أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - معروفي العيد - «الفلسفة واليومي: تأويل في المعنى الذي يسكن العادي»














المزيد.....

«الفلسفة واليومي: تأويل في المعنى الذي يسكن العادي»


معروفي العيد

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 07:33
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


« الفلسفة واليومي: تأويل في المعنى الذي يسكن العادي»
بقلم: د. معروفي العيد.
كتب يوم الجمعة 07أغسطس 2026م.
ليس اليومي مجرد تراكمٍ صامتٍ لأفعالٍ تتكرر حتى تفقد حدّتها الدلالية، ولا هو زمنٌ يبتلع نفسه في دوّامة الاعتياد ثم يلفظ بقاياه في فراغ النسيان؛ بل هو الأثر الأول الذي تتخفّى فيه الوجودات قبل أن تُسمّى، والطبقة غير المرئية التي تتشكّل فيها المعاني وهي لم تبلغ بعدُ صلابتها المفهومية. إن اليومي ليس ما يحدث، بل ما يُخفي حدوثه تحت قناع البديهة، حيث يتحوّل الواضح إلى حجاب، والمألوف إلى شكلٍ من أشكال التمويه الوجودي.
إذ لم ينبثق أي فكرٍ عظيم من فراغٍ نقي، بل تشكّل من شقوق الحياة ذاتها: من ارتجاف اللحظة حين تفقد يقينها، من ألمٍ يتقن الصمت بوصفه لغةً سابقة على اللغة، ومن فرحٍ لم يجد سوى احتراقه الداخلي وسيلةً للتعبير عن نفسه. فالفكر، في جوهره، ليس بناءً فوق الحياة، بل انكشافٌ لما كانت الحياة تخفيه أثناء ممارستها لبداهتها.
الفلسفة، بهذا المعنى، ليست خروجًا من العالم، بل تفكيكٌ لبداهته؛ وليست قطيعةً مع اليومي، بل إعادة مساءلة لبنيته الخفية. إنها ليست عينًا إضافية، بل ارتباكٌ في فعل الرؤية أمام ما كان يُرى دون أن يُدرَك. فالتفلسف يعني تفكيك ما بدا مكتملًا، وإعادة فتح ما أُغلق بفعل وهم الوضوح.
اليومي ليس خصم الفكر، بل شرطه الأكثر التباسًا. فمن لا يجرؤ على مساءلة هشاشة المألوف لا يملك حقّ الادعاء بالحديث باسم الوجود. إن العيش داخل العادة لا يعني الاستقرار، بل يشكّل نمطًا بطيئًا من التآكل: تبقى الأشياء في أماكنها، بينما ينزلق معناها تدريجيًا إلى الداخل حتى يتلاشى. هنا لا يحدث الانهيار كحدثٍ مفاجئ، بل كاختفاءٍ تدريجي للدلالة.
أما الفيلسوف، فليس من يهرب من الأشياء، بل من يعيد تفكيك سكونها؛ من يزعزع طمأنينتها الظاهرة ليكشف ما تنطوي عليه من توترٍ خفي. إنه لا يرى فنجان القهوة بوصفه فنجانًا، بل أثرًا لزمنٍ متكثف في مادة، ولا يرى الطريق مجرد مسار، بل بنية عبورٍ تُخفي سؤال الوجهة، ولا يرى اللقاء حدثًا اجتماعيًا فحسب، بل تقاطعًا هشًّا بين إرادات متباينة تتنازع إنتاج المعنى.
لا يولد التأويل في النصوص وحدها، بل في الجسد الذي يُجبر على حمل العالم دون امتلاك يقينٍ به. فكل صباح هو كتابة غير مكتملة، وكل وجه نصٌّ مؤجل، وكل صمت طبقة دلالية تقاوم الاختزال في شفرة جاهزة. إن العالم لا يُعطى بوصفه معطى نهائيًا، بل يُعاد تفكيكه وتركيبه في كل فعل إدراك.
وهكذا يغدو اليومي شكلًا من أشكال الأخلاق غير المعيارية: فالحقيقة لا تتجلى في الخطابات الكبرى، بل في الانزياحات الدقيقة للوجود. في طريقة المشي التي تكشف علاقة الجسد بالزمن، في الإصغاء الذي يفضح حدود الفهم، في الخذلان الذي يعيد تعريف الذات، وفي الحنوّ الذي يربك صلابة الهوية. فالتفاصيل ليست هامشًا، بل هي ما يتبقى من الوجود حين يُجرَّد من ادعاءاته الكلية.
إن أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر ليس الجهل، بل فائض الرؤية الذي ينتهي إلى العمى: أن يرى كل شيء دون أن ينفذ إلى شيء. هنا تبدأ الفلسفة بوصفها قوة تفكيك، لا لتفسير العالم بل لزعزعة يقينه، ولا لتقديم معنى جاهز بل لفتح الجرح الذي يسكنه المعنى. إنها ليست إجابة، بل إعادة إنتاج للسؤال في أكثر صوره إرباكًا.
لا تتمثل مهمة الفيلسوف في تراكم المفاهيم، بل في تفكيك آليات العادة التي تجعل العالم يبدو مكتملًا ونهائيًا. إنه لا يضيف إلى الرؤية، بل يعيدها إلى لحظة ارتجافها الأولى، حين لم تكن الأشياء قد استقرت بعد في أسمائها. فالعالم لا يعوزه المعنى بقدر ما يعوزه التفكيك الذي يكشف طبقاته المستترة.
تلتقي الفلسفة واليومي عند منطقة شديدة الهشاشة: كيف نعيش دون أن ننزلق إلى تكرارٍ آليّ لذواتنا؟ وكيف نقيم داخل العادة دون أن نُختزل فيها؟ إن الحياة غير المفكَّر فيها لا تُستهلك فحسب، بل تُمحى تدريجيًا، بينما الحياة المؤوَّلة تظل صراعًا مفتوحًا ضد اكتمالها الزائف، وإرادة مستمرة لزعزعة استقرارها.
وهكذا لا تكون الفلسفة ترفًا معرفيًا، بل ممارسة تفكيكية هادئة لصلابة المألوف. إنها تحويل العادي إلى سؤال، والمستقر إلى قلق، والحياة إلى نصٍّ مفتوح لا يكتمل، لأن اكتماله يعني نهايته. فكل قراءة هي إعادة تشكيل للمعنى، وكل يوم هو تفكيك جديد لما بدا أنه استقر.
في المحصلة، لا تعد الفلسفة سوى شجاعة النظر إلى العالم كما لو أنه لم يُفكَّك بعد؛ وكأن كل لحظة تنطوي على طبقات من المعنى تنتظر من يوقظها، وكأن أبسط الأشياء ليست بسيطة، بل استقرارٌ مؤقت لأسئلة لم تُطرح بعد.



#معروفي_العيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- « عندما يتألم الفلاسفة: في أنطولوجيا الجرح وتأويل الألم»
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة
- الفلاسفة والحرب من منظُور صاحِب رائعة الفلسفة الشريدة الفيلس ...
- سيرة الاعتراف، سيغموند فرويد وفضله الكبير على الفليسوف بول ر ...
- قراءة في رائعة أُم الزين بن شيخة ، قصيدة -أعراس الماء-
- كيف نقرأ نيتشه اليوم؟ قراءة في كتاب- ضيف الله فوزية كلمات ن ...


المزيد.....




- ما هي شروط إيران الستة لفتح مضيق هرمز؟
- روسيا: كيف يعاقب بوتين منتقدي الكرملين في المنفى؟
- بسبب التهديد الإيراني .. ترامب غير طائرته سرا في تركيا
- الجيش الإسرائيلي يعلن عن حادثة في جبل الشيخ
- -نوفوستي-: أمريكا لن تعوض مخزونات صواريخ جافلين المقدمة لأوك ...
- خبير: -الناتو- يختبر شبكة عصبية عسكرية في أوكرانيا
- نشر منظومات دفاع جوي لحماية ترامب أثناء لعبه الغولف في نيوجي ...
- محافظ القليوبية يوجّه بتكثيف الحملات الرقابية
- التعليم العالي:  بدء المرحلة الثانية لتنسيق طلاب الثانوية ال ...
- الاحتلال يقتحم قرية تِل بنابلس تمهيدا لتفجير منزل الشهيد فار ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - معروفي العيد - «الفلسفة واليومي: تأويل في المعنى الذي يسكن العادي»