أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غازي القصيبي - مرآة الوزير والمحارب: شهادة في كواليس الإدارة، صراع التنمية، ودهاليز السياسة















المزيد.....

مرآة الوزير والمحارب: شهادة في كواليس الإدارة، صراع التنمية، ودهاليز السياسة


غازي القصيبي

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 00:28
المحور: قضايا ثقافية
    


أن تعود إلى الحياة بعد غياب ممتد، لا يعني أنك تبحث عن رثاء جديد أو مجد شخصي قد ترفع عنه التراب. العودة الحقيقية هي أن تجلس في مقاعد المتفرجين، تتأمل الكراسي التي جلست عليها، والقرارات المصيرية التي وقعتها، والمعارك الإدارية الطاحنة التي خضتها، لترى بوضوح ماذا بقي من ذلك كله في نهر الزمن المتدفق. أنا غازي القصيبي، الرجل الذي أمضى جلّ عمره بين صرامة الإدارة، وجمر السياسة، وعواصف صناعة القرار التنموي. أكتب إليكم اليوم عبر "الحوار المتمدن" لا لأسرد ذكريات عابرة، بل لأقدم شهادة سياسية وإدارية معمقة من تكنوقراط عاش بقلب مثقف وعقل مسؤول، واجه البيروقراطية والجمود في زمن التحولات الكبرى.
في معمل الإدارة: التنمية كمعركة وجودية ضد الجمود والفساد
لم تكن الإدارة بالنسبة لي يوماً مجرد منصب وجاهي، أو كرسياً مريحاً يمنح صاحبه اللقب والنفوذ. لقد آمنت منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها معترك العمل العام أن الإدارة هي معركة وعي، ومواجهة يومية لكسر روتين البيروقراطية، وتفكيك العقليات التقليدية التي تقاوم التغيير بطبيعتها. عندما بدأت مسيرتي الإدارية في المؤسسة العامة للسكك الحديدية، ومن ثم عند توليّ وزارات الصناعة والكهرباء، والصحة، والمياه، وأخيراً العمل، كنت أدرك تماماً أن بناء الأوطان لا يمكن أن يتم بالشعارات الرنانة أو الوعود المؤجلة، بل بالخطط التنفيذية الصارمة، والمتابعة الميدانية الدقيقة، والمحاسبة بلا مجاملة.
إن تجسيد هذه التجربة في كتابي "حياة في الإدارة" لم يكن رغبة في استعراض الإنجازات، بل كان دليلاً عملياً وثق عوائق التنمية في مجتمع يمر بمرحلة طفرة اقتصادية مفاجئة. كنت أؤمن بالشفافية المطلقة، وكنت أتعمد القيام بالجولات التفتيشية المفاجئة في المستشفيات والمصانع والدوائر الحكومية دون موعد مسبق، لأنني كنت أرفض أن أرى الواقع بعيون المستشارين والمحيطين بالمسؤول، بل أردت رؤيته بعيون المواطن البسيط الذي يطلب الخدمة. الإدارة الناجحة، في نظري، هي التي تملك الشجاعة الأخلاقية والعملية لاتخاذ القرار الصعب في الوقت المناسب، حتى وإن كان هذا القرار مكلفاً على الصعيد الشخصي أو يثير حفيظة مراكز القوى التقليدية التي ترى في النظام والتحديث تهديداً لمصالحها المكتسبة.
كواليس السياسة والدبلوماسية: بين فن الممكن وثبات الموقف
في المقابل، فتحت لي السياسة أبواباً أخرى لفهم العالم وتوازناته. من خلال عملي الدبلوماسي كسفير للمملكة العربية السعودية في البحرين ثم في العاصمة البريطانية لندن خلال فترات حرجة من تاريخ المنطقة، تعلمت أن السياسة هي فن إدارة المصالح المعقدة، لكنها تفقد قيمتها الإنسانية والتاريخية تماماً إذا تجردت من المبادئ الأخلاقية والقومية. عشت في قلب أزمات كبرى عاصفة غيّرت وجه الشرق الأوسط، وعلى رأسها حرب الخليج الأولى والثانية والتحولات الجيوسياسية الشاملة التي أعقبت انهيار المعسكر الشرقي وبداية النظام الدولي أحادي القطب.
لقد كنت أرى الدبلوماسية أداة حيوية لبناء الجسور وتوضيح الرؤى وشرح القضايا العادلة أمام مجتمع دولي لا يعترف إلا بالقوة، لكنني في الوقت نفسه لم أتردد يوماً في اتخاذ مواقف سياسية وفكرية علنية صدمت الدوائر التقليدية. لقد كتبت بقلمي مواقف قومية واضحة ودافعت عن قضايا أمتي العربية في لحظات الانكسار، ودفعت ثمن هذه المواقف غالياً من راحتي وموقعي في أكثر من منعطف سياسي. كنت على يقين دائم بأن المثقف الذي يوضع في موقع المسؤولية السياسية أو الدبلوماسية يجب ألا يتحول إلى مجرد "موظف مطيع" ينفذ الإملاءات دون وعي، بل عليه أن يكون مستشاراً أميناً، يقول كلمته بصدق وشجاعة وبدون مواربة أمام أصحاب القرار، فالولاء الحقيقي للدولة والوطن يكمن في تقديم الحقيقة المجردة كما هي، لا في التزلف والمداهنة وصناعة التقارير الوردية الزائفة.
الدولة المدنية الحديثة: التكنوقراط ومواجهة الوصاية الفكرية
إن النشر في منبر كـ "الحوار المتمدن" يفرض علينا إعادة قراءة جوهر الدولة الحديثة ومفهوم الوعي المدني. من واقع تجربتي الطويلة في كواليس الحكم والإدارة، أستطيع القول إن الدولة الحديثة والمستقرة لا يمكن أن تقوم على العشوائية، أو المحسوبية، أو تقديم الولاءات القبلية والفكرية على حساب الكفاءة والموهبة. الدولة الحديثة هي دولة المؤسسات، وسيادة القانون، وفصل السلطات الإدارية، وتمكين طبقة "التكنوقراط" المؤهلين لقيادة القطاعات التنموية بعيداً عن الصراعات الأيديولوجية الضيقة التي تستهلك طاقات المجتمعات في معارك وهمية.
خلال مسيرتي الطويلة، واجهت تيارات فكرية واجتماعية متشددة سعت بكل قوتها إلى شد عجلة الإدارة والتنمية إلى الخلف، وحاولت فرض وصايتها الأيديولوجية على المجتمع، وعلى مؤسسات الدولة، بل وعلى خيارات الأفراد اليومية. خضت معارك فكرية وإدارية شرسة لتمكين الشباب، وتحديث المناهج، وتنظيم سوق العمل، وإدخال المرأة كعنصر فاعل ومنتج في التنمية الوطنية ضد رغبة قوى الجمود. كنت حريصاً على أن تبقى بوصلة الدولة متجهة نحو العصرنة والإنتاجية، لأن الانعزال عن العصر وبناء أسوار من الأوهام حول المجتمع هو أقصر الطرق نحو التخلف والانهيار الحضاري.
حكمة المسؤول العائد وصية للجيل القادم
لو كان لي أن ألخص هذه السيرة الإدارية والسياسية الطويلة في سطور أخيرة، أو أن أوجه رسالة صادقة لجيل القادة والمسؤولين والشباب الذين يتصدرون المشهد اليوم، لقلت لهم بلسان المجرب: إن الكراسي زائلة مهما طال بها الأمد، وإن السلطة مؤقتة ومتحولة، ولا يبقى للمسؤول في سجل التاريخ إلا الأثر التنموي الحقيقي الذي أحدثه في حياة الناس العاديين، والنزاهة والمبدئية التي حافظ عليها في زمن المغريات والتحولات.
لم أكن سياسياً أو وزيراً بالمعنى التقليدي الجامد للكلمة، بل كنت مواطناً ومثقفاً مسكوناً بقضايا وطنه وأمته، أتيحت له فرصة التغيير والبناء من داخل النظام، فحاول بكل ما أوتي من قوة وفكر وعزيمة أن ينقل مجتمعه من الاتكالية والرعوية إلى الإنتاجية والاعتماد على الذات، ومن الجمود الإداري القاتل إلى الحيوية المؤسسية المرنة. غادرت عالمكم يوماً وجسدي منهك من معارك الوزارة اللامتناهية، ومؤامرات البيروقراطية الصامتة، لكن روحي بقيت مطمئنة لسبب واحد: أنني لم أساوم يوماً على كفاءة العمل، ولم أهادن فاسداً أو متقاعساً، ووضعت مصلحة الإنسان البسيط الذي وهبته سنوات عمري فوق كل اعتبار مصلحي ضيق. هذه سيرتي، سيرة محارب في ميدان التنمية، آمن بالدولة الحديثة وعاش ومات وهو يسعى لتحقيقها.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شقة الحرية: حين فتشتُ عن وطني في أزقة القاهرة
- أغنية في ليل استوائي


المزيد.....




- تحطم مقاتلة أمريكية من طراز -F-35B- واشتعال النيران فيها بقا ...
- شاهد.. اللحظات الأولى بعد تحطم طائرة -إف-35 بي- واشتعال الني ...
- أول بيان سوري رسمي بعد استهداف سفينتين للغاز في دمياط بمصر
- وزير يمني يدعو لتحرك عاجل لـ-حماية ملايين الأطفال في مناطق س ...
- مقتل 57 مهاجرا خلال تسللهم إلى سبتة
- إعلان بلدة أمريكية مهجورة بعد استقالة جميع مسؤوليها وتلوث مي ...
- سانشيز: ما جرى في سبتة اعتداء على وحدة أراضي إسبانيا
- هل يمكن طرد دولة ما من عضوية منطقة شنغن الأوروبية؟
- ترامب: إسرائيل -سعيدة جدا- باتفاق نزع سلاح حماس
- رئيس الوزراء الفرنسي السابق يطالب باجتماع طارئ لوزراء الاتحا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غازي القصيبي - مرآة الوزير والمحارب: شهادة في كواليس الإدارة، صراع التنمية، ودهاليز السياسة