أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميرا أبو خيط - سوق بلا قلب.. قصّة للفتيان














المزيد.....

سوق بلا قلب.. قصّة للفتيان


ميرا أبو خيط

الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 11:50
المحور: الادب والفن
    


في أحد الأيّام، وقبل شروق الشّمس، وفي ركن قصيٍّ منسيٍّ من سوق شعبيٍّ مزدحم، حيث تخفت الأضواء وتخبو الأنظار، بدأت "الخضار والفواكه" تستفيق من غفوتها، حيث استقرّت في سلّةٍ متواضعةٍ، إلّا أنّها على تواضعها كانت تختزن عالمًا خفيًّا نابضًا بالحياة، عالمًا أثقلته الأحكام المُسبَقَة والمظاهر.

وفي لحظة ما حيث يسودُ صمتُ الصّباح الباكر، انطلق التجّار كعادتهم يحملون صناديق "الخضار" و"الفواكه" ويصنّفون كلٌّ في موقعه الجديد، فالبعض استقرّ في سلّة "التخفيضات"، والبعض الآخر وُسِمَ بعبارة "غير مثالي".

أحسّت "الخضار والفواكه" بالتعب والإعياء الشّديدَين لكثرة تنقّلها، وما أن استقرّت حتّى انبعث صوت متذمّر يملؤه الأسى:
"لم أعُد أحتمل، يقع اختيارهم عليّ على أساس الشّكل والمظهر الخارجي فقط! فإن كنتُ لامعةً وجميلةً اصطفوني، وإن كان بي خُدْشٌ بسيطٌ تُرِكْتُ لأتَعَفَّن ها هنا".. هذا ما قالته "التفّاحة"، ثمّ أضافت: "كنتُ بالأمسِ بهجةَ العيونِ، ومتعة النّاظرين، أمّا اليوم فأنا رهينةُ عيبٍ صغير يكاد لا يُرى، أيُعْقَلُ أن يُختَزَل قَدْرِي بجريرة أثرٍ عابرٍ!

فتنهّدت حبّة "طماطِم" وقالت وهي تتأمّلُ بقعةً صغيرةً على مَلمَسِها:
"وأنا أيضًا كنتُ زينة الواجهة ذات يوم، تختارني الأيادي بإعجاب، أمّا اليوم فقد أُبعِدتُ لعيبٍ فيّ يكاد لا يُرى".

أمّا "الجزرة" فتدخّلت قائلةً بشيءٍ من الدُّعابة: "أمّا أنا، فاعوجاجي هو سبب إقصائي، فالاستقامة شرطٌ للقبول..".

فأجاب "الموزُ" بنبرةٍ ساخرةٍ مريرة: "وماذا أقول أنا؟! فمصيبتي أكبر وأعظم! فإن اسوَدَّت قشرتي قليلًا، وأصبح الترقيطُ غالبًا عليها، يظنّونني شِخْتُ، وفسدتُ، بينما في الواقع أكون في أحلى وأطيب حالاتي!".

ومن أعماق الصندوق، انبَعَثَ صوتٌ هادئٌ رزينٌ وهو صوت "البطاطا" التي قالت بدورها:
"لِمَ تكترثونَ للشكوى؟! فأنا لا يراني أحدٌ أصلًا، رغم أنّني أُطعِمُ عائلات بأكملها وأُشبِعها أتمَّ إشباع، حقًا، بئسَ القضاءُ الذي في الأرضِ دفنني!".

ثمّ ساد صمتٌ ثقيل قطعتهُ "الخِيارة" متعجّبة قائلةً:
"ولكن لِمَ يُقَاسُ قَدْرُنا بناءً على مظهرنا، لا على جوهرنا؟ مع أنّنا نحمل في دواخِلِنَا كلّ الطِّيب والنفع والفائدة!".

فأجابت "البرتقالة" بحكمة شيخ جليل خَبِرَ الحياة بتجربته:
"هي سُنَّةُ السَّطح، يلمعُ فيُغري ثم يخبو فيُقصي، أمّا الجوهر فيغفلونه!"

وفي تلك الّلحظة، مرّ رجلٌ أنيقٌ وسيمٌ وألقى نظرة عابرةً باردةً على الصناديق، وقال بازدراء:
"أووه.. هذه البضاعة لا تصلح لشيءٍ، لا نفع يُرتَجَى منها!"

خيّم الحزن على السلّة وكأنّ كلمات الرّجُل هبوب عاصفةٍ أطفأ سراج الأمل.

وما هي إلّا لحظات حتّى تبدّلت الأقدار، حين أقبلت امرأة بسيطة يرافقها طفلها الصغير، الذي أفلت من يد أمّه وتوجّه يتأمّل السلّة التي استوقفته، وأشار بسبّابته إلى صندوق الفواكه "غير المثاليّة!"، وقال، وبراءة الأطفال في نبرة صوته: "ماما، ماما، لماذا لا نأخُذُ من هذه، تبدو لذيذة!".

فابتسمت الأمّ ونطقت بحكمة التّجربة: "معك حقّ يا بُنَيَّ.. تبدو لذيذة حقًّأ، فلا يغرّنّكَ شكلها، فقيمتها وطعمها لا يقاسان بالمظهر الخارجي". ثمّ مدّت يدها لتختار الأحسن جوهرًا، فأخذت تفّاحةً وموزةً وجزرةً وبطاطا.

في تلك الّلحظة رُدَّ الاعتبار، وغدت السلّة مملكةً رُفِعَت قيمتها واحتُفِيَ بها وبما فيها. وشعرت "الخضار والفواكه" بنشوة الانتصار، وتيقّنت بأنّ هناك من يُدرك ويقدِّر جوهرها وحقيقتها.

وقبل أن تغادر هَمَسَت التُّفَّاحة لأترابِها: "لعلَّ النَّقص لم يكن يومًا فينا، بل في من حَكَمَ علينا".
فأشرَقَ الرِّضا في القلوب، وارتسمت ابتسامات صامتة على الوجوه..

انتهت
نيسان
2026






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قدر


المزيد.....




- زادونسك.. -القدس الروسية- التي ترك قديسها أثرا في عالم دوستو ...
- مدير مهرجان جرش لـCNN: المهرجان في دورته الـ40 يحتفي بجذوره ...
- ماريا فولكونسكايا.. الأم التي لم يعرفها تولستوي وخلّدها في ر ...
- عشرات الشخصيات الأردنية الوطنية والسياسية والثقافية والعشائر ...
- وفاة الممثلة الصماء كايلي هوتل بطلة سلسلة -غودزيلا- في حادث ...
- قصة قصيرة: بصراتو.. خَارِجَ البُرْوَازِ
- -الست لمّا-.. يسرا ترفع -الفيتو- بوجه الرجال في فيلم كوميدي ...
- إلغاء حفلات لفنانين أيّدوا نظام الأسد.. هل يمكن فصل الفن عن ...
- بعد توقف 3 سنوات.. الكتب تعود لسوق البوستة بأم درمان
- -الأوديسة-.. عندما حوّل كريستوفر نولان ملحمة هوميروس إلى فيل ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميرا أبو خيط - سوق بلا قلب.. قصّة للفتيان