أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله القحطاني - سلطة الفقه العابر: تفكيك السرديات التشريعية المقطوعة عن سياقها















المزيد.....

سلطة الفقه العابر: تفكيك السرديات التشريعية المقطوعة عن سياقها


عبدالله القحطاني

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 13:34
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


مقـدمة الكـتاب
إن المعضلة الكبرى التي تواجه الفكر العربي والإسلامي المعاصر لا تكمن في شحّ التراث المعرفي، بل في كيفية تمثّله واستدعائه لإدارة الحاضر. وضمن هذا المشهد، تبرز أزمة الاجتهادات الفقهية المقطوعة عن سياقها التاريخي؛ تلك التي ولدت كاستجابات استثنائية لظروف سياسية وعسكرية طارئة، ثم تحولت بفعل التراكم والتوظيف الأيديولوجي إلى سرديات صلبة عابرة للأزمنة والأمكنة، وهو ما اصطلحنا على تسميته بـ "الفقه العابر".
يسعى هذا الكتاب إلى تفكيك سلطة "الفقه العابر" من خلال منهجية نقدية صارمة تعيد قراءة الجذور التراثية في ضوء سياقاتها الأولى. إننا لا نستهدف هنا الانتقاص من منجز الفقهاء الأوائل، بل نهدف إلى كشف آليات تحويل "أحكام الطوارئ" القديمة إلى قوانين مقدسة تُكبّل مجتمعاتنا الحديثة وتصطدم مع قيم المواطنة والتعايش الإنساني. إنه محاولة جادة لإرساء معالم "فقه البناء المستقر"؛ البديل المعرفي الذي يعتمد برود المنهج وعمق الإنصاف، ويسعى إلى أنسنة التشريع وجعله قوة دفع حضارية تتسق مع قيم التمدن والدولة الوطنية الحديثة.
الفصل الأول: سيكولوجية فقه المعارك (تفكيك الجذور)
تمهيد:
إن دراسة البنية المعرفية لأي نتاج تشريعي تفرض بالضرورة فحص لحظة التخلق الأولى التي نبت فيها النص الفقهي؛ فالأفكار لا تولد في فراغ، بل هي استجابات حية لضغوط الواقع وتحديات البيئة. يبحث هذا الفصل في الجذور النفسية والسياسية لـ "الفقه العابر"، متتبعاً كيف أسهمت سيكولوجية الحروب والمهددات الوجودية في تاريخنا الإسلامي في صياغة لغة تشريعية استثنائية، تحولت بفعل سوء التأويل من مواقف دفاعية مؤقتة إلى سرديات صلبة عابرة للأزمنة والأمكنة.
أولاً: تشريح بنية العقل الفقهي القديم وسيكولوجية الثغور
تأسس جزء كبير من المدونات الفقهية المتأخرة في بيئات محكومة بسيكولوجية الثغور والحدود. فحين كان الفقيه يكتب مدونته تحت ظلال التهديد العسكري المستمر، كان عقله يتحرك تلقائياً في مساحة حماية الحياض وصيانة الهوية من الانحلال.
إن هذه البيئة النفسية صنعت عقلاً فقهياً محكوماً برد الفعل؛ حيث الأولوية القصوى هي للتمايز والتحصين الشامل، مما صبغ الأحكام بطابع الصرامة والمواجهة. ولم تكن تلك الأحكام تعبيراً عن جوهر التشريع المستقر، بل كانت أدوات سيكولوجية لشد أزر المجتمع في مواجهة تحديات ظرفية عابرة، إلا أن الأزمة بدأت حين جُردت هذه البنية النفسية من ظروفها ووُظفت كسلطة معرفية مطلقة.
ثانياً: رصد أثر الغزو العسكري الخارجي في نشأة فتاوى الاستثناء
إن النماذج المركزية التي يستدعيها غلاة التراث اليوم لفرض وصايتهم المعرفية هي في حقيقتها فتاوى استثناء ولدت في أحلك لحظات الانكسار العسكري للأمة؛ كحقبة الغزو التتري أو الحملات الصليبية. في تلك اللحظات التاريخية الحرجة، كان الاجتهاد الفقهي يتصرف كأحكام عرفية لحشد المقاتلين ومنع الاختراقات الداخلية.
تكمن الجناية المعرفية في تحويل هذه الأحكام الاستثنائية، المحكومة بسياق جغرافي وسياسي حاد، إلى فقه عابر للعصور. لقد جرى انتزاع تلك الفتاوى من فضاءاتها الدفاعية المؤقتة، وصُنعت منها سرديات تشريعية دائمة تُسقط اليوم تعسفاً على بنية الدولة الحديثة، مما أدى إلى مأزق معرفي حاد حجب حقيقة أن تلك النصوص لم تكن تؤصل لأصل ثابت، بل كانت تستجيب لواقع حربي زال وانقضى زمانه.
ثالثاً: تتبع آليات تحول الفتوى الظرفية إلى سلطة عابرة
إن رصد المسار التاريخي للفتوى يكشف عن الآلية المعرفية التي حوّلت الاجتهاد البشري المؤقت إلى نص عابر مقدّس. تبدأ هذه الآلية بفعل النسخ السياقي الأعمى، حيث يعمد الحركيون إلى جرد المتون التراثية القديمة دون فحص بواعثها السياسية أو ظروفها التاريخية المحيطة بها.
تتحرك هذه الآلية عبر مسارين رئيسيين:
صناعة اليقين الاصطناعي: تدوير الفتوى الاستثنائية داخل أدبيات المذهب الفقهي حتى ينسى العقل الجمعي للأتباع سياقها الحربي الأول، وتتحول بالتدريج من رأي رجل في معركة إلى إجماع عابر للعصور.
الاتكاء على سلطة الرمز التاريخي: الاستقراء الأيديولوجي لشخصية الفقيه التاريخية لحجب أي نقد علمي لفتواه؛ فمراجعة الفتوى تصبح طعناً في علم الرمز ونواياه، وهو خلل منهجي حوّل الفقه الدفاعي العابر إلى تشريع ممتد يشل حركة العقل العربي المعاصر.
الفصل الثاني: جناية الإسقاط التاريخي (أزمة المعاصرة)
تمهيد:
إذا كان الفقه العابر قد تخلّق في رحم سيكولوجية المعارك القديمة، فإن جنايته المعرفية الأكبر تجلت في العصر الحديث من خلال عمليات الإسقاط التاريخي المعكوس. يبحث هذا الفصل في الأزمة المنهجية التي أحدثتها الحركية المعاصرة عبر انتزاع تلك السرديات التشريعية الظرفية من سياقها التاريخي وإقحامها قسراً في بنية الدولة الحديثة، مبيناً كيف تحول هذا التوظيف الأيديولوجي للتراث إلى أداة لتقويض قيم المواطنة وتدمير مساحات التعايش الإنساني.
أولاً: انتزاع النصوص من سياقها وتسييس التراث الحركي
تتأسس أزمة المعاصرة في تعاطيها مع التراث على آلية الاجتراء والتوظيف. فالجماعات الحركية المعاصرة لم تلتفت إلى المنظومة المقاصدية الكلية للفقه الإسلامي، بل عكفت على تتبع فتاوى الطوارئ والاستثناء التي صيغت في لحظات الانكسار التاريخي، لتعيد إنتاجها كأيديولوجيا سياسية قتالية.
إن هذا تسييس المتعمد للتراث يعتمد على إخفاء الظروف الجيوسياسية التي ولدت فيها الفتوى؛ فيُقدم للمجتمع الحديث نص قديم باعتباره حكماً إلهياً مطلقاً. هذا الانتزاع المنهجي عزل الفقه عن مرونته وقدرته على التطور، وحوّله من وسيلة لتدبير مصالح البشر وفق سياقهم الحضاري إلى مقصلة فكرية تُشرعن القطيعة مع العصر وتلغي منجزات الحداثة السياسية.
ثانياً: تغييب شروط الجغرافيا والزمان وسلطة الرمز المعاصر
يمارس حراس الفقه العابر في الواقع المعاصر تعتيماً معرفياً حاداً على مفهوم تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة. فهم يتعاملون مع جغرافية القرن الحادي والعشرين والحدود الدولية والمنظومات القانونية الحديثة وكأنها غير موجودة، مسقطين عليها تقسيمات الديار التاريخية التي فرضتها طبيعة الصراعات القديمة.
وللحفاظ على هذا الإسقاط التعسفي، يحتمي الحركيون بسلطة الرمز التاريخي؛ مستغلين مكانة الفقهاء الكبار لإسكات الأصوات التجديدية. فحين يحاول باحث أو مفكر مراجعة فتوى تاريخية شابتها حدة السجال، يُواجه بالتهميش والتبديع. هذا التحصين المصطنع للرموز أدى إلى تعطيل العقل الفقهي الحديث، وجعله تابعاً لعقول تاريخية واجهت مشاكل زمانها بأدوات زمانها، في حين تُرك إنسان الحاضر بلا إجابات حقيقية تناسب واقعه.
ثالثاً: رصد تدمير قيم المواطنة ومساحات التعايش الإنساني
إن النتيجة الحتمية لإسقاط سرديات الفقه العابر على المجتمعات الحديثة هي ضرب السلم الأهلي وتجريف مفهوم المواطنة الحقة. فالمواطنة في الدولة الحديثة تقوم على التساوي المطلق في الحقوق والواجبات بين جميع أفراد المجتمع، بينما يقوم الفقه العابر المقطوع عن سياقه على ترسيخ التمايز الحاد وصناعة الحدود النفسية والاجتماعية.
لقد أدى استدعاء فتاوى التضييق الاجتماعي والمنع من التعامل المدني أو التهنئة بالأعياد الدينية إلى خلخلة النسيج الاجتماعي للمجتمعات التعددية، وتحويل الآخر الشريك في الوطن إلى عدو كامن أو مكون مشكوك في ولائه. إن هذا التدمير المنهجي لمساحات التعايش الإنساني يبرهن على خطورة بقاء العقل المعاصر أسيراً لأحكام فرضتها ظروف حروب بادت، مؤكداً أن التمسك بالفقه العابر هو تكريس دائم للأزمة.
الفصل الثالث: معالم فقه البناء المستقر (البديل المعرفي)
تمهيد:
إن تفكيك سرديات الفقه العابر وكشف عوار الإسقاطات الحركية المعاصرة لا يهدفان إلى ترك العقل الديني في فراغ معرفي؛ بل هما خطوتان تلازميتان لتمهيد الأرضية لتأسيس البديل المعرفي الرصين. يبحث هذا الفصل في معالم ما نطلق عليه "فقه البناء الإنساني المستقر"، مستعرضاً المرتكزات الإبستمولوجية لأنسنة الفقه الإسلامي، وكيف يمكن تفعيل أدوات البرود والإنصاف المعرفي للعبور بالتشريع من ضيق الأيديولوجيا السجالية إلى رحابة المقاصد الإنسانية الكبرى والتعايش المدني الشامل.
أولاً: تأصيل مفهوم "أنسنة الفقه الإسلامي" والقواعد المقاصدية
تتمثل الركيزة الأولى في بناء الفقه المستقر في التأسيس الواعي لمفهوم أنسنة الفقه؛ وهو المنهج الذي يعيد الاعتبار للطبيعة البشرية والتاريخية للاجتهاد الفقهي، ويفك الارتباط الحتمي بين النص الإلهي المقدس وبين الفهم الإنساني الظرفي له. إن الفقه في جوهره ليس توقيفياً متعالياً، بل هو منتج بشري وُجد لخدمة الإنسان ورعاية مصالحه الحياتية.
يتطلب هذا التأصيل تفعيل المنظومة المقاصدية الكلية التي تجعل من حفظ كرامة الإنسان، وحريته، وعدالته، واستقراره النفسي والمجتمعي، هي الحاكمة على آحاد النصوص الجزئية والفتاوى الظرفية. فحين تصبح المقاصد الإنسانية الكبرى هي الغاية، تسقط تلقائياً صلاحية الفقه العابر الذي يتوسل بالجزئيات لقمع المشترك البشري، ويتحول التشريع إلى بنية مرنة قادرة على استيعاب منجزات العصر وتحقيق النفع العام للمجتمعات الحديثة دون تشنج.
ثانياً: تفعيل أدوات البرود والإنصاف المعرفي في فحص التراث
إن العبور نحو فقه البناء المستقر يفرض على العقل العربي الحديث التخلي عن أدوات المشاحنة والتجييش العاطفي، واستبدالها بالبرود والإنصاف المعرفي. إن هذا المنهج يتطلب فحص المدونات التراثية بعين الناقد الأكاديمي المتجرد، تماماً كما عاينّا سابقاً تجربة الإمام الطبري الهادئة في تفكيك المقولات المذهبية والدينية.
يعتمد هذا الفحص النقدي على آليتين:
التشريح السياقي التاريخي: إرجاع كل فتوى أو موقف حاد إلى حيزه الزمني والجغرافي والسياسي المعزول، والاعتراف الصريح بأن ما كان صالحاً كقانون طوارئ في عصر الحروب القديمة لا يملك أي شرعية معرفية أو أخلاقية للتطبيق في عصرنا.
تثمين المشترك والفرز التراكمي: قبول مساهمات الرموز التاريخية في سياقها الصحيح مع امتلاك الشجاعة المعرفية لغربلة أخطائهم وزلاتهم السجالية، مما يحمي العقل من التبعية العمياء ومن القطيعة المستأصلة على حد سواء.
ثالثاً: إرساء قيم العدالة والحرية الاجتماعية ومأسسة الشراكة المدنية
إن الغاية النهائية لـ فقه البناء المستقر هي صياغة بديل تشريعي يتصالح مع قيم الدولة الوطنية الحديثة ويؤسس للمواطنة الكاملة. فالتشريع المستقر لا يبني جدراناً نفسية ولا يقتات على تقسيم الديار العتيق، بل يرى في التعددية المجتمعية مصدر ثراء وقوة للنسيج الوطني.
يتطلب هذا التوجه مأسسة الشراكة المدنية الشاملة من خلال إلغاء كافة التأويلات الفقهية التاريخية التي تنتقص من حقوق الآخر الشريك في الوطن أو تفرض عليه قيوداً اجتماعية أو سياسية واهية. إن فقه البناء المستقر يؤصل للحقوق والواجبات على قاعدة التساوي الإنساني المطلق أمام القانون؛ محولاً الخطاب الديني من منصة لإنتاج التمايز والإقصاء المعرفي إلى قوة دفع أخلاقية تعزز التضامن الاجتماعي، وتحمي الحريات العامة، وتدفع بالأمة نحو آفاق التمدن والاستقرار البنائي الشامل.
الفصل الرابع: آليات العبور والتطبيق (أفق المستقبل)
تمهيد:
إن صياغة المعالم النظرية لـ فقه البناء المستقر تظل أطروحة حالمة ما لم تَقترن بآليات إجرائية وعملية قادرة على تحويلها إلى واقع ملموس في الفضاء الثقافي والمجتمعي. يبحث هذا الفصل الختامي في آليات العبور التاريخي من أزمة الفقه العابر وسلطته الأيديولوجية إلى أفق المستقبل المعرفي. ويستعرض الفصل قنوات التغيير الأساسية؛ متمثلة في ترشيد مناهج التعليم، وتفكيك الاستقطاب الطائفي، وتعزيز الاستقلال المعرفي للمؤسسات البحثية، وصولاً إلى بناء منظومة تشريعية تتوافق تماماً مع قيم المواطنة والتمدن الحديث.
أولاً: ترشيد مناهج التعليم الديني وتفكيك الاستقطاب الطائفي
تمثل المؤسسات التعليمية والمناهج الدينية القناة الأولى والأهم لبناء الوعي الجمعي وتشكيل عقول الأجيال الناشئة. إن الخروج من وثاق الفقه العابر يفرض بقوة إحداث ثورة بنيوية في كيفية تقديم التراث الإسلامي داخل قاعات الدراسة والمنابر الثقافية.
يتطلب هذا الترشيد مغادرة أسلوب التلقين القائم على تحفيظ الاختيارات الفقهية للقدامى بوصفها أحكاماً مطلقة، واستبدالها بمنهجية التعليم السياقي النقدي. يجب أن يتعلم الطالب كيف ولدت الفتوى، وما هي الظروف السياسية والجغرافية التي وجهت قَلَم الفقيه في سياقه الزمني. هذا الفهم السياقي سيصنع جداراً وقائياً يحمي العقول الناشئة من الوقوع في فخ الاستقطاب الطائفي والمذهبي؛ حيث سيتعلم الجيل الجديد أن التعددية الفكرية ظاهرة بشرية صحية، وأن الاختلاف في الفهم هو أصل الحيوية المعرفية وليس مسوغاً للإقصاء أو الشقاق الأهلي.
ثانياً: تعزيز الاستقلال المعرفي للمؤسسات البحثية وبناء الجسور الثقافية
إن إنتاج فقه مستقر يتطلب توفير بيئات بحثية تتسم بالاستقلال المعرفي التام والتحرر من ربقة الضغوط الأيديولوجية أو الإملاءات الحركية التقليدية. يجب على المراكز الفكرية والمجامع الفقهية المعاصرة أن تمتلك الشجاعة العلمية لمراجعة المتون دون خوف من سياط غلاة التراث أو غوغاء الأتباع المعزولين عن العصر.
ويقترن هذا الاستقلال بآلية بناء الجسور الثقافية مع الآخر؛ وتحويل حوار الأديان والمذاهب من لقاءات بروتوكولية عابرة إلى ورش عمل معرفية مستمرة تبحث في المشتركات الإنسانية الكبرى وقيم العدالة والحرية. إن ممارسة النقد الغربالي التراكمي للتراث، بالتوازي مع الانفتاح على المنجز الحضاري الإنساني المشترك، كفيل بإنتاج خطاب ديني يتسم بالبرود المنهجي وعمق الإنصاف، خطاباً يرى في العلوم الحديثة ومناهج الفلسفة والاجتماع أدوات مساعدة لفهم الواقع وتدبير مصالحه، لا مؤامرات تستهدف الهوية.
ثالثاً: بناء منظومة فقهية معاصرة تحقق قيم المواطنة والتمدن
إن الغاية الكبرى والأثر التطبيقي الأخير لـ سلطة الفقه العابر هو صياغة مدونات تشريعية وفقهية حديثة تتصالح بالكامل مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة. إن فقه البناء المستقر يجب أن يترجم علمياً وإجرائياً إلى أحكام وقواعد قانونية تلغي تماماً كافة الرواسب والأحكام التاريخية التي بنيت على التمايز أو التضييق المجتمعي.
إن صياغة هذه المنظومة تفرض الاعتماد المطلق على مبدأ التساوي الإنساني والمدني أمام القانون؛ حيث تُعرّف الحقوق والواجبات بناءً على صك المواطنة والانتماء لتراب الوطن، وليس بناءً على المعتقد أو المذهب الديني. إن هذا العبور التشريعي الشجاع سيعيد للفقه مرونته الأصلية، ويجعله قوة دفع قانونية وأخلاقية تدعم مسيرة التمدن والتحديث والنهضة التي تشهدها مجتمعاتنا، متحرراً من أعباء الماضي ومستشرفاً مستقبلاً حضارياً زاهراً يليق بأمتنا الإنسانية.
خاتمة الكتاب: العبور نحو الوعي المستقر
في ختام كتابنا هذا «سلطة الفقه العابر: تفكيك السرديات التشريعية المقطوعة عن سياقها»، نصل إلى النتيجة المعرفية الحتمية التي تلخص جوهر هذا المشروع الفكري؛ وهي أن تحرير العقل العربي والإسلامي المعاصر من أزماته البنيوية يمر بالضرورة عبر كسر سلطة الأحكام الاستثنائية التي عَبَرت إلينا من سياقات الحروب القديمة. إن "الفقه العابر" كشف عن عمق المأزق المنهجي الذي نعيشه عندما نستعير عيون الماضي لنرى بها تفاصيل الحاضر.
إن الغاية من هذا المؤلف لم تكن أبداً هدم التراث أو التقليل من اجتهادات رواده، بل كانت دعوة مخلصة ومنصفة لإعادة التراث إلى التاريخ، وتحرير إنسان اليوم من وصاية فتاوى الطوارئ السياسية والعسكرية العتيقة. إننا نقف اليوم لنؤكد أن العبور نحو "فقه البناء الإنساني المستقر" هو خيارنا الوحيد لصناعة حاضر ومستقبل يتسع للجميع، مستنيرين ببرود المنهج العلمي وعمق الإنصاف المعرفي، لتبدأ الأمة في كتابة تاريخها الجديد بأقلام الحرية، والعدالة، والتمدن، متصالحة مع ذاتها ومع العالم من حولها.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- ما التوقعات بعد رفض نتنياهو خطة ترامب للسلام في غزة؟ إليك ما ...
- -ليست موجهة ضد طهران-.. خارجية إيران تعلق على اتفاقية مكة بي ...
- العراق.. تفكيك 14 شبكة لتجارة المخدرات في البصرة
- إسبانيا تستنفر جيشها تحسبا لموجة هجرة جديدة في سبتة
- رحلة محفوفة بالخطر.. روسية تعبر نهرا هربا من العمل القسري في ...
- الصين تُجلي مليون شخص من منازلهم مع وصول عاصفة قوية إلى اليا ...
- عبد الرحمن السيد يكشف عن محادثة -ودية- مع أوباما.. فهل سيدعم ...
- إسرائيل تختبر سلاحها الأبرز ضد صواريخ طهران سرًا.. هل تخشى ت ...
- مقطع من 15 ثانية لخامنئي يثير التساؤلات.. وإيران تعد بمشاهد ...
- رجل الحرس الثوري المخضرم.. من هو محسن رضائي الأمين العام الج ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله القحطاني - سلطة الفقه العابر: تفكيك السرديات التشريعية المقطوعة عن سياقها