لا تنزل من السماء جاهزة ومغلفة بل تُنتزع انتزاعاً من قلب المعاناة والخبرة الإنسانية المعيشة عبر الإحتكاك اليومي بالواقع ومواجهة التحديات والصعاب بلا توقف ومن هنا فإن كل محاولة لإبتلاع عوالم سحرية بديلة أو الإلتجاء إلى أوهام السيطرة المطلقة لا تعدو كونها نكوصاً نفسياً وفكرياً نحو درجات أدنى من الوعي ترفض النضج وتقاوم قبول الحقيقة البسيطة و القاسية في آن واحد وهي أن الإنسان كائن محدود، زائل، و محكوم بالفناء ولكن هذه المحدودية بالذات هي الشرط الأساسي الذي يمنح أفعاله قيمتها الفريدة؛ فلو كنا خالدين كآلهة الإغريق لما كان لأي إختيار معنى، ولما إكتست التضحية أو الشجاعة أو الحب أي طابع استثنائي لأن ما لا يمكن أن يُفقد لا يمكن أن يُثمن وعليه فإن الوعي بالعدم و بحتمية النهاية لا يقود بالضرورة إلى العدمية السوداء أو اليأس المطلق بل يمكن أن يتحول إلى قوة محركة تدفع الإنسان لإستثمار كل لحظة في إبداع المعنى وترسيخ أواصر التضامن البشري في مواجهة قسوة الوجود إن الإنسان الذي يقبل بحدوده ولا يسعى لتجاوزها بطرق غير مشروعة أو وهمية هو الإنسان القادر حقاً على بناء مجتمع إنساني عادل يقوم على التفاهم والتعاطف المتبادل لا على القوة الغاشمة أو السيطرة الوهمية وبهذا المعنى يصبح القصور البشري هو عين النعمة الوجودية التي تتيح لنا أن نكون بشراً حقيقيين، نخطئ ونتعلم، نتألم ونتعافى، نبكي ونبتسم، ونترك خلفنا أثراً طيباً يظل حيًا في ذاكرة من نُحبهم حتى بعد أن تغيب أجسادنا في غيابات العدم الأبدي، وذلك هو المجد الحقيقي الذي لا يحتاج إلى سحر لكي يثبت وجوده بل يستمد جلاله من صلابة الإرادة البشرية وحرارتها المتوقدة في مواجهة برد الكون وصمته الرهيب.

_ تصدع الزمن: العدم الطقسي كأداة لتعطيل الصيرورة ووأد التاريخ

حين يقتحمه تيار العدم الطقسي ويعطل صيرورته الطبيعية، يتعرض الزمن الإنساني لتصدع أنطولوجي عميق يقلب معالمه ويهدم أركانه الثابتة التي بنيت عليها تجربة الوجود عبر التاريخ إن الزمن في جوهره ليس مجرد متتالية رياضية صماء أو وعاء فارغ تحتويه الأحداث بل هو نسيج حي يتشكل من تفاعل الوعي مع الذاكرة وتطلع المستقبل وحين ينبثق السحر كقوة تخريبية مهيمنة فإنه لا يكتفي بالتلاعب بالظواهر بل يتغلغل في البنية التحتية للزمن ليفرغه من معناه التنموي والتقدمي ويحوله إلى دائرة مغلقة تدور حول فراغها المطلق وهنا تبرز طبيعة العدم الطقسي بوصفه أداة هدامة تعطل السيرورة الطبيعية وتستبدل بالتدفق الخلاق سكوناً ممرضاً وحركة دائرية عقيمة تعيد إنتاج الموت الرمزي في كل لحظة عابرة. في هذا السياق المتأزم يفقد الماضي قدرته على أن يكون مرجعية حية تستلهم منها الدروس و تؤسس عليها الهوية حيث يتم إستحضاره لا بوصفه إرثاً قابلاً للفهم والقراءة بل كشبح طقسي مبهم يمارس سطوته على الحاضر ليشل طاقته الإبداعية ويقيده في أغلال التكرار الأبدي وفي المقابل يتعرض المستقبل لعملية بتر ممنهجة إذ ينطفئ الأفق المفتوح على الإحتمالات ويتحول الغد إلى صدى رتيب لما لم يحدث قط مما يجعل الزمن الإنساني رازحاً تحت ثقل كابوس مقيم لا يتقدم ولا يتراجع بل يراوح مكانه في لجج من اللاتحديد العدمي الذي يبتلع كل إمكانية للتجدد أو الإنعتاق وكأن الوعي قد سجن في غرفة مفرغة من الهواء تتكرر فيها الأنفاس ذاتها إلى ما لا نهاية دون جدوى أو غاية. إن العلاقة الجدلية بين السحر والعدم تتجلى بوضوح في قدرة الأول على إستدعاء الثاني من كمونه المفارق ليحوله إلى ممارسة طقسية يومية تعيد صياغة الوجود الإنساني وفق شروط التلاشي والإنكار فالطقس السحري في أبعاده العميقة هو محاولة مستميتة للسيطرة على الصيرورة عن طريق تجميدها في لحظة واحدة أبدية والتحكم بمفاصلها عبر صيغ تعسفية تلغي الحرية وتغتال العفوية غير أن هذا التجميد المزعوم لا ينتهي إلى الخلود المرتجى بل ينقلب إلى نقيضه تماماً متمثلاً في تداعي البنية الزمنية وتفكك ترابطاتها الدقيقة لتتحول الدقائق والساعات إلى شظايا متناثرة تفقد معناها الكلي وتغدو أحداثاً منفصلة يجمعها فقط خيط رفيع من العبث واللايقين. هذا التشوه البنيوي يمتد ليلقي بظلاله الكثيفة على علاقة الإنسان بذاته وبمحيطه حيث ينفصل الفرد عن تدفق الحياة العضوي ويجد نفسه عالقاً في منطقة برزخية بين الوجود والعدم فلا هو كائن حي ينمو ويتفاعل مع محيطه ولا هو فناء مطلق يريح الذاكرة من عناء الوعي بل هو كائن مستلب تعطلت أدواته الإدراكية وتحولت طاقاته الخلاقة إلى تروس صماء تعمل في مفرغة طقسية لا تنتج سوى المزيد من الإغتراب فالعدم هنا ليس مجرد غياب أو عدمية نظرية بل هو حضور ضاغط وفاعل يتجسد في طقوس يومية تفرغ الأفعال من محتوياتها الوجودية وتترك الإنسان وحيداً في مواجهة هول الفراغ المطلق الذي يحيط به من كل جانب. وعليه فإن إستعادة الزمن الإنساني لعافيته وصيرورته الطبيعية تتطلب بالضرورة تفكيك هذه البنى السحرية الطقسية وتحرير الوعي من هيمنة العدم عبر إعادة الإعتبار للزمن الحي المتدفق الذي يقبل الفناء والتحول بشجاعة دون محاولة إخضاعه لتعاويذ التجميد أو آليات الإنكار فالزمن الأصيل هو ذلك الذي يعانق التغير ويصنع معناه من قلب التناهي البشري لا من خلال الهروب إلى وهم الأبدية المصطنعة التي ينتجها السحر وتغذيها طقوس العدم الكئيبة وبهذا فقط يمكن للإنسان أن يستعيد مقدرته على الفعل والتاريخ وأن يعيد بناء جسر التواصل المفقود بين ماضيه و مستقبله في أفق من الحرية والمعنى المتجدد بإستمرار.

_ أرشيف الهاوية: التاريخ الخفي للعدم بين سطوة السحر و صيرورة الوجود

إن إشكالية تاريخية العدم تشكل واحدة من أكثر العقد الفلسفية إستعصاء وعمقاً حين نتأمل طبيعة الوجود في علاقته بالزمن والصيرورة هل العدم حالة سكونية مطلقة تقف خارج أسوار التاريخ بوصفه النقيض الأصلي والسرمدي لكل حركة وتطور أم أنه يمتلك تاريخا خفيا يتسلل عبر ثنايا الوعي الإنساني والممارسات الطقسية ليصوغ مساراته الخاصة الموازية للتاريخ الرسمي للوجود إن الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي منا تجاوز النظرة المدرسية البسيطة التي ترى في العدم مجرد فراغ رياض أو سلبا منطقيا مجردا لنغوص في الأبعاد الأنطولوجية الكبرى حيث يظهر العدم كقوة فاعلة تتخذ من التخريب والتأسيس السلبي مساراً لها وتتشكل عبر تجليات متباينة تعكس تحولات الفكر البشري و قلقه الوجودي الأبدي. حين نتأمل العدم في صورته الأصلية كحضور مفارق نجد أنه يبدو للوهلة الأولى خارج نطاق التاريخ تماما بإعتباره النقيض المطلق لكل صيرورة ولكل تدفق زمني فالتاريخ في جوهره هو فعل إيجابي يتمثل في تراكم الخبرات وبناء المعنى وتوليد الكيانات الجديدة من رحم التفاعل المستمر بين الإنسان و العالم بينما العدم يمثل خط الهاوية الذي يهدد هذا البناء بالإنهيار الدائم من هذا المنظور يبدو العدم ثابتا لا يتغير ولا يخضع لمنطق التحقيب أو التطور فهو الهيولى الأولى أو الفراغ المطلق الذي سبق الخلق والذي سيبقى متربصا بنهايات الأشياء دون أن يكتسب عبر العصور ملامح خاصة به سوى كونه الحد الأقصى لكل فناء محتمل والظل الثقيل الذي يحدث في أفق كل كائن متناه. غير أن هذا التصور السكوني يتهاوى حين نقترب من تجليات العدم المتشابكة مع الممارسات السحرية والطقوس الكونية التي أبدعها الإنسان عبر تاريخه الطويل لمحاولة السيطرة على مصيره هنا يتحول العدم من مجرد مفهوم نظري مفارق إلى واقع معيش و فاعل يمتلك تاريخه الخاص الذي يتشكل عبر أنماط إستحضاره وتوظيفه فالعدم تاريخيا ليس كائنا قائما بذاته بالمعنى البيولوجي أو المادي بل هو تاريخ لتجليات الإنحلال والتقويض تاريخ للكيفية التي إستطاع بها السحر أن يحول العدم من طاقة هادمة إلى أداة لإنتاج الوجود المعاكس أو الوجود المزيف المفرغ من جوهره وكلما تغيرت العصور وتطور قلق الإنسان تحورت أشكال طقوس العدم وتنوعت تعاويذه السحرية لتلائم شروط العصر مما يثبت أن للعدم صيرورة خاصة به يتداخل فيها ما هو أنطولوجي بما هو سوسيولوجي وثقافي. في هذا السياق المتشعب يلعب السحر دور الوسيط الخطر الذي يمنح العدم تاريخا متحركا عبر الزمن الإنساني فالساحر أو الممارس للطقوس العدمية لا يقف خارج التاريخ بل ينغمس في صنعه بشكل معكوس حيث يعيد كتابة الأحداث لا عبر تراكم البناء بل عبر تراكم التهديد والتقويض وحين تقتحم طقوس العدم البنية الزمنية فإنها لا تعطلها فقط بل تضفي عليها طابعا تاريخيا مشوها ومريضا تصبح فيه اللحظات مؤرخة لا بالإنجازات بل بمقدار ما إبتلعته من معان وما أفرغته من محتويات وبذلك يصبح للعدم أرشيفه الخاص المكتوب على جدران الذاكرة الجماعية والمحفور في ندوب الوعي البشري المأزوم تاريخ من التراجع المستمر نحو هاوية اللاتحديد ومن الهيمنة المتكررة لأشكال الموت الرمزي على حساب الحياة الخلاقة. إن إدراك هذا البعد التاريخي الخفي للعدم يمكننا من فهم الطبيعة المعقدة للزمن البشري الذي لا يسير في خط تصاعدي مستقيم كما يظن البعض بل يتقاطع دائما مع ظلاله العكسية فالتاريخ البشري هو في عمقه صراع مرير بين صيرورة الوجود التي تسعى نحو الإكتمال والمعنى وبين تاريخ العدم الذي يحاول دائما أن يعيد صياغة العالم على شروط الفناء والإنكار ومن هنا فإن تفكيك هذه العلاقة الجدلية المعقدة بين السحر والعدم لا يقتصر على كونه تمرينا فلسفيا نظريا بل هو حاجة وجودية ملحة لإستعادة البوصلة التاريخية وتحرير الصيرورة الإنسانية من أسر الطقوس الهادمة وإعادة الإعتبار للزمن بوصفه أفقا مفتوحا للحرية والإبداع في مواجهة كل محاولات التجميد والعدم الممنهج.

_ إعدام الصيرورة: إستعصاء الزمن وسقوط الساحر في فخ التجميد العدمي

حين يصطدم الساحر بجدار الإستعصاء الصلب الذي يبديه الزمن البشري في عصيانه المستمر على التطويع والترويض، يجد نفسه في مواجهة معضلة أنطولوجية كبرى تهدد مشروعه بأكمله، فالزمن بطبيعته جوهر سيال ومراوغ يرفض الخضوع لثبات التعاويذ ويتفلت بإستمرار من أقفاص اللحظة المطلقة التي يحاول السحر فرضها عليه وهنا تبرز الأزمة الكبرى في محاولة إخضاع التدفق الطبيعي للصيرورة عبر الصيغ اللفظية والرموز الطقسية التي تقف عاجزة أمام طغيان الدفق الزمني الذي يحمل في طياته الموت والفناء و التغير المستمر، مما يدفع الساحر إلى تجاوز محاولات السيطرة البسيطة نحو إستراتيجيات أكثر راديكالية وعمقا ترتبط إرتباطا وثيقا بإستدعاء العدم وإستخدام طاقاته الهدامة لكسر شوكة الزمن وإجباره على التوقف أو الإنحناء تحت وطأة الإرادة الطقسية الغاشمة. في محاولته اليأسة للتعامل مع هذا الإستعصاء العنيف، يلجأ الساحر إلى آلية التجميد الجذري أو ما يمكن تسميته بالإعدام المؤقت للصيرورة، حيث تحل التعاويذ السحرية محل التدفق العضوي للأيام والسنوات عبر خلق بؤرة مغلقة و معزولة تتوقف فيها ساعة الوجود عن الدق و تتجمد الحركات في أشكال ميتة تحاكي الخلود الظاهري غير أن هذا التجميد المصطنع ليس نصرا للساحر بقدر ما هو هزيمة مبطنة، لأنه لا يفلح في ترويض الزمن الحقيقي بل يعمد إلى تشويهه وقتله من خلال سلخه عن محتواه الحيوي وإستبداله بصورة باهتة وممسوخ١ة تدور في فلك الرتابة المطلقة، وبذلك يتحول الساحر من مسيطر على الزمن إلى سجين في غرفة مفرغة الصدى يحرس جثة هامدة لزمن تم إغتياله بوحشية تحت تأثير التعاويذ والطلاسم العدمية. هذا الصراع الخفي بين إرادة السحر و إستعصاء الزمن يكشف عن التناقض الجذري الكامن في قلب الممارسة السحرية نفسها، فالساحر يسعى عبثا إلى إستخدام أدوات أرضية ومحدودة لإخضاع أبعاد كونية مترامية الأطراف، ولما كانت التعاويذ قاصرة بطبيعتها عن مجاراة إتساع الصيرورة، فإنها تلجأ إلى التحالف مع العدم لتدمير ما عجزت عن ترويضه، فبدلا من أن يروض الساحر الزمن، يجد نفسه مضطرا إلى إلغائه جزئيا أو كليا عبر إستحضار طاقة الفراغ المطلق لتلغيم اللحظات الحاضرة و تفريغها من حمولتها التاريخية، وهكذا تصبح التعاويذ السحرية في نهايات المطاف مجرد صيغ عزاء واهية يرددها الكائن المستلب في وجه زحف الفناء الحتمي، محاولا عبثا إيقاف تيار هادر لا يرحم بكلمات مقدسة و موروثة فقدت معناها الأصلي وتحولت إلى أدوات خرساء للتدمير الذاتي والعدم الممنهج.

_ زلازل الوعي: إستبصار الظلام وإنسحاق الزمن في لجج العدم

ينطوي الإنخراط في ممارسات الإستبصار المظلم على تصدع جذري في بنية الوعي الأنطولوجي، حيث يمثل إلغاء الفارق الفاصل بين الماضي و المستقبل هدمًا لأحد أعظم الثوابت التي يرتكز عليها الوجود البشري، فالإنسان العادي يعيش في ظل تعاقب زمني طبيعي ينظم تجربته عبر أبعاد ثلاثة تمنح الفعل الإنساني معناه وقيمته؛ غير أن ممارس الإستبصار المظلم، حين يتورط في شباك الطقوس السحرية وإستحضارات العدم، يعمد إلى تدمير هذا التدرج الخلاق ليخلق مشهداً دائرعاً مسطحاً تندمج فيه البدايات والنهايات في بؤرة واحدة صماء، وهنا يفقد الزمن معناه بوصفه مساراً للنمو والتحقق، ليتحول إلى كتل متراكمة من الأحداث المجردة التي تتشابه فيها ظلال ما حدث مع ومضات ما لم يقع قط، مما يؤدي إلى غرق الوعي في متاهة مغلقة تعجز فيها الذاكرة عن أداء دورها الحيوي في حفظ العِبَر، ويقفل المستقبل أبوابه بوصفه أفقاً مفتوحاً للإمكان والإحتمال، لتنحصر التجربة البشرية برمّتها في أسر لحظة أبدية مشوهة تنطوي على العدم بكامل حمولته الثقيلة. هذا التماهي المرعب بين ما كان وما سيكون يترك أثراً مدمراً على كينونة الممارس، إذ يجرده من القدرة على الفعل الواقعي المتموضع في الحاضر الحي، فالفعل البشري الأصيل يستمد حيويته و دوافعه من التوتر الخلاق بين ماضٍ يُستلهم و مستقبل يُرتجى، وحين يُصار إلى إلغاء هذا التوتر عبر تعاويذ الإستبصار المظلم، يجد ممارس السحر نفسه معلقاً في فراغ مطلق لا وزن للأفعال فيه ولا معنى للقرارات، لأن كل شيء يبدو مقتضياً ومنجزاً وسابقاً لأوانه في الآن ذاته، وهذا التعطيل الصارم للصيرورة الزمنية لا ينتج رؤية أعمق للحقائق كما يزعم الممارس في أوهامه، بل يكرس حالة من الشلل الوجودي المستشري الذي يبتلع طاقة الإرادة و يحول الوعي إلى مجرد مرآة عاكسة لفراغ بارد، حيث تتساوى البطولات بالهزائم وتتلاشى الحدود الفاصلة بين الحلم والواقع، لتصبح الحياة برمتها صدىً باهتاً لطقوس عدمية تعيد إنتاج الموت الرمزي في كل ثانية عابرة دون طائل أو غاية. إضافة إلى ذلك، فإن تذويب الفوارق الزمنية يضع ممارس الإستبصار المظلم في مواجهة مباشرة مع طاقة العدم المهيمنة التي تغذي هذه الممارسات، فالماضي و المستقبل حين يفقدان إستقلاليتهما وفرادتهما، يتحولان إلى أدوات هدم تسحق الإستمرارية النفسية و العضوية للكائن، و بدلاً من أن يتحرر الممارس من قيود الزمن عبر إستبصار المجهول، فإنه يسقط في فخ العبودية المطلقة للعدم الذي يستعير ملامح الزمن الملغى لفرض سطوته، وهنا تتجلى المفارقة الكبرى في أن السعي نحو السيطرة السحرية على أسرار الغيب ينتهي دائماً إلى تدمير الذات العارفة نفسها و تحويلها إلى مجرد أثر ميت في عالم بلا معالم، حيث لا ماضي يحن إليه القلب ولا مستقبل يتطلع إليه الأمل، بل حضور كابوسي طاغٍ يختزل الوجود كله في هاوية سرمدية من الفراغ والعدم الممنهج.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...
- الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِ ...


المزيد.....




- ترامب وإيران.. صفقة هرمز تنهي الحرب
- -سنتكوم- تعلن اعتراض سفينة شحن في مضيق هرمز وموقع تتبع سفن ي ...
- بندقية -كلاشنيكوف- الروسية.. ما سر شهرتها الواسعة وكيف تحولت ...
- يونهاب: كوريا الشمالية أطلقت قذيفة نحو البحر
- مصادر عسكرية ليبية لـ RT: ضبط خلية يشتبه بارتباطها بأنشطة إر ...
- هيئة البث الإسرائيلية: -اتفاق غزة- يتضمن سداد 400 مليون دولا ...
- وزير العدل المغربي: متمسكون بأراضينا وسنستعيد سبتة ومليلية ب ...
- تشكيل لجنة أمنية للتحقيق في اغتيال المنصوري.. والقيادة العام ...
- أول 3 صحفيين دخلوا هيروشيما وناغازاكي بعد ضربهما بالقنبلة ال ...
- -ربيع- إسرائيل في أمريكا اللاتينية.. تحوّل القارة أم حكوماته ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الْأَنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّةُ لِلسِّحْرِ وَالْعَدَمِ: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِنِ وَالتَّشْكِيلِ الْوُجُودِيِّ -الجُزْءُ الحَادِي وَالسَّبْعُونَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ-