ميرا أبو خيط
الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 18:54
المحور:
الادب والفن
قصّة قصيرة للفتيان
في ليلة شتويّة باردة وُلِدت طفلة صغيرة في أحد مستشفيات العاصمة. كانت السماء تمطر آنذاك بغزارة وكأنّها تبكي معها وعليها منذ اللحظة الأولى. أُطلِق عليها اسم "قدر"، وكان لها من اسمها كلّ النصيب: قدر مواجهة العالم القاسي، فبعد ولادتها غادرت والدتها المشفى تاركة طفلتها الرضيعة وحيدةً دون أن تلتفت خلفها.
كانت "قدر" في أيّامها الأولى لمّا تزل عندما دخلت منزل "سودا" وزوجها. ظنّت تلك الرّضيعة ذات العيون الحزينة أنّ حضنًا دافئًا بانتظارها، لكنّ الحقيقة كانت مخيفة: فقد تبنّتها عائلة غير رحيمة، مدفوعة الأجر من قِبَل الأمّ مقابل رعاية الطفلة.
في تلك اللحظة وفور إغلاق باب المنزل، وقبل جفاف حبر أوراق التبنّي، عاشت الطفلة "قدَرَها"، حيث عاشت ليالٍ وسنوات من العنف والظلم الجائر، فقد كان يُنْظَر إليها كغريبة لا تستحقّ العطف والحبّ.
عاشت "قدر" في بيت صغير بسيط مليء بالصراخ والعنف، فمُلِئَت بالخوف، في أحد الأحياء الفقيرة. كانت "سودا"، المرأة التي "تبنّتها"، تعاملها معاملة الخادمة، فتوقظها في الصباح الباكر وتنهال عليها بالّلوم والتّوبيخ لأتفه الأسباب كتأخّرها في تنظيف البيت وغسل الصحون والأواني، أمّا عندما يُكسر طبق رغمّا عنها فيكون العقاب جسديًّا بضربها بقساوة على يديها النّاعمتين! ثمّ تفترش الأرض ليلًا في غرفة مهملة بالكاد تصلح أن تكون مستودعًا.
لم تعرف "قدر" معنى الحنان والحبّ، فقد كانت ترى الأطفال أترابها يلعبون ويلهون في الشّوارع مع أمّهاتهم، فتقف خلف قضبان النّافذة تتساءل في داخلها: "لِمَ لا يحبُّني أحد؟!".
عاشت "قدر" تائهة النّفس، هشّة الرّوح، مُطأطِئة الرّأس، تتجنّب النّظر إلى عيون النّاس.
كانت في السّادسة من عمرها حين لاحظت إحدى الجارات، وهي بائعة الورد "حنان"، آثار الكدمات على وجه "قدر" ويديها أثناء رميها للنفايات، وهنا كانت نقطة التحوّل..
في أحد الأيّام سَمِعَت "حنان" صوت بكاء مرتفع يأتي من بيت جيرانها، تردّدت قليلًا ثمّ توجّهت نحوهم، طرقت الباب بقوّة، ففتحت "سودا" الباب وهي تستشيط غضبًا، ثمّ قالت باحتدام:
- "ماذا تريدين؟"
في تلك اللحظة تمامًا لمحتْ "حنان" الطفلة ملقاة على الأرض تبكي، فشعرت بحرقة قلب، وقالت في هدوء:
- "تبدو الطفلة مريضة.. هل بإمكانها أن تأتي إليّ قليلًا؟؟"
فرفضت "سودا" بدايةً، لكنّها وافقت بعد إلحاح وإصرار قاطعين.
دخلت "قدر" بيت الجارة وهي خائفة شاعرة بأنّها عبء، وأنّ وجودها مرهون برِضَا لا يمكن نيله.. كلّ هذا العنف الّلفظي والجسدي أفقدها ثقتها بنفسها، ثم جلست صامتة، ووضعت لها "حنان" كوبًا من الحليب السّاخن، ثمّ خاطبتها بلطف:
- "لا تخافي يا ابنتي، فلن يؤذيَكِ أحدٌ هنا".
وما أن انتهت تلك الجملة المستفزّة حتّى انفجرت "قدر" بالبكاء، وكأنّها تحمل خبالًا في قلبها الصغير ذاك من حزنها الشديد. بعد وقت قصير فتحت "قدر" دفتر ظلمها الذي عاشته خلف الجدران وأخبرت الجارة كلّ شيء.. كلّ شيء.
شعرت "حنان" بالصّدمة ممّا سمعته وانفطر قلبها وقرّرت عدم ترك هذه الطفلة، فبدأت تزورها يوميًّا رغمًا عن "سودا" وتعطيها بعض الطعام بالخفية والكثير الكثير من العناق محاولةً إشعارها بأنّها إنسانة تستحقّ الحُبّ. وها هي "قدر" قد بدأت تتبسّم أخيرًا..
مع مرور الوقت صارت "قدر" ترسم وتبدع، وفي كلّ مرّة ترسم بيتًا صغيرًا جميلًا دافئًا ذا حديقة مليئة بالورود، وفي وسطها امرأة تمسك بيد طفلة رقيقة، وكأنّ هذه الرّسمة سؤال لا يفارقها أبدًا: "من هي أمّي؟".
لم تعد "قدر" تخاف من "سودا" وزوجها، الأمر الذي أزعجهم وزاد من غضبهم، فمنعوها من زيارة الجارة.
في إحدى اللّيالي، وبينما الصمت سائدٌ، عاد صوت الصّراخ مرّة أخرى من بيت "قدر"، ولكن هذه المرّة اختلف الأمر، حيث قرّرت "حنان" الاتّصال بمؤسّسة "حماية الطفل" وروت لهم كلّ كلّ شيء.
في اليوم التالي صباحًا جاءت الجهات المختصّة، وبعد تحقيق معمّق مضنٍ طويل في الأمر اكتشفوا الحقيقة كلّها.
انتُزِعَت "قدر" من ذلك البيت، وبدأت العيش في مركزٍ آمنٍ للأطفال أمثالها، حيث وجدت هناك وللمرّة الأولى سريرًا دافئًا ترقد عليه، وطعامًا كافيًا يشبعها، وأشخاصًا لطفاء.
شعرت بالغرابة والخوف في البداية، ولكنّها حين رأت أنّ "حنان" تزورها باستمرار شعرت بالأمان وبأنّ الحياة ما زالت تخبّئ لها شيئًا جميلًا.
وفي إحدى الأمسيات، وبينما "قدر" ترتب صندوقًا قديمًا يخصّها هوت ورقة صغيرة من بين الملابس، وقد كانت تحتوي على اسم المشفى الذي وُلِدَت فيه، فشعرت بقلبها يخفق بشدّة، فلأوّل مرّة أصبح لديها خيطٌ يقودها إلى طريق الحقيقة.
كانت في السادسة عشرة عندما عزمت على البحث عن أمّها، فتوجّهت إلى ذاك المشفى وسألت عن الموظّفين القدامى آنذاك، إلّا أنّ بعض الملفّات كانت قد اختفت، وبعضها الآخر تَلِفَ بحكم عوامل الزمن.
لم تستسلم، بحثت وبحثت وسألت كثيرًا الأشخاص الذين ربّما عرفوا والدتها، وفي كلّ مرّة كانت تقترب من الحقيقة كانت الحقيقة تغلق أبوابها بإحكام.
إحدى النساء المُسِنّات التي توصّلت إليها بعد جهد جهيد كانت قد أخبرتها أنّ أمّها كانت امرأة شابّة وجميلة جدًّا، وقد اختفت تمامًا بعد ولادتها بأيّام، ومنذ ذلك الحين لم يرها أحد.
مرّت شهور وشهور و"قدر" تبحث، تحمل اسمًا قديمًا وصورًا باهتة، لكن دون جدوى.
في أحد الأيّام جلست "قدر" في حديقة عامّة على مقعد ملوّن وهي تذرف الدّمع بصمت وقد باتت شبه متأكّدة أنّه لربما أمّها لا تريد أن تُوجَد!..
عادت إلى بيت "حنان" الحنون، وقالت بصوت مكسور: "بحثت عنها كثيرًا.. وعلى ما يبدو أنّني لن أجدها!"، فاقتربت منها "حنان" ومسحت دموعها الغالية وقالت لها: "أحيانًا يا ابنتي لا نجد الأشخاص الذين نبحث عنهم، لكنّنا نجد في خضمّ البحث من يحبّنا بصدق!".
صمتت "قدر" للحظات، ثمّ نظرت إلى "حنان" بعينين دامعتين وهي تُدرِك الآن أنّ الأم ليست من تلد، بل من تحبّ وتحمي وتبقى، "الرِبا غلب الّلِبا"، فتعانقتا بشدّة وحرارة..
مرّت السنون وكبرت "قدر" وأصبحت شابّة قويّة محبّة، يتغلغل فيها حبّ المساعدة وخاصّة مساعدة الأطفال الضعفاء، فهي لم تنس ألمها أبدًا، لكنّها قرّرت أن تجعل من حزنها وألمها أملًا للآخرين في محاولة منح الأمان الذي افتقدته يومًا.
ورغم عدم ايجادها لوالدتها فقد بقي في داخلها بصيص أمل، فلربّما ستبحث هي بدورها عنها يحدوها ندم على تركها!
لكنّ "قدر" تعلّمت شيئًا مهمًّا: "الإنسان لا يختار بدايته، إلّا أنّه يستطيع أن يحدّد النهايات التي يستحقّها".
كان شعارها الأبديّ:
"مجرّد أن يؤمن شخص واحد بأنّك تستحقّ الحبّ، فهذا كافٍ لينقذ حياتك!".
-انتهت-
النّاصرة
تمّوز 2026
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟