سعاد مباركي
الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 20:43
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
اعتبر العديد من المتابعين والمحللين أن بطولة كأس العالم 2026 كانت النسخة الأكثر تسييسًا في تاريخ المونديال، بالنظر إلى تعدد القضايا السياسية التي رافقت تنظيمها ومجريات منافساتها، وهو ما أثار جدلًا واسعًا ، غير أن هذا التوصيف يثير تساؤلًا جوهريًا: هل كانت نسخة 2026 استثناءً بالفعل، أم أنها مجرد امتداد للعلاقة التاريخية الوثيقة بين كرة القدم والسياسة؟
في الواقع، لم تكن كرة القدم يومًا بمنأى عن السياسة، بل شكلت على الدوام إحدى أهم ساحات التفاعل السياسي والرمزي، بوصفها الرياضة الأكثر شعبية في العالم، و قد أضحت أداة توظفها الدول لتعزيز قوتها الناعمة، وتحسين صورتها الدولية، وترسيخ الهوية الوطنية، وإبراز مكانتها ونفوذها على الساحة العالمية، وفي المقابل، أصبحت الملاعب والمدرجات بدورها فضاءات للتعبير السياسي، حيث تستغلها الجماهير لإيصال رسائل احتجاجية، أو المطالبة بحقوق معينة، أو التعبير عن مواقفها تجاه قضايا داخلية وإقليمية ودولية.
ورغم أن تداخل السياسة مع كرة القدم ليس ظاهرة جديدة، فإن نسخة كأس العالم 2026 بدت أكثر إثارة للجدل بسبب تزامنها مع سياق دولي شديد الاستقطاب، اتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتنامي النزاعات المسلحة، واتساع نطاق النقاشات حول حقوق الإنسان، والهجرة، والتمييز، إضافة إلى بروز مواقف سياسية ورمزية داخل الملاعب وخارجها. وقد دفع ذلك كثيرًا من المراقبين إلى وصف هذه النسخة بأنها الأكثر تسييسًا في تاريخ البطولة، الأمر الذي يطرح تساؤلًا رئيسيًا: لماذا أثارت كأس العالم 2026 كل هذا الجدل؟ وهل كانت بالفعل البطولة الأكثر تسييسًا، أم أنها كشفت بصورة أوضح عن الترابط البنيوي بين الرياضة والسياسة الذي لازم كأس العالم منذ نشأته؟
أولا: سياسات التأشيرات و الهجرة
برزت سياسات التأشيرات والهجرة كأحد أبرز مظاهر تسييس كأس العالم 2026، حيث أثارت القيود التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية على الدخول إلى أراضيها انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام الدولية، فعلى الرغم من منح إعفاءات خاصة للاعبين والمنتخبات والوفود الرسمية لضمان سير البطولة، واجه العديد من المشجعين القادمين من دول خاضعة لقيود السفر أو لإجراءات تدقيق أمني مشددة صعوبات كبيرة في الحصول على التأشيرات، وهو ما حدّ من قدرتهم على حضور المباريات وتشجيع منتخباتهم.
كما امتدت هذه القيود إلى بعض الفاعلين الرئيسيين في الحدث الرياضي، إذ مُنع الحكم الدولي الصومالي عمر عبد القادر أرتان من دخول الولايات المتحدة رغم اعتماده رسميًا من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، بعد إخضاعه لإجراءات أمنية في مطار ميامي، الأمر الذي حرمه من إدارة مباريات البطولة، كما أعلنت الرابطة الدولية للصحافة الرياضية (AIPS) أن عددًا من الصحفيين، ولا سيما من إيران وبعض الدول الإفريقية، لم يتمكنوا من الحصول على التأشيرات اللازمة لتغطية المنافسات، مما أثار مخاوف بشأن حرية التغطية الإعلامية.
ولم تقتصر تداعيات هذه السياسات على المشاركين المباشرين، بل طالت أيضًا بعض عائلات اللاعبين القادمين من دول تواجه قيودًا على السفر، إذ لم تتمكن من حضور المباريات بسبب صعوبة الحصول على التأشيرات، وهو ما عكس التناقض بين الخطاب الذي يروج لكأس العالم باعتباره حدثًا عالميًا جامعًا، وبين الواقع الذي فرضته الاعتبارات الأمنية والسياسية للدولة المضيفة، و قد أبرزت هذه الحالات تحول سياسات الهجرة والأمن الحدودي إلى عنصر مؤثر في تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، بما يعكس التداخل المتزايد بين الرياضة والسياسة في النظام الدولي المعاصر.
ثانيا : التصريحات السياسية للمسؤولين خلال البطولة
تحولت نتائج بعض المباريات في كأس العالم 2026 إلى موضوع للتجاذبات السياسية والدبلوماسية، ومن أبرز الأمثلة ما أعقب مباراة فرنسا وباراغواي في الدور ثمن النهائي، إذ أطلقت السيناتور الباراغوانية سيليستي أماريا (Celeste Amarilla) تصريحات عنصرية استهدفت قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي، وشككت في هويته الفرنسية بسبب أصوله الإفريقية، واصفة إياه بعبارات مهينة، وقد أثارت هذه التصريحات أزمة دبلوماسية وإعلامية، دفعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إعلان دعمه الكامل لمبابي وإدانة الهجمات العنصرية، كما أدانت الحكومة الباراغوانية تصريحات السيناتور مؤكدة أنها تعبر عن موقفها الشخصي ولا تمثل الدولة، في حين أعلن الاتحاد الفرنسي لكرة القدم اتخاذ إجراءات قانونية بحقها.
كما اضطرت الحكومة الإسبانية إلى تقديم اعتذار رسمي لفرنسا بعد مقال نشره رئيس الوزراء الإسباني الأسبق ماريانو راخوي شكك فيه في "فرنسية" المنتخب الفرنسي، وهو ما اعتبرته باريس خطابًا عنصريًا يتعارض مع قيم المساواة والمواطنة، وتعكس هذه الوقائع كيف تجاوزت المنافسة الرياضية حدود الملعب لتتحول إلى ساحة للنقاشات المتعلقة بالهوية الوطنية والهجرة والعنصرية، بما يؤكد أن كأس العالم 2026 لم يكن مجرد حدث رياضي، بل أصبح أيضًا منصة للتجاذبات والخطابات السياسية بين المسؤولين والدول.
ثالثًا: حضور الصراعات الدولية في المباريات
كما انعكست البيئة الدولية المتسمة بالاستقطاب الجيوسياسي على أجواء البطولة، حيث اكتسبت بعض المواجهات أبعادًا سياسية تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، وأحاطت بالمباريات التي جمعت دولًا تربطها خلافات تاريخية أو نزاعات سياسية وإقليمية تغطية إعلامية مكثفة، كما شهدت المدرجات رفع شعارات وأعلام ورسائل مرتبطة بقضايا دولية، وتحولت المنافسات إلى مناسبة لإعادة إنتاج الخطابات الوطنية والقومية.
وفي بعض الحالات، استُخدمت نتائج المباريات في الخطاب السياسي والإعلامي بوصفها رموزًا للتفوق الوطني أو وسيلة لتغذية السرديات السياسية، الأمر الذي يعكس كيف أصبحت الرياضة جزءًا من التنافس الجيوسياسي بين الدول، ويؤكد ذلك أن كأس العالم لم يعد مجرد حدث رياضي عالمي، وإنما فضاء تتقاطع فيه الاعتبارات الرياضية مع قضايا الهوية والسيادة والصراعات الدولية، بما يجعل المباريات تعكس أحيانًا موازين التنافس السياسي بقدر ما تعكس مستويات الأداء الكروي.
رابعا : المواقف المتعلقة بحقوق الإنسان
شهدت بعض المباريات والفعاليات المصاحبة لكأس العالم 2026 مظاهر تضامن واسعة مع قضايا حقوق الإنسان، حيث تحولت المدرجات والساحات المحيطة بالملاعب إلى فضاءات للتعبير عن مواقف إنسانية وسياسية، وكان الحضور الأكثر لفتًا للانتباه هو انتشار الأعلام الفلسطينية ولافتات التضامن مع غزة في عدد من المباريات، من بينها لقاءات الجزائر والنمسا، وتركيا والولايات المتحدة، وفرنسا والسنغال، وألمانيا وباراغواي، إضافة إلى تجمعات المشجعين في الساحات العامة، مثل ساحة تايمز سكوير في نيويورك، حيث رددت هتافات داعمة لفلسطين وطالبت بوقف الحرب في غزة، كما شهدت بعض المباريات هتافات ولافتات مناهضة للعنصرية وداعية إلى المساواة، في انسجام مع الحملات التي أطلقتها الفيفا تحت شعار "No Racism" .
وفي المقابل، واصلت الفيفا التأكيد على رسائلها الداعية إلى السلام ومناهضة التمييز من خلال حملات "Football Unites the World" و**"Unite for Peace"**، إلا أن استمرار حضور القضايا الإنسانية والحقوقية في المدرجات أبرز صعوبة الفصل بين الرياضة وقضايا حقوق الإنسان في ظل الأزمات الدولية الراهنة، وأظهر أن كأس العالم أصبح فضاءً عالميًا للتعبير عن قضايا تتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
خامسًا: تدخل الحكومات ورؤساء الدول في القضايا التحكيمية والانضباطية
برزت مظاهر التدخل السياسي في الجوانب التحكيمية والانضباطية خلال كأس العالم 2026 بصورة غير مسبوقة، عندما تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل علني مطالبًا الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) بإعادة النظر في البطاقة الحمراء التي تلقاها مهاجم المنتخب الأمريكي فلورين بالوغون (Folarin Balogun) خلال مباراة الولايات المتحدة والبوسنة والهرسك.
وفي خطوة أثارت جدلًا واسعًا، قررت لجنة الانضباط في الفيفا تعليق تنفيذ عقوبة الإيقاف والسماح لبالوغون بالمشاركة في المباراة التالية أمام بلجيكا، وهو ما دفع عددًا من الاتحادات الأوروبية ومسؤولين في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) إلى اتهام الفيفا بالخضوع لضغوط سياسية، معتبرين أن هذه السابقة تمس باستقلالية الهيئات القضائية الرياضية وتفتح الباب أمام تدخل الحكومات في القرارات التحكيمية والانضباطية.
وقد تحولت هذه القضية إلى أحد أبرز الأمثلة على تداخل السلطة السياسية مع إدارة المنافسات الرياضية، وأثارت نقاشًا دوليًا حول حدود نفوذ الدول المضيفة في إدارة البطولات العالمية ومدى قدرة الفيفا على الحفاظ على مبدأ الحياد والاستقلال.
سادسًا: خضوع كأس العالم للمنطق الرأسمالي والتجاري
كشفت كأس العالم 2026 أيضا عن تعاظم خضوع البطولة للمنطق الرأسمالي، حيث لم تعد مجرد منافسة رياضية، بل أصبحت مشروعًا اقتصاديًا عالميًا تديره اعتبارات السوق والعائدات التجارية بقدر ما تحكمه الاعتبارات الرياضية.
فقد أدى توسيع البطولة إلى 48 منتخبًا وزيادة عدد المباريات إلى مستويات غير مسبوقة إلى رفع العائدات المتوقعة من بيع حقوق البث والرعاية والتذاكر والتسويق، وهو ما عزز المكانة الاقتصادية لكأس العالم باعتبارها واحدة من أكثر المنتجات الرياضية ربحية على المستوى الدولي.
كما شهدت البطولة توسعًا في عقود الرعاية مع الشركات متعددة الجنسيات، وارتفاعًا غير مسبوق في أسعار التذاكر وخدمات الضيافة، إلى جانب الاعتماد المكثف على المنصات الرقمية وحقوق البث المدفوعة لتعظيم الإيرادات، وفي المقابل، تعرضت الفيفا لانتقادات متزايدة من باحثين ومنظمات مجتمع مدني اعتبرت أن الاعتبارات التجارية أصبحت تؤثر في القرارات التنظيمية، سواء من خلال اختيار المدن المستضيفة، أو جدولة المباريات بما يتناسب مع الأسواق الإعلامية الكبرى، أو منح الشركات الراعية حضورًا واسعًا داخل الفضاء الرياضي.
ويعكس ذلك انتقال كأس العالم من كونه حدثًا رياضيًا عالميًا إلى صناعة اقتصادية عابرة للحدود، تتداخل فيها مصالح الشركات الكبرى مع استراتيجيات الدول الرامية إلى تحقيق مكاسب اقتصادية وتعزيز قوتها الناعمة، بما يجعل البطولة نموذجًا واضحًا لتغلغل الرأسمالية العالمية في المجال الرياضي.
في الختام يتضح من خلال العناصر السابقة أن الجدل الذي رافق كأس العالم 2026 لم يكن وليد حادثة أو قضية بعينها، وإنما جاء نتيجة تداخل مجموعة من العوامل السياسية والأمنية والحقوقية والاقتصادية التي صاحبت تنظيم البطولة ومجرياتها.
ومع ذلك، فإن وصف كأس العالم 2026 بأنه النسخة الأكثر تسييسًا لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن العلاقة بين كرة القدم والسياسة رافقت المونديال منذ نشأته، فقد ارتبط مونديال إيطاليا 1934 بالدعاية الفاشية لنظام بينيتو موسوليني، وأثار مونديال الأرجنتين 1978 انتقادات واسعة بسبب استغلال المجلس العسكري الحاكم للبطولة لتحسين صورته الدولية، كما خضعت بطولة روسيا 2018 لقراءات سياسية في ظل التوترات الجيوسياسية بين موسكو والغرب، في حين تحول مونديال قطر 2022 إلى محور نقاش عالمي حول حقوق الإنسان، وظروف العمالة، والحريات الثقافية، وحدود احترام الخصوصيات المجتمعية.
وعليه، فإن خصوصية نسخة 2026 لا تكمن في اقترانها بالسياسة، بل في اتساع نطاق هذا الاقتران وتعدد مستوياته، بحيث لم يعد التسييس مقتصرًا على مواقف أو أحداث معزولة، وإنما أصبح يطال مختلف جوانب البطولة، من تنظيمها وإدارتها إلى تغطيتها الإعلامية وتفاعل الجماهير معها، ما يؤكد أن فهم كأس العالم في القرن الحادي والعشرين لم يعد ممكنًا بمعزل عن السياقات السياسية التي تحيط به، أو عن طبيعة النظام الدولي الذي أصبح يجعل من الرياضة أحد ميادين التنافس والنفوذ بين الدول والفاعلين الدوليين.
#سعاد_مباركي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟