أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - كرار عيسى عبد الحسين - عندما يتحوّل الرأي الأعلامي إلى غطاء للجريمة














المزيد.....

عندما يتحوّل الرأي الأعلامي إلى غطاء للجريمة


كرار عيسى عبد الحسين

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 00:28
المحور: حقوق الانسان
    


منذ أن أعلنت قيادة شرطة الديوانية عن توقيف ضابط وثلاثة منتسبين على خلفية اتهامهم بالاعتداء الجنسي على محتجزة تبلغ من العمر ٢٦ عاماً، بعد أن تبيّن أن إطفاء كاميرات المراقبة لم يكن عارضاً بل تعمّداً للتغطية على الجريمة، خرج علينا الإعلامي حيدر الحمداني بادعاء يقلب المعادلة: أن ما جرى كان برضا الفتاة، وأنها هي من "أغوت" الضابط والمنتسبين لا العكس.
هذا الادعاء، على خطورته، يستحق أن يُفكَّك بالمنطق قبل أن يُرفض بالعاطفة وحدها.
أول سؤال يفرض نفسه: ما الدليل؟ حين يطلق صحفي أو صانع محتوى حكماً يقلب تهمة اعتداء جنسي جماعي إلى علاقة رضا، فإنه يتحمّل عبء إثبات غير عادي. فهل استند الحمداني إلى تحقيق مستقل؟ إلى شهادة موثقة أدلت بها الفتاة أمام جهة محايدة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه قراءة شخصية لواقعة لا يملك عنها من المعطيات ما تملكه لجنة التحقيق الرسمية ولجنة حقوق الإنسان في الديوانية نفساهما؟
وحتى لو صرّحت الفتاة بما يشبه هذا الكلام، فالسؤال الأهم لا يتعلق بوجود التصريح، بل بشروط إنتاجه. فالمحتجزة، بحكم موقعها، لا تتكلم من موقع الندّية، بل من موقع من تعرف أن مصيرها، وربما سلامتها الجسدية وحريتها، بيد من تتحدث عنهم. هذا ليس افتراضاً أخلاقياً عائماً بقدر ما هو مبدأ تقرّه أغلب التشريعات الحديثة: أي علاقة جنسية بين موظف مكلّف بحراسة شخص محتجز وبين ذلك المحتجز تُعامَل بوصفها انتهاكاً بحكم موقع السلطة، بصرف النظر عمّا يُقال إنه "رضا" — لأن الرضا الحقيقي يفترض طرفين حرّين في القرار، لا طرفاً يملك كل أدوات الإكراه (الزنزانة، التقرير، قرار الإفراج) وطرفاً لا يملك حتى قرار مغادرة الغرفة.
نعم، الإغواء موجود في العلاقات الإنسانية، والقول إن النساء "لا يُغوين" ليس ادعاءً يريد هذا المقال الدفاع عنه. لكن الإغواء، كمفهوم، يفترض ندّية نسبية بين طرفين: كلاهما قادر على الرفض دون ثمن باهظ. فكيف تُغوي سجينة سجّانها وهي التي لا تملك قرار الخروج من الغرفة التي تُحتجز فيها؟ ولماذا لا يُطرح السؤال المعاكس بالقدر نفسه من الجدّية: أليس محتملاً أن من استغلّ موقعه واستخدم سلطته وربما هدّد، هو من كان في موقع "الإغواء" الفعلي، بينما لم يكن أمام الطرف المستضعف من خيار سوى الاستسلام لظروف لا يعلمها الحمداني؟
إن الخلل البنيوي في خطاب الحمداني يكمن في إنه يستعير مفردات علاقة بين ندّين — الإغواء، الرضا، الرغبة المتبادلة — ليصفها بها علاقة بين سجّان وسجينة، حيث الطرفان غير متكافئين بالتعريف. وهذا ليس مجرد خطأ في التوصيف. إنه إعادة إنتاج لعلاقة القوة ذاتها التي مكّنت من وقوع الانتهاك أصلاً. وربما لا تبتعد الواقعة كثيراً عمّا نبّه إليه ميشيل فوكو حين ربط بين المراقبة والانضباط: فالكاميرا، بوصفها الرادع الوحيد أمام سلطة مطلقة على جسد عزل عن أي حماية، حين تُطفأ عمداً، فإن من يُطفئها لا يخشى عادة فضيحة رضا مشروع. إنه يخشى فضيحة انتهاك يريد إخفاءه.
والسؤال الأخير، وهو الأهم: هل قام حيدر الحمداني، بوصفه إعلامياً، بواجبه المهني؟ هل استقصى، وسمع الطرفين، وتحقق من مصادره، ثم توصّل إلى أدلة دامغة تنسف رواية التحقيق الرسمي ووزارة الداخلية ولجنة حقوق الإنسان مجتمعة؟ إن كان كذلك، فعليه واجب واحد لا غير: أن يعرض هذه الأدلة أمام الرأي العام، لا أن يكتفي بحكم يعفي أطرافاً متهمة بجريمة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. أما إن لم تكن لديه أدلة كهذه، فإن ما قام به ليس صحافة، بل مشاركة في إعادة تدوير الجريمة عبر تحميل الضحية المفترضة مسؤولية ما جرى لها — وهو من أقدم أساليب إفلات الجناة من المحاسبة، وأكثرها فتكاً بثقة المجتمع بمؤسساته العدلية والإعلامية معاً.
القضية ما تزال أمام القضاء، والمتهمون ما يزالون متهمين لا مدانين، وهذا حق يُصان لهم. لكن الحق نفسه يُصان، بل يجب أن يُصان أولاً، لفتاة وجدت نفسها محتجزة خلف كاميرات أُطفئت عمداً. ومن يريد أن يتحدث باسم "الحقيقة" عليه أن يقدّم إثباتاً يوازي حجم اتهامه، لا أن يستبدل غياب الدليل بجرأة العنوان.



#كرار_عيسى_عبد_الحسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لستَ تقرأه بشكلٍ صحيح: خمس أفكار ستغيّر نظرتك إلى النص الأدب ...
- صدى المهمَّش: جوائز الايمي وتفكيك الخطاب الجمعي العربي


المزيد.....




- القومي لحقوق الإنسان يشارك في مؤتمر المصريين بالخارج ويؤكد أ ...
- نايجل فاراج يعتزم استخدام البحرية البريطانية لصد قوارب المها ...
- ترامب يهاجم المهاجرين ويحذر أوروبا
- وزيرة التضامن توجه بتفعيل خطة الطوارئ لفرق الإغاثة  بالمحافظ ...
- -أنت كلب مجرم! وأنت مثير للشفقة!-.. بن غفير ومحامي الأونروا ...
- سجال إسباني–إسرائيلي بعد تدفق المهاجرين إلى سبتة.. كيف دخلت ...
- اعتقال معلم بسبب التصفيق خلال اجتماع مثير للجدل في كانساس‌
- وكيل الخارجية الفلسطينية: جرائم الاحتلال بحق الأسرى لن تسقط ...
- حزب الإصلاح البريطاني يطلق -عملية الحصن- العسكرية لمواجهة قو ...
- آلاف المهاجرين ما زالوا في سبتة الإسباني بعد موجة التدفق من ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - كرار عيسى عبد الحسين - عندما يتحوّل الرأي الأعلامي إلى غطاء للجريمة