|
|
حصاد التطور الرأسمالي خلال فترة الاستعمار البريطاني (2/2)
تاج السر عثمان
الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 09:47
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
١ حصاد التنمية الاستعمارية ( 1898 _ 1956 م ) بعد إلغاء نظام الرق وإدخال العمل المأجور وصدور قوانين ملكية الأرض ، تم تمهيد الطريق لقيام تشكيلة اقتصادية _ اجتماعية تابعة ، أي خاضعة لاحتياجات بريطانيا ومد مصانعها بالقطن الذي كان المحصول النقدي الرئيسي في تلك الفترة .. وقامت مشاريع زراعة القطن في السودان لتلبية ذلك الاحتياج الخارجي ، ونجحت زراعة القطن في الجزيرة والقاش وطوكر والنيل الأبيض وشمال الخرطوم وجبال النوبا ومنطقة الزاندى بجنوب السودان . ومن ثم زاد حجم الأقطان المصدرة إلى إنجلترا ، وبهذا الشكل تحول السودان إلى مزرعة قطن كبيرة .. ودارت كل عجلة التنمية الاستعمارية حول القطن ، فقام خزان سنار وحفرت الترع الرئيسية والفرعية ، وقامت شبكة متكاملة من مناطق الإنتاج في الجزيرة وغيرها إلى الخرطوم وبور تسودان ، كما قامت المحالج اللازمة ، حتى يتم تصدير القطن خاليا من البذرة . وفى مشروع الجزيرة كانت الإدارة والحكومة تستحوذ على 60 % من عائد القطن ، وفى مشاريع القاش وطوكر كانت الحكومة تستحوذ على 50 % ، أما في جبال النوبا فقد كانت الحكومة على 80 % من عائد القطن .. وفى المشاريع الخاصة كانت أدوات الإنتاج : طوريه ، منجل ، نجامة ، ملود ، محراث ، .. الخ ، وهى أدوات الإنتاج نفسها التي استخدمها المزارع السوداني منذ آلاف السنين .. لم تكن التنمية الاستعمارية متوازنة ، فنرى شمال السودان ووسطه هو الذي نال نصيب الأسد من تلك المشاريع (( مشروع الجزيرة ، مشاريع الإعاشة ، مشاريع الطلمبات في الشمالية )) كما نلاحظ مشروعين فقط في الشرق هما مشروعا القاش وطوكر .. وفى إقليم كردفان مشروع واحد هو مشروع جبال النوبا .. أما الجنوب فلم يحظ ألا بمشروع واحد هو مشروع الزاندى والذي توقف بعد أحداث التمرد 1955 م . ٢ أحكمت بريطانيا سيطرتها على تجارة السودان الخارجية من خلال سيطرة البنوك الأجنبية التي كانت تتحكم في راس المال في اتساعها وانكماشها .. كما كانت الشركات البريطانية تسيطر على معظم تجارة الصادر والوارد ، أما ما تبقى فقد سيطرت عليه الشركات الأجنبية الأخرى (( الأجانب المتسودنين )) من يونانيين وشوام ، والجزء الضئيل المتبقي للنشاط التجاري فقد عملت فيه الرأسمالية السودانية المحلية .. ولقد سيطرت بريطانيا على المواد الخام التي يصدرها السودان خاصة القطن حيث بلغ نصيبها منه في السنوات 1926، 1927، 1929، 1930، 1932، 1940، 1946، 1952 م ( د. زكى البحيري : التطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان ، ص 520 ) وكان نصيبها في باقي السنوات كبيرا يزيد عن 60 % ولكنه قل قرب نهاية الحكم الاستعماري ، وكان القطن يشكل 63 % عام 1955م ، وكان 72 % من عائد صادرات السودان عام 1956 تتجه إلى أوربا الغربية وأمريكا الشمالية و50 % من الواردات تأتينا منها ، وباقي الصادرات والواردات تستولي عليها الهند مصر . أي أن الاقتصاد السوداني ، كان في ارتباط وثيق مع النظام الرأسمالي العالمي ، كما أن مجموع الصادرات والواردات يعادل حوالي 40 % من أجمالي الناتج المحلى . ٣ كان المستعمر البريطاني ينهب الاقتصاد نهبا كبيرا من خلال حصوله على الأقطان السودانية اللازمة لمصانع لانكشير بأسعار متواضعة اقل من أسعار السوق العالمية . فخلال الحرب العالمية الثانية مثلا عقدت بريطانيا صفقة مع حكومة السودان حصلت بمقتضاها على كل الأقطان المنتجة بسعر 4.5 جنية في المتوسط للقنطار في الوقت الذي كان فيه سعر السوق مضاعفا ، واشترت بريطانيا خلال هذه الفترة 7 مليون قنطار وبذلك نهبت السودان نصف ثمن أقطانه قدرها بعض الباحثين بثلاثة مليون من الجنيهات ، هذا إضافة لنهب آخر مقداره 25 مليون الجنيهات نتيجة شراء الماشة بأسعار مخفضة خلال الحرب العالمية الثانية ( د . زكى البحيري : المرجع السابق ، ص ، 521 ) ، هذا إضافة للأرباح الهائلة التي كانت تحققها الشركة والحكومة في مشروع الجزيرة ، مثلا فقد بلغ نصيب الشركة في الفترة ( 1946 _ 1950 م ) 26.90 مليون جنية مصري ، بينما بلغ نصيب المزارعين خلال الفترة نفسها 16.57 مليون مصري ( جيتسكل : مشروع الجزيرة ) . هذا إضافة إلى أن معظم الأرباح التي حققتها شركة السودان الزراعية تم تحويلها إلى خارج البلاد في شكل عائدات لاصحاب الأسهم ، ويلاحظ أن أجمالي أرباح الشركة في السنوات الأربع الأخيرة ( 1947 _ 1950 م ) من في السودان كانت اكثر من 9.500.000 جنية إسترليني ( تيم نبلوك : صراع السلطة والثروة في السودان ، ص ، 29 _30 ) ، أي أن الاستعمار كان ينهب ويستنزف قدرات البلاد الاقتصادية ، ويصدر الفائض الاقتصادي اللازم لتنمية البلاد إلى الخارج ، وفى النهب أيضا ترد مرتبات كبار الموظفين والإداريين الإنجليز ، ففي عام 1945 م بلغ نصيب 771 موظفا إنجليزيا 61.3 %من إجمالي المرتبات في الميزانية، وعندما أحيل هؤلاء الموظفين للمعاش عام 1954 م تقاضوا تعويضا مقداره 1.590.00 جنية مصري ، وهذا النهب الاستعماري ، ومن كل النواحي ، يجعلنا نؤكد أن المستعمر جاء لينهب الشعب السوداني ، وبالتالي كان ذلك من أسباب تخلف السودان الاقتصادي والاجتماعي . ٤ ترتب على نمط التنمية التي فرضها المستعمر على السودان وهو التخصص في زراعة محصول نقدي واحد (( القطن )) أن تخلفت الصناعة ، وتم إجهاض أي محاولة من جانب الرأسمالية السودانية الناشئة لاقامة صناعة وطنية ، وذلك لان المستعمر كان يريد السودان سوقا لتصريف منتجاته الصناعية ، وفى هذا الخصوص كانت الضرائب الجمركية متدنية تماما ، كما هو الحال في البلدان الأخرى ، ولم ترفع نسبتها الابعد الحرب العالمية الثانية ، ومع ذلك فقد كانت النسبة العامة لرسوم الواردات حتى عام 1950 م في حدود 15 % فقط ، أي أن الصناعة المحلية لم تحظ بأي حماية جمركية ، وفى عام 1956 م ، كانت الصناعة الحديثة تساهم بأقل من 1 % من إجمالي الناتج المحلى ، وتستخدم حوالي 3 % من عموم القوى العاملة في البلاد ، لما أن نصيب الصناعة في عام 1956 م من إجمالي الناتج المحلى الإجمالي لا يتعدى مليونين و762 ألفا من الجنيهات مقابل 9.9 ملايين للقطاع الحرفي ، وكان نصيبها من القوى العاملة 12.257 ( الماركسية وقضايا الثورة السودانية، دار الوسيلة، 1987، ص، 70 )، أي نصيب الصناعة الحديثة اقل من ثلث نصيب الصناعة الحرفية التقليدية، ونشير هنا إلى أن نصيب الصناعة ( حديثة و حرفية ) كان 9 % من إجمالي الناتج المحلى. ٥ في عهد الاستعمار البريطاني اتسع نمط الإنتاج الرأسمالي ، أي نشأ قطاع حديث وسط محيط متلاطم من القطاع التقليدي ، أي أن نمط التنمية المذكور لم يحدث تغييرا عميقا في القطاع التقليدي ، وتشير إحصائيات عام 55 / 1956 م أن القطاع التقليدي كان يساهم ب 43.4 % ، وبالتالي ، فان حوالي 90 % من سكان البلاد كانوا مرتبطين بالقطاع التقليدي (( كرعاة ومزارعين بسطاء )) ، وحتى في القطاع الحديث ، فقد كانت دخول العمال والعمال غير المهرة متدنية ، كما أن عائدات المزارعين من القطن تكاد تكون صفرا ، أي أن دخولهم كانت في حد الكفاف . صحيح انه قامت المدن التجارية والصناعية والتي كان سكانها عام 1956 م حوالي 10 % من سكان السودان ، كما شهدت البلاد توسعا في الزراعة المروية والآلية والمواصلات والتعليم والخدمات الصحية ، ولكن رغم ذلك ظل حوالي 90 % من السكان مسجونا في القطاع التقليدي الذي يعتمد على أساليب الزراعة التقليدية وتربية الماشية . ورغم تدفق دخول كبيرة للحكومة من مؤسسات القطاع العام من مشروع الجزيرة ومشاريع القطن الأخرى والمحالج والسكك الحديدية والخطوط الجوية...الخ من الدخول إلا أن الضرائب كانت تمثل 64 % من الإيرادات الحكومية في عام 55 / 1956م. ورغم ذلك ، فأن معظم هذا العائد كان يذهب 40 % منه في شكل أجور للموظفين ( يستحوذ 61 % منها الموظفون البريطانيون ) . كما كان يذهب اكثر من 20 % من الإيرادات في سداد الديون مع فوائدها ، أما ميزانية التعليم فقد كانت متواضعة لا تتعدى 2 % من الميزانية عام 1938 م ، وميزانية الصحة بلغت 4 % ، أما نفقات قوة دفاع السودان فقد كانت 8.9 % في إجمالي ميزانية الحكومة . ٦ ورغم وجود فوائض والاحتياطيان العامة التي بلغت حوالي 7 مليون جنية عام 1947 م ، إلا أن الحكومة لم تعد استثمارها في مشاريع اقتصادية واجتماعية ، ولم يعرف السودان برنامج التنمية إلا في أعوام 1946 ، 1951 ، 1953 ، 1956 م ، بعد ضغط الحركة الجماهيرية ، وازدياد نمو الوعي الوطني الذي كان يطالب بزيادة ميزانية التعليم والخدمات الصحية وغير ذلك .
#تاج_السر_عثمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حصاد التطور الرأسمالي خلال فترة الاستعمار البريطاني (1/2)
-
دخول السودان في حلف أمن البحر الأحمر واستمرار التفريط في الس
...
-
مازال الحل في المزيد من الديمقراطية
-
في ذكراه ال ٨٠ كيف تصاعد عمل الحزب الشيوعي بعد ت
...
-
سد النهضة انحسار النيل
-
الذكرى ال ٥٥ لاستشهاد عبد الخالق محجوب
-
ما هي مصادر نهب الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية؟
-
في ذكرى تأسيسه ال ٨٠ ما هي سمات وإرهاصات نشاة ال
...
-
كيف تم نهب ثروات البلاد في فترة الاحتلال التركي للسودان؟
-
ماذا وراء اشتداد ضغوط واشنطن على حكومة بورتسودان باتهام الكي
...
-
ما هي دلالات اتساع التعامل بالنقد والعملة في مملكة الفونج؟
-
كيف يستمر نهب وتهريب الذهب وتمويله للحرب؟
-
استمرار الضغوط للتسوية في ظل احتدام الصراع الدولي حول الموار
...
-
كيف جاء اول اجتماع للجنة المركزية بعد مجازر ٢٢ ي
...
-
في ذكراه ال ٥٥ كيف تناول الحزب الشيوعي انقلاب
...
-
في ذكراه ال ٨٠ كيف كانت تجربة الصراع الفكري في ا
...
-
كيف تم غرس بذور التعليم الحديث في فترة الحكم التركي؟
-
في ذكراه ال ٨٠ كيف جاءت نشاة الحزب الشيوعي امتدا
...
-
كيف كانت البنية الاجتماعية لسلطنة دارفور؟ (1445- 1874)
-
كيف تطورت مسيرة رأس المال التجاري في مملكة الفونج؟
المزيد.....
-
مصر: زلزال ما قبل الفجر.. كل ما تريد معرفته عن الهزة الأرضية
...
-
ناقلتان محملتان بالنفط السعودي تعبران باب المندب وسط حصار ال
...
-
تحذير روسي: السلاح النووي خيار متاح لحماية الحلفاء
-
مصر.. مشاهد الذعر تتصدر السوشيال ميديا لحظة وقوع زلزال السوي
...
-
رسالة عراقية للكويت في ذكرى الغزو
-
علماء: تطور الدماغ البشري لا يواكب سرعة تطور الذكاء الاصطناع
...
-
طبيب أعصاب يحدد مخاطر حركة الرقبة المفاجئة على الأوعية الدمو
...
-
15 دقيقة فقط.. عادة قديمة تمنح الدماغ دفعة قوية من الطاقة
-
العلماء الروس يكتشفون أدلة جديدة على تصادم المجرات في كوكبة
...
-
مصر: زلزال قرب شرم الشيخ والهلال الأحمر يفعّل خطة الطوارئ
المزيد.....
-
علاقة السيد - التابع مع الغرب
/ مازن كم الماز
-
روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي
/ فاروق الصيّاحي
-
بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح
/ محمد علي مقلد
-
حرب التحرير في البانيا
/ محمد شيخو
-
التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء
/ خالد الكزولي
-
عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر
/ أحمد القصير
-
الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي
/ معز الراجحي
-
البلشفية وقضايا الثورة الصينية
/ ستالين
المزيد.....
|