أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - تيار الثورة الاشتراكية - الثورة الاشتراكية على طريق تحرير المرأة – إلى ابنتي التي لم نستقر على تسميتها بعد















المزيد.....


الثورة الاشتراكية على طريق تحرير المرأة – إلى ابنتي التي لم نستقر على تسميتها بعد


تيار الثورة الاشتراكية
منظمة سياسية

(Socialist Revolution Current)


الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 00:11
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


بقلم: محمد السايس

مقدمة

لا يمكن فهم قضية المرأة في مصر بوصفها قضية فئوية تخص النساء وحدهن، ولا بوصفها ملفًا حقوقيًا منفصلًا عن البنية العامة للمجتمع. فالاضطهاد الجندري، في صورته المصرية المعاصرة، متداخل عضويًا مع علاقات الملكية، وتقسيم العمل، وبنية الدولة، وآليات السيطرة الطبقية، وإعادة إنتاج القوة العاملة داخل الأسرة والسوق والمؤسسات العامة. ومن ثم، فإن التعامل مع قضية المرأة باعتبارها مسألة «تمكين» فردي، أو تعديلًا قانونيًا معزولًا، يجرّدها من مضمونها الاجتماعي الحقيقي. ما يحدد وضع النساء ليس «التمييز» في صيغته المجردة فقط، بل الطريقة التي يعيد بها المجتمع الرأسمالي ــ التابع والطبقي ــ إنتاج هذا التمييز عبر الأجور المنخفضة، وتبعية العمل المنزلي، وهشاشة القطاع غير الرسمي، وتراجع الدولة عن الرعاية، وتكريس الأسرة كوحدة تعويضية عن قصور الخدمات العامة.

ومع ذلك، لا يجوز اختزال اضطهاد المرأة في الاقتصاد وحده، فالعلاقات الثقافية والدينية والقانونية والسياسية تتفاعل مع البنية المادية وتمنحها أشكالها اليومية. فالأعراف الأبوية، والخوف الاجتماعي من استقلال النساء، والعنف القائم على النوع، والتشريعات غير الكافية أو غير المطبقة، والتمييز في المؤسسات، كلها ليست «زخارف» فوق البنية الاقتصادية، بل آليات فعّالة تعيد إنتاجها. لذلك، فإن منظورنا، إذا أراد أن يكون جادًا، يجب أن يقرأ قضية المرأة باعتبارها نقطة التقاء بين الاستغلال الطبقي، والتقسيم الاجتماعي للعمل، والعنف الرمزي والمادي، وتبعية الدولة لضرورات السوق والسياسات النيوليبرالية.

في هذا الإطار، لا يكون هدفنا مجرد المطالبة بزيادة تمثيل النساء في مواقع معينة، بل تحليل الشروط التي تجعل غالبية النساء، خصوصًا من الطبقات الشعبية، محاصرات بين العمل المأجور الهش، والعمل المنزلي غير المدفوع، والعنف في الفضاءين العام والخاص، وندرة الخدمات التي يُفترض أن تكون حقًا اجتماعيًا. إن قضية المرأة هي قضية إعادة تنظيم المجتمع كله على أسس جديدة، لأن تحرر النساء لا يمكن أن يتحقق كاملًا داخل بنية تعيد إنتاج التبعية اليومية لهن في الاقتصاد والأسرة والدولة.

المرأة المصرية اليوم

تواجه المرأة المصرية اليوم اضطهادًا مركبًا تتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية مع اختلالات التعليم والصحة والسكن والنقل والأمن الشخصي. فالمشاركة الاقتصادية للنساء ما تزال متدنية للغاية مقارنة بالرجال. وتشير إحدى بيانات البنك الدولي إلى أن معدل مشاركة النساء في قوة العمل في مصر ظل حول مستويات منخفضة جدًا، إذ يُظهِر أحدث تقدير نموذجي لعام 2024 نحو 15.07%، بينما تُبيّن بيانات البنك الدولي/منصة النوع الاجتماعي أن الفجوة ما تزال حادة بين النساء والرجال، مع مشاركة أعلى بكثير للذكور في سوق العمل. كما قدّرت بيانات البنك الدولي لعام 2024 مشاركة النساء بنحو 18% تقريبًا في بعض التقديرات التحليلية، مقابل 73% للرجال، بما يعكس ليس فقط «ضعف المشاركة»، بل بنية سوق عمل تصنف النساء مسبقًا في مواقع التهميش.

أما البطالة، فهي تكشف بوضوح الطابع الطبقي والجندري للأزمة. فوفق بيانات الجهاز مركزي للتعبئة والإحصاء المنشورة في 2024، بلغ معدل البطالة العام نحو 6.6% في 2024، لكن بطالة النساء ظلت أعلى بكثير من بطالة الرجال. وفي الربع الثالث من 2024، وصلت بطالة النساء إلى 18.2% مقابل 4.2% للرجال، ثم تراجعت في الربع الرابع إلى 16.6% مقابل 3.9% للرجال. وبلغت بطالة الشابات 15-29 عامًا 37.1% في المتوسط السنوي 2024، وهو رقم شديد الدلالة والخطورة على أن الجامعة والتعليم لا يفتحان بالضرورة بابًا للعمل، بل كثيرًا ما يراكمان إحباطًا اجتماعيًا إضافيًا للنساء الشابات.

هذا الوضع لا يقتصر على النساء المتعلمات الباحثات عن وظائف رسمية، بل يمتد إلى العاملات في المصانع، والزراعة، والخدمات المنزلية، والقطاع غير الرسمي. فالعاملات في المصانع يواجهن أجورًا منخفضة، ومحدودية الحماية النقابية، وتوسعًا في العقود المؤقتة أو شبه المؤقتة، إلى جانب الضغط المرتبط بساعات النقل والبيئة غير الآمنة. والعاملات الزراعيات يتحملن عبء عمل شاق وموسمي، في ظروف شديدة الصعوبة، وغالبًا خارج أي حماية اجتماعية فعالة، مع استغلال مضاعف بسبب الريف والفقر والجندر. أما العاملات بالمنازل، وهن من أكثر الفئات تعرضًا للانتهاك والإخفاء القانوني، فيقعن في هامش شبه كامل من الحماية بسبب طبيعة العمل المنزلي غير المنظم.

موظفات الدولة يقفن بدورهن أمام مفارقة واضحة؛ فهن غالبًا أكثر استقرارًا من العاملات في القطاع الخاص من حيث الأجور والاستمرارية النسبية، لكنهن يواجهن سقوفًا مهنية غير معلنة، وتمييزًا في الترقي، وضغطًا مزدوجًا بين الوظيفة والعائلة، وتراجعًا في الخدمات العامة التي كانت تخفف سابقًا من عبء إعادة الإنتاج الاجتماعي.

أما النساء في الاقتصاد غير الرسمي، وهو مجال واسع في مصر، فهن الأكثر تعرضًا للابتزاز والاستغلال وعدم الاستقرار، من البيع الجائل والعمل المنزلي غير المعلن والخدمات الصغيرة، إلى أشكال العمل المنزلي والإنتاج المتناثر غير المحمي. وهذه الفئات لا تظهر كاملة في الإحصاءات الرسمية، ما يعني أن هشاشة النساء الفقيرات أعمق مما تعكسه الأرقام المتاحة بكثير.

الطالبات أيضًا جزء أساسي من هذه الصورة؛ فالمشكلة ليست في الالتحاق بالتعليم فقط، بل في نوعية التعليم، والضغط الاجتماعي، والتسرب، وتفكيك العلاقة بين الدراسة والمستقبل المهني. كما أن النساء المعيلات، وخاصة الأرامل والمطلقات والمهجورات، يواجهن ثقلًا مضاعفًا بين إعالة الأسرة، والتفاوض مع سوق عمل لا يحميهن، ومؤسسات حماية اجتماعية محدودة الفاعلية أو منعدمة تمامًا كلما ابتعدنا عن القاهرة والمدن الرئيسية. في الريف والعشوائيات، حيث تتراكم المشكلات السكانية، وضعف المرافق، والبعد عن الخدمات، تصبح المرأة مسؤولة عمليًا عن إدارة نقص دائم في الماء والنقل والصحة والتعليم والطعام والأمن.

أما النساء ذوات الإعاقة، فهن يتعرضن لطبقة أخرى من الاستبعاد، إذ تتداخل الإعاقة مع الجندر والفقر والنظرة الأبوية، فلا تكون المشكلة فقط في الوصول إلى التعليم والعمل، بل في الحق في التنقل والخدمة والرعاية والقدرة على الإفصاح عن العنف أو المطالبة بالحقوق. وفي المناطق الحدودية والنائية، تضاعف الجغرافيا نفسها هذه المعضلات عبر ضعف الدولة، وندرة فرص العمل، وبعد الخدمات، وتكاثر العلاقات الاجتماعية التقليدية التي تُبقي النساء تحت رقابة أعلى ومخاطر أكبر. لذلك فـ«المرأة المصرية» ليست كتلة واحدة، بل موقع طبقي وجغرافي وجندري متباين، لكن ما يجمع هذه المواقع هو أن الأزمة الاقتصادية الراهنة تضاعف مشكلاتهن جميعًا.

الاقتصاد وإعادة الإنتاج

يستفيد النظام الرأسمالي، وبالأخصّ في المجتمعات الأكثر تأخرًا مثل مصر، من العمل المنزلي غير مدفوع الأجر، لأنه يخفف كلفة إعادة إنتاج قوة العمل. فالطعام، والتنظيف، وتربية الأطفال، ورعاية المرضى وكبار السن، والمتابعة المدرسية، والوقت العاطفي، كلها أعمال لا تُحسب في الأجر، لكنها ضرورية لكي يعود العامل إلى السوق في اليوم التالي بوصفه قادرًا على العمل. وهذه المهمة تُلقى تاريخيًا على النساء. وفي مصر، تُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن النساء في مصر يقضين تقريبًا خمس ساعات ونصف يوميًا في أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع، مقابل نصف ساعة تقريبًا للرجال، أي فجوة قدرها 4.8 ساعة يوميًا. وهذه الفجوة ليست مجرد «عدم مساواة في الأدوار»، بل هي آلية اقتصادية صريحة تخفض كلفة الرأسمال والدولة والأسرة على حساب وقت المرأة وحياتها وفرصها.

هذه الحقيقة تفسر جانبًا من تدني مشاركة النساء في سوق العمل، لكنها تفسر أيضًا شكل مشاركة من يدخلن منهن. فالمرأة لا تدخل السوق كفرد حر تمامًا، بل كمن تتحمل في الخلفية أعباء منزلية مضاعفة تجعلها أكثر عرضةً للعمل الجزئي، والوظائف الأقرب للمنزل، والأجور الأقل، والتضحية بالمهنة عند أول أزمة رعاية. ولهذا، فإن الحديث عن «اختيار» النساء للبقاء خارج العمل المأجور في مصر يجب أن يُقرأ بحذر؛ فجزء كبير من هذا «الاختيار» مصنوع اجتماعيًا عبر غياب الحضانة والنقل والرعاية ودعم الأمومة وتقاسم العبء المنزلي.

لعبت الخصخصة والتقشف وتراجع الخدمات العامة، وبالأخص خلال العقد الأخير، دورًا كبيرًا في زيادة هذه الحالة؛ فحين تتراجع الدولة عن الصحة والتعليم والإسكان والنقل والرعاية، لا يختفي العبء، بل ينتقل إلى المنزل، أي إلى النساء في الأغلب.

والأسرة هنا تتحول إلى وحدة امتصاص للأزمات، فتغطي قصور الدولة في الرعاية والتعليم والعلاج والغذاء، بينما تبقى هذه الأعباء غير مدفوعة وغير مرئية في الحسابات الرسمية. وفي سياق تضخم مرتفع وغلاء معيشة متواصل، تصبح الزيادة في الأسعار ليست مجرد مسألة استهلاك، بل مسألة تنظيم يومي للحياة داخل الأسرة. النساء هن الأكثر التصاقًا بهذا التنظيم، ولذلك يصب التضخم في جهد يومي إضافي عليهن في توفير الطعام والدواء والمواصلات والملبس والدراسة بطريقة تتناسب مع دخل الأسرة الثابت والمتراجع في بعض الحالات.

كما أن تقليص الوظائف العامة، ومحدودية الاستثمار في القطاعات كثيفة التشغيل، وارتفاع كلفة النقل والعمل، كلها تجعل المرأة أقل قدرة على الدخول والعمل والاستمرار. ومن المؤسف والمخيف أيضًا أن يشير البنك الدولي – أحد أهم الدائنين لمصر في السنوات الأخيرة – إلى أن سد فجوة التشغيل بين النساء والرجال في مصر يمكن أن يرفع الاقتصاد بنحو 56%، وهو رقم يكشف ليس فقط «خسارة النساء»، بل خسارة المجتمع كله حين تُهدر طاقات نصفه تقريبًا. إلا أن هذا الطرح، رغم صحته الاقتصادية، يبقى محدودًا إن لم يُقرأ ضمن علاقات القوة والطبقة؛ لأن الرأسمالية لا تبحث عن تحرير النساء كهدف أخلاقي، بل عن دمجهن في السوق وفق شروط ربحية، وغالبًا دون تفكيك البنية التي تعيد إنتاج التمييز.

العنف والهيمنة

العنف ضد المرأة في مصر لا يمكن اختزاله في «سلوك فردي منحرف»، بل ينبغي فهمه كظاهرة اجتماعية متجذرة في الأسرة، والقانون، والسوق، والخطاب الثقافي، وتوزيع السلطة. فالعنف الأسري لا ينفصل عن تصور أبوي يمنح الرجل سلطة رمزية ومادية داخل البيت، ويعزّزها ضعف الحماية الاجتماعية، وقلة مراكز الإيواء، وضعف الإنفاذ القانوني. والتحرش الجنسي لا ينفصل عن سيطرة الذكور على الفضاء العام، وعن طريقة تنظيم النقل والعمل والجامعة والشارع بما يجعل الجسد الأنثوي موضع رقابة دائمة.

في مصر، لا تزال جرائم العنف الجسدي والجنسي والجنساني تعكس فجوة بين النصوص والتطبيق. فالقوانين الخاصة بمكافحة التحرش والعنف الجنسي خطوة مهمة، لكن أثرها يظل محدودًا حين لا يترافق ذلك مع إنفاذ فعلي، ومؤسسات شرطة وقضاء قادرة على الاستجابة، وحماية للضحايا من الوصم، وبيئة تقلل التبعية الاقتصادية التي تجبر كثيرات على الصمت. ويزيد العنف الاقتصادي هذا المشهد تعقيدًا، إذ تُحرم بعض النساء من التحكم في الدخل أو الميراث، أو يُستخدم الإنفاق والتهديد بالفقر كأداة ضبط داخل العلاقة الأسرية.

أما الاغتصاب الزوجي، فمحدداته ترتبط بثقافة الملكية الزوجية على الجسد، وضعف الاعتراف القانوني والاجتماعي باستقلالية المرأة داخل الزواج. والابتزاز الإلكتروني يضيف شكلًا جديدًا من الهيمنة، يستغل هشاشة السمعة ورجعية المجتمع وضعف الأمان الرقمي، خصوصًا لدى الشابات. وفي ما يتصل بـ«جرائم الشرف»، فالمشكلة ليست في غياب الرادع وحده، بل في البنية الثقافية والتشريعية التي تمنح القتل أو الاعتداء شرعية رمزية باسم «السمعة» و«العائلة»، بما يعكس نظامًا اجتماعيًا يرى جسد المرأة حاملًا لشرف جماعي يُعاقَب عليه الفرد الأنثوي.

الزواج القسري والزواج المبكر وختان الإناث ليست بقايا ثقافية منعزلة عن العصر، بل تعبيرات عن علاقات سلطة تُعيد إنتاج السيطرة على الجسد الأنثوي من خلال الأسرة والتعليم والدين والتقاليد. وقد أظهرت مصادر أممية وحقوقية أن ختان الإناث ما يزال واسع الانتشار في مصر، إذ تشير بيانات متداولة في 2021 إلى أن 86% من النساء المتزوجات بين 15 و49 عامًا خضعن له، مع نسب مرتفعة أيضًا بين الفتيات الأصغر سنًا. هذا يعني أن مكافحة هذه الممارسة لا تكون بالموعظة فقط، بل بتغيير شروط الاجتماع التي تجعلها ممكنة ومقبولة.

الفقر والتعليم والصحة

الفقر بين النساء ليس مجرد امتداد لفقر عام، بل يتخذ شكلًا أكثر حدة، وبالأخص في الأسر التي تعولها نساء، وفي المناطق الريفية والعشوائية، وبين العاملات غير الرسميات ومن لا يملكن أصولًا أو حماية اجتماعية.

صحيح أن الوصول إلى رقم وطني دقيق ومحدث عن نسبة الفقر بين الأسر التي تعولها نساء يظل محدودًا في المصادر المفتوحة المتاحة، لكن المتابعة الدقيقة لأحوال المصريين تشير بوضوح إلى هشاشة هذه الأسر أكثر من الطبيعي بسبب ارتفاع عبء الإعالة، وتدني المشاركة الاقتصادية، وانكشافها على الصدمات، بالإضافة إلى الأعباء المضاعفة للأسر ذات الإعالة النسائية عندما يتقاطع ضعف التعليم مع الإعاقة أو كثرة الأطفال أو المرض المزمن.

في التعليم، لا تزال الفجوة ليست فقط في الالتحاق، بل في الاستمرار والجودة والقدرة على التحول إلى استقلال اقتصادي. وتبقى الأمية بين النساء، خاصة في الأجيال الأكبر سنًا وفي الريف، مؤشرًا مهمًا على استمرار الاستبعاد التاريخي. كما أن التسرب المدرسي لا يُفهم بمعزل عن الفقر والزواج المبكر والعمل المنزلي والبعد الجغرافي وضعف النقل المدرسي، ما يجعل الفتاة أول من يدفع تكلفة الأزمة الأسرية. والتعليم الذي لا يفضي إلى أمان اقتصادي أو اجتماعي يتحول عند كثيرات إلى عبء مزدوج؛ فهو يحمّل الأسرة نفقات إضافية، لكنه لا يضمن للفتاة مستقبلًا أفضل.

أما الصحة، وبخاصة الصحة الإنجابية، فهي تكشف منطق التفاوت الطبقي بوضوح. فالرعاية الصحية المجانية أو الميسورة ليست متاحة عمليًا على قدم المساواة، بينما تبقى الأعباء المرتبطة بالحمل والولادة وتنظيم الأسرة والكشف المبكر عن الأمراض ومتابعة الأطفال أكثر ثقلًا على النساء الفقيرات. وبدون منظومة صحية عامة قوية، تتحول الرعاية الإنجابية إلى سوق، وتتحول المرأة إلى متلقية لخيارات محدودة تحددها القدرة المالية ومكان السكن ونوعية العمل. وعندما تتراجع الخدمات العامة، يزداد ضغط الرعاية على الأسرة، أي على النساء تحديدًا.

نقد المقاربات وبناء تصور نضالي شامل

النسوية الليبرالية تقدّم مساهمة مهمة حين تفضح التمييز وتطالب بالمساواة القانونية والتمثيل وفتح الفرص، لكنها كثيرًا ما تتوقف عند سقف الإصلاح داخل البنية القائمة. فهي تميل إلى تصور أن المشكلة الأساسية تكمن في نقص الإدماج، لا في نمط الإنتاج وإعادة الإنتاج الذي يحدّد شروط الإدماج نفسه. وعندما تُختزل القضية في «تمكين» نساء من الطبقة الوسطى أو الصاعدة، يصبح نجاح البعض دليلًا زائفًا على تحسن وضع الكل، بينما تبقى العاملات والفلاحات والفقيرات خارج المعادلة.

أما التيارات المحافظة فتتعامل مع اضطهاد المرأة بوصفه انحرافًا أخلاقيًا أو أزمة سلوك فردي، وتردّ الحل إلى «الأسرة» و«الضبط» و«الاحتشام» و«العودة إلى القيم والدين». هذه المقاربة لا تكتفي بإخفاء البنية الطبقية، بل تعززها، لأنها تحمّل النساء مسؤولية العنف الواقع عليهن وتمنح السلطة الاجتماعية القائمة غطاءً أخلاقيًا. وهي أيضًا تتجاهل أن كثيرًا من صور العنف ليست نتيجة «حداثة مفرطة»، بل نتيجة استمرار أنماط أبوية تقليدية تتعايش مع السوق والنيوليبرالية دون تناقض.

أما الرؤية التي تكتفي بالإصلاح القانوني فتنطلق من افتراض أن القانون، إذا صيغ جيدًا، يكفي لإنتاج المساواة، لكن القانون في مجتمع طبقي ليس قوة محايدة؛ إنه إطار ينظم التوازنات القائمة ويعبّر عن قدرة قوى معينة على الفرض والإنفاذ، ويمثل إحدى أدواتها للسيطرة. لذلك، فالإصلاح القانوني ضروري، لكنه لا يكفي. من دون خدمات عامة، ونقابات، وأجور عادلة، وحماية من الفصل، ونقل آمن، وحضانات، ورعاية صحية، وتعليم جيد، ستظل كثير من النساء عاجزات عمليًا عن الاستفادة من النصوص القانونية حتى لو كانت متقدمة.

إن البرنامج النضالي المطلوب لا يجب أن يفصل بين المعركة اليومية والتحول الاجتماعي الأوسع. فالمساواة الكاملة أمام القانون ليست مطلبًا رمزيًا، بل شرطًا لإسقاط البنية التي تنتج التمييز في الأجور، والوظائف، والميراث، والحضانة، والحماية من العنف. والمساواة في الأجور لا تعني فقط إعلانًا عامًا، بل آليات رقابية حقيقية، وشفافية في الأجور، وعقوبات على التمييز. كما أن تجريم العنف ضد المرأة يجب أن يقترن بقدرة فعلية على التبليغ، وحماية الضحايا، وملاجئ آمنة، ومساعدة قانونية، وإجراءات سريعة وفعالة.

حماية العاملات تعني حظر الفصل بسبب الحمل أو الأمومة، وتوسيع إجازات الأمومة والأبوة، وضمان حد أدنى من الرعاية أثناء العمل وبعده، وفرض معايير السلامة المهنية في المصانع والزراعة والخدمات، وتنظيم عمل المنازل بحيث لا يبقى خارج الحماية. وتعني أيضًا حقًا فعليًا في التنظيم النقابي للنساء في القطاعات كافة، بما فيها القطاع غير الرسمي، حتى لا تبقى النساء منفصلات عن أدوات الضغط الجماعي.

وتوسيع الحضانات العامة ليس خدمة ثانوية، بل تدخل اقتصادي مباشر يخفف عبء إعادة الإنتاج الاجتماعي، وكذلك خدمات رعاية كبار السن، لأنها تنقل الرعاية من عزلة الأسرة إلى مسؤولية اجتماعية مشتركة. والنقل الآمن شرط من شروط دخول النساء سوق العمل والتعليم والحياة العامة، كما أن السكن اللائق والرعاية الصحية المجانية جزء من البنية التي تجعل المساواة ممكنة ماديًا، لا قانونيًا فقط.

أما النساء في الاقتصاد غير الرسمي، فيجب أن يُنظر إليهن بوصفهن عاملات حقيقيات لا بوصفهن فئة هامشية. ويستلزم ذلك التغطية التأمينية والصحية، والتدرج نحو الإدماج المنظم، وحمايتهن من الجباية التعسفية والابتزاز، وإتاحة التمويل والتراخيص والحماية من التحرش والاعتداء. وفي الريف، يتطلب نضالنا دعمًا مباشرًا للعاملات الزراعيات والفلاحات الصغيرات، والبنية التحتية للخدمات، والنقل، ومياه الشرب، والرعاية الصحية، والتعليم القريب، بما يقلل التبعية الاقتصادية والاجتماعية داخل القرية والأسرة.

الاشتراكية وتحرر المرأة

الاشتراكية الثورية لا تعد بإلغاء جميع أشكال الاضطهاد فورًا، لكنها تقدم الشروط المادية الأكثر واقعية لتوسيع المساواة بين النساء والرجال. فحين تتوسع الخدمات العامة، وتُجعل الرعاية مسؤولية جماعية، ويتقلص العمل المنزلي غير المدفوع، وتُبنى مؤسسات جماعية للأطفال وكبار السن، ويتحول الحق في العمل اللائق إلى حق مضمون لا امتيازًا طبقيًا، تتغير شروط الحرية اليومية نفسها. عندها لا تعود المرأة مضطرة إلى الاختيار بين الاستقلال الاقتصادي والرعاية الأسرية، ولا بين التعليم والأمومة، ولا بين الأمان والعمل.

لكن هذه الإمكانية لا تتحقق بالقرار السياسي وحده؛ فحتى في مجتمع اشتراكي، ستظل بقايا الثقافة الأبوية قائمة، وستظل هناك حاجة إلى نضال اجتماعي وقانوني وثقافي طويل ضد العنف والتمييز والعادات التي تعيد إنتاجه. ومع ذلك، يبقى الفرق الجوهري أن الاشتراكية تنزع من السوق والدولة الرأسمالية أدواتها الأساسية في تعميق التفاوت، وتفتح المجال أمام تنظيم جماعي للحياة يقلل اعتماد النساء على الأسرة كبديل عن المجتمع.

إن دمج النساء الكامل في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرط لتقدم المجتمع كله؛ فكلما بقي نصف المجتمع محاصرًا في العمل غير المدفوع، بقي المجتمع عاجزًا عن تحقيق طاقته التاريخية. ومن هنا، فإن قضية المرأة ليست فرعًا من «القضية الاجتماعية»، بل أحد مفاتيحها المركزية. والاشتراكية هنا لا تُفهم كهوية خطابية، بل كبرنامج لإعادة توزيع العمل والسلطة والموارد، بحيث تصبح المساواة شرطًا ماديًا للحياة اليومية لا شعارًا فوقيًّا.

وفي إطار مفهومنا الاشتراكي لتحرر المرأة، لا تُطرح الحقوق بوصفها امتيازات تُمنح من فوق، بل بوصفها شروطًا لازمة لإنهاء التبعية التاريخية التي فُرضت على النساء داخل الأسرة والسوق والدولة. ولذلك، فإن حق المرأة في الإنجاب الحر، وفي الإجهاض الآمن والمضمون قانونًا، وفي الزواج القائم على الرضا الكامل، وفي الانفصال متى انتفت الإرادة المشتركة، وفي المساواة الكاملة في الميراث وسائر الحقوق المدنية، ليست مطالب جزئية منفصلة، بل حلقات مترابطة في معركة واحدة ضد البنية الأبوية التي كرستها الملكية الخاصة وعلاقات الاستغلال الاجتماعي. فطالما بقيت الملكية الخاصة، وبقيت الأسرة تُحمَّل بوظائف الرعاية وإعادة الإنتاج بدل المجتمع، ستظل حرية النساء منقوصة، وستبقى الحقوق القانونية وحدها عاجزة عن تحريرهن من الضغوط المادية والرمزية التي تعيد إنتاج الخضوع يوميًا. إن الاشتراكية، من هذا المنظور، لا تعد بإنهاء التمييز بقرار واحد، لكنها تفتح الطريق نحو مجتمع تُنزع فيه الرعاية من العزلة المنزلية، وتُعاد فيه صياغة العلاقة بين الجنسين على أساس المساواة الفعلية، لا على أساس التبعية والميراث والهيمنة.

إن النضال ضد التمييز الجندري والنضال ضد الاستغلال الطبقي ليسا مسارين متوازيين يمكن فصلهما، بل هما جبهتان داخل صراع اجتماعي واحد على شكل المجتمع ومستقبله. فكل انتصار حقيقي للنساء يضعف في الوقت نفسه أحد أعمدة إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية، وكل تراجع عن العدالة الاجتماعية ينعكس فورًا على النساء بوصفهن الفئة الأكثر التصاقًا بأعباء الرعاية والعمل الهش والعنف اليومي. لذلك، فإن الدفاع عن حقوق النساء ليس قضية ثانوية ولا ملحقًا أخلاقيًا، بل جزء أساسي من مشروع تحرري أشمل يهدف إلى مجتمع أكثر عدالة ومساواة وكرامة للجميع.


https://soc-rev-egy.org/2026/08/07/%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d8%aa%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1/



#تيار_الثورة_الاشتراكية (هاشتاغ)       Socialist_Revolution_Current#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسيّرة دمياط وبيع الوهم للمصريين.. تساؤلات في عقل مواطن فرض ...
- المغامرة بالحياة أقل كلفة من الحياة نفسها
- الشق قبل الضغط: في تشريح ما لا يسقط بالهتاف
- زيادة أسعار الكهرباء مجددًا.. المواطن يدفع ثمن فشل النظام
- بشأن استهداف مسيرة لمنشأة أمريكية في ميناء دمياط: بناء مشروع ...
- هنا غزة: إبادة مستمرة تحت غطاء مجلس السلام العالمي
- تضامنًا مع الاحتجاجات الشعبية في تونس
- السيسي يلهيك واللي فيه يجيبوا فيك
- هل كان بمقدورنا إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في 2013؟ (3) درو ...
- هل كان بمقدورنا إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في 2013؟ (2) تهي ...
- هل كان بمقدورنا إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في 2013؟ (1) كيف ...
- في ظل حكم العسكر: بات العمل أقرب إلى السُّخرة
- الحرية لأحمد دومة: الثورة وحدها قادرة على تحرير مجتمعنا من ا ...
- بيان: إشادة باعتذار الحركة المدنية ورفض للمحاولات المشبوهة ب ...
- التنظيم كقوة مادية: لماذا تنتصر الشبكات على المبادئ؟
- تصاعد القمع الحكومي وتصاعد الاحتقان الشعبي؛ المجتمع على حافة ...
- فلسطين 78 عام من النكبة والإبادة المستمرة
- لا للدفاع عن الإمارات، القاعدة المتقدمة لإسرائيل في الخليج ا ...
- طموح النظام الإيراني وتحدّيه للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية؛ ...
- بيان: الحرية لأحمد دومة، الحرية للمعتقلين، الحرية لمصر


المزيد.....




- المملكة المتحدة: نساء يروين لبي بي سي قصص اغتصاب وإساءة في ك ...
- التشيك.. قطار يسحب امرأة لمسافة بعيدة أثناء محاولتها إنقاذ ط ...
- التشيك.. قطار يسحب امرأة أثناء محاولتها إنقاذ طفلها لمسافة ب ...
- ديشاوندري واشنطن.. متهم باعتداءات جنسية وبطل في الملاعب اللب ...
- رئيسة القومي للمرأة تتوجه بالشكر لمحافظ كفر الشيخ لدعمه الصي ...
- عزيزي عمرو دياب.. من أين جئت بصورة البنات في “لولا البنات”؟! ...
- بعد أشهرٍ من اعتقالها.. وفاة المخرجة نيلوفر حدادي والتحقيقات ...
- النرويج.. سجن امرأة بسبب اسم ابنها غير المألوف
- أسماء علي أول قاضية يمنية على منصة المحاكم الأميركية
- المغرب: وسط موجة العبور.. تحقيق في اغتصاب قاصر بسبتة


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - تيار الثورة الاشتراكية - الثورة الاشتراكية على طريق تحرير المرأة – إلى ابنتي التي لم نستقر على تسميتها بعد