|
|
حينما تناقش اليساران العربي والأوربي قبل عشرين عامًا
مصطفى مجدي الجمال
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 00:12
المحور:
سيرة ذاتية
من أعجب المواقف التي مررت بها، ومع ذلك لم أشعر بالحجل لحظة من غرابة ما وقع مني.. في عام 2007 عقد مركز البحوث العربية والأفريقية ندوة دولية على ثلاثة أيام عن "العلاقات العربية الأوربية".. ضمت مجموعة من أهم مفكري مصر والعالم العربي وعلى رأسهم المفكر المصري العالمي الكبير الدكتور سمير أمين. أما الجانب الأوربي فقد مثله مفكرون وأعضاء برلماناتضمت مشاركين من أوربا (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، بريطانيا، السويد وتركيا). والبلدان العربية (الإمارات، تونس، الجزائر، السودان، سوريا، فلسطين، لبنان، ليبيا، مصر، المغرب). وكان من أهم موضوعات الحوار تناول المواقف الأوربية من القضية الفلسطينية والعلاقات الاقتصادية والثقافية غير المتوازنة... وحينما نوقشت قضية الديمقراطية أذهلني الدعم الأوربي للإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية عامة، فيما عدا حزب الله وحماس. المهم أنني لم أكن مقرر الندوة هذه المرة.. لكني فوجئت بتكليف من الدكتور سمير أمين والرفيق "الدينامو" ممدوح حبشي بأن أكتب تقرير الندوة الذي سيُتلى في الجلسة الختامية غدًا. وبالفعل عدت إلى المنزل ومعي كل أوراق الندوة وتسجيلات الكاسيت لكل الجلسات.. وكم كان من المرهق جدًا أن ألم بهذا كله في ساعات الليل، وأن أستخلص نقاط الاتفاق والاختلاف. وما حدث أنني أنجزت العمل المستحيل جدًا بالفعل ونجحت في صياغة التقرير.. ولكن على حساب أن أعود للندوة في اليوم الثالث دون نوم ولو للحظة. بدأت الجلسة الختامية بجلوسي على المنصة وعن يميني عضو ألماني في برلمان الاتحاد الأوربي، وعن يساري المفكر الفرنسي/المصري الكبير إريك رولو. وكانت الجلسة مذاعة على الهواء مباشرة في قناة الجزيرة، مع وجود قنوات أخرى. دارت مناقشة الندوة.. ولكن هاجمني النعاس بشراسة.. وحدث أنني غفوت فعلاً وأنا في هذه الحال على المنصة.. ولم يوقظني سوى رنين الهاتف وصوت يقول لي: "حد ينام وهو ع الجزيرة مباشر؟!". وفيما يلي نص التقرير أورده على سبيل التوثيق: ((تقرير باستخلاصات الحوار الذي جرى في إطار ندوة العلاقات العربية الأوربية من منظور نقدي
مصطفى مجدي الجمال
ملاحظات عامة على النقاش: 1- الإيجابية العامة لحرص كل المشاركين على المساهمة في النقاش حيث قدمت في ورشة العمل ثلاث وعشرون مداخلة رئيسية، فضلا عن المناقشات الضافية لكافة المحاور. 2- الصراحة الكاملة التي اتسم بها الحوار، مما وفر جوا صحيا للفهم المتبادل، خاصة مع الشغف الواضح من جانب المتحاورين الأوربيين بالتعرف على المواقف العربية، حيث تتكثف صراعات كبرى للعولمة الآن على الأرض العربية، فضلا عن الحضور الضعيف للفكر السياسي اليساري العربي في بلاده، ناهيك عن حضوره خارجها. 3- جمع النقاش بين ما هو نظري وتاريخي وسياسي وبين ما هو عملي وتنظيمي. 4- سمح جدول الأعمال بتناول مختلف الجوانب الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتنظيمية، وكان لا بد أن يأتي جدول الأعمال هكذا باعتباره مفتتحا لحوار لم يشهد مبادرات مماثلة من قبل بين المثقفين والنشطاء التقدميين في الإقليمين. 5- عكست وجهات النظر تنوع الآراء في الجانبين، ووجدت كل فكرة مؤيدين لها فى كل جانب. 6- بالتمعن فى المناقشات تتضح إمكانية حقيقية لبناء توجه عام في كل قضية يمكن أن يوحد نضالات اليسارين الأوربي والعربي، وفي إطار النضال المشترك لكافة القوى التقدمية في العالم. 7- أجمع المتحاورون على ضرورة تطوير الحوار، بالبناء على ما تم إنجازه في جولته الأولى، مع أهمية ابتكار أساليب وقنوات جديدة للتفاعل لا تتخذ بالضرورة شكل الندوات، وبما يضمن توسيع دائرة المتحاورين.
المحور الأول: أوربا والبلدان العربية
* نحن أمام هجوم عاتٍ للرأسمالية والاستعمار، مع التأكيد على اضطلاع الولايات المتحدة الأمريكية بالدور القيادي والمهيمن في مجمل المنظومة الرأسمالية.. * وأيضاً نحن إزاء مقاومة متصاعدة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وفي كافة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إلا أن هذه المقاومة لم تزل مجزأة جغرافيا، وعلى مستوى القضايا أيضاً، فضلا عن طابع الدفاع السلبي الذي تتسم به حتى الآن. * مضت العولمة النيوليبرالية شوطًا بعيدًا في العسكرة، تدمير البيئة، استغلال الطبقات العاملة، قهر الشعوب، إثارة العداوات والأحقاد الثقافية والعرقية، بما يمهد الطريق لدكتاتورية عالمية، وربما فاشية من نوع جديد، تتهدد البشرية بأكملها. * يعد تحقيق التمفصل بين النضالات هو الرهان والتحدى الأكبر لنجاح المقاومة. * إن الهيمنة الأمريكية على العولمة الحالية، وبالأخص هيمنة أكثر الدوائر رجعية من المحافظين الجدد ذوي المطامح الإمبراطورية... تمثل أخطر تحديات العولمة حالياً، والذي يجب أن تنصب عليه المهام النضالية المباشرة لليسار العالمي. يواجه اليسار الأوربي تحديات جسيمة: مثل التوجه النيوليبرالي الحاكم والهجوم الشرس على الرعاية الاجتماعية والخدمات العامة. * كذلك تداعيات العسكرة ونتائج الحروب التي تورط أمريكا العالم فيها، وأوربا خاصة. فضلا عن تمدد حلف الناتو في شرق ووسط أوربا، وحتى أصبحنا أمام حقيقة وجود أكثر من أوربا وليست أوربا واحدة. * الضعف النسبي الواضح لمكانة أوربا إزاء الولايات المتحدة، وبدرجة لا تتناسب أبدا مع حقائق التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والثقافة. * المخاطر الأمنية القادمة من جنوب شرقي المتوسط ووسط آسيا. * مشاكل الاندماج الاجتماعي والتعددية الثقافية مع الحفاظ على تراث التسامح والتنوير والديمقراطية. ومما يسترعي الانتباه بشكل خاص تصاعد النزعات المعادية للأجانب، وبالذات حمى الإسلاموفوبيا التي أصبحت تشكل خطرا حقيقيا على السلم الدولي والتفاهم بين الشعوب، ثم امتدت لتصيب بسهامها جماعات كبيرة من المسلمين في أوربا. ويواجه اليسار العربى: * العدوان العسكري الوحشي المتواصل من جانب أمريكا وحلفائها، وإنكار الحقوق التاريخية للشعوب، ومحاولة الولايات المتحدة الانطلاق من عمليتها العدوانية الإجرامية في العراق لتوسيع مدى التدخلات والحروب الاستباقية وسياسة "فرق تسد!" التى تهدد بانقسامات عمودية مدمرة على أساس عرقى أو دينى. * العولمة النيوليبرالية التي تنتهك الاستقلال والسيادة الوطنية، وتفرض برامج التكيف الهيكلي ذات النتائج الاجتماعية الكارثية على الطبقات الشعبية والوسطى من إفقار وبطالة وحرمان من الخدمات الأساسية، فضلا عن تدمير الزراعة وتفكيك قاعدة الصناعة الوطنية... * دكتاتورية نظم الحكم الفردية والعائلية والقبلية والعسكرية التي تلقى دعم الإمبريالية العالمية طالما انضمت إلى تنفيذ وتيسير مخططاتها... * فشل المشروعات اليسارية والقومية الشعبوية الذي أفسح الطريق أمام تنامى التيارات الدينية السياسية، والتى تتغذى أيضاً على تفشي أيديولوجية "صدام الحضارات"، وكذلك الطابع الخاص بالدولة "العبرية"، والنفوذ العارم لليمين الديني على السياسة الأمريكية، وخاصة في ما تسمى "الحرب العالمية على الإرهاب" وعلى مستوى القوى الذاتية: ** يعانى اليساران العربي والأوربي من استمرار انخفاض الروح المعنوية بعد الانهيار الدرامي للمنظومة "الاشتراكية" السوفيتية، ورغم حقيقة الأثر السلبي الكبير لهذا الانهيار فقد كانت هناك بالتأكيد عوامل أخرى ذاتية أسهمت في تعظيم هذا الأثر على قوى اليسار في العالم، سواء تعلقت هذه العوامل بالخطاب أم التوجه أم البرامج أم البنية التنظيمية الداخلية.. ** ولا تزال الانقسامات التنظيمية، وبعضها غير موضوعي، عاملاً قوياً وراء ضعف الأداء النضالى، وهو ما يصعب أيضا من تحقيق تلاحم مباشر مع الجماهير الشعبية. ** كما لا نزال جميعاً فى دائرة الدفاع ورد الفعل، ولم ننتقل بعد إلى مرحلة "الدفاع النشط" كمرحلة انتقالية نحو استعادة زمام المبادأة. ** ولم ننجح بعد فى خلق قنوات التواصل الكفيلة بصياغة جدول أعمال موحد على صعيد عالمى. ذلك رغم أن كوارث العولمة النيوليبرالية تطال كل الطبقات العاملة، بل وتهدد كل البشر على سطح الكوكب. ** وهذه الأجندة يجب أن تتناول : - كيفية لجم التوسع الإمبراطورى الأمريكى. - حماية المصالح والحقوق والمكتسبات الاجتماعية للطبقات العاملة. - حماية ودعم قواعد الإنتاج الوطني، والحفاظ على البيئة. - تطوير وحماية الديمقراطية السياسية والاجتماعية والدولية. - تفعيل التسامح بين الثقافات. - إرساء حقوق الإنسان الأساسية.
وتظل هناك أخطار حالّة ومباشرة، تتطلب اليقظة والتصدي: - الإمكانية الكبيرة لوقوع المزيد من الحروب، في إيران ولبنان وفلسطين... - تفكيك العراق ودخول المنطقة فى حالة من الفوضى "الهدامة" بفعل الصراعات الطائفية والعرقية والقومية. وهي الفوضى التي يعتبرها المحافظون الجدد في واشنطن مقدمة ضرورية لولادة مشروع "الشرق الأوسط الجديد". - خطر انهيار بعض المجتمعات الكبرى فى المنطقة تحت وطأة الإفقار والبطالة والتهميش لغالبية الطبقات الشعبية. وينطوي هذا على خطرين آخرين، هما الإنذار بعودة الدكتاتوريات العسكرية السافرة، وحرف النضال الاجتماعي والوطني عن مساراتهما الطبيعية لتسود الاضطرابات الطائفية وما أشبه.
وفي ما يتعلق بالحركة العالمية لمقاومة العولمة: - فعليها مسئولية كبرى لتوحيد النضالات الشعبية على صعيد عالمي، مع إضفاء الطابع الراديكالي عليها، وإخراجها من حالة الدفاع السلبي والجزئي. - ضرورة تطوير حركة المنتديات الاجتماعية العالمية، بما يعيد إليها زخمها وبريقها ويجعلها أكثر راديكالية، ومتبلورة بالدرجة الأولى على المستويات الوطنية والإقليمية، والتأكيد على خاصية التعددية والتنوع، مع ضرورة التوصل إلى توافق سياسي حول نقاط عامة رئيسية. - إحياء روح التضامن النضالي، مع ضرورة أن تبدأ كل النضالات على مستوى قاعدي وجماهيرى، وبعيدًا عن الطابع "النخبوي" أو الادعاء بـ "الطليعية". . المحور الثانى: العالم العربي والعولمة - تتجسد كل تطبيقات العولمة النيوليبرالية بشراسة في العالم العربى، بل هو يكاد أن يكون نقطة الانطلاق والاختبار الأولى لمشروعاتها. - لم تتورع هذه العولمة عن الاستفادة من آليات الشمولية ونظم الحكم البوليسية لتمرير "الإصلاح الاقتصادى" والخصخصة والتحرير المالي.. الخ. - أصبحت الهيمنة الاقتصادية للرأسمالية العالمية في المنطقة العربية مطلوبة في حد ذاتها لتأمين مستقبل المراكز الرأسمالية الكبرى، وأيضاًَ لمواجهة الاقتصادات البازغة. - إن الحروب القائمة والمتوقعة فوق الأرض العربية، كلها ذات صلة باستنزاف واحتكار الموارد الطبيعية فيه. - أما المشروعات الإقليمية التي تطرحها المراكز الإمبريالية للتنفيذ فى المنطقة، فتحاول إدماج بلدانها في العولمة بشروط مجحفة، وتعمق التبعية، وتعيد توزيع مناطق النفوذ، وجميعها يقوم على مبادىء النيوليبرالية... وهي أيضاً: تلتف على الإطار الإقليمي العربى سواء باسم "الشرق أوسطية" أم "البحر متوسطية"، وتعمل على إدماج إسرائيل في المنطقة حتى قبل أن تنسحب من الأراضي المحتلة، أو تعيد للشعب الفلسطيني حقوقه في أرضه، أو تتخلى عن طابعها الاستيطاني التوسعي، أو سلاحها النووي... - تستحوذ الرأسمالية العالمية بالفعل على القطاعات الأهم في الاقتصادات العربية، ولكنها تريد المزيد وبخاصة في مجالي الطاقة والمال. - النخب القبلية والبيروقراطية والعسكرية الحاكمة، والتي حولت الدولة إلى أداة للتراكم الرأسمالى الأولي، تتخذ طابعاً كومبرادورياً واضحاً، وأصبحت جزءًا عضويًا من العولمة المالية ومضارباتها. - تعاني المجتمعات العربية من هجوم كاسح على خدمات الصحة والتعليم والسكن والحق فى العمل، فضلاً عن تفشي الفساد واللامساواة. - التنميط الثقافي الذى تحاول الدوائر اليمينية الأمريكية فرضه، يتسبب فى تفاقم صراعات الهوية، ويساعد في انتشار النزعات الثقافوية المنغلقة على الذات. - تتعرض سيادة القرار الوطنى فى السياسة والاقتصاد للخطر جراء تدخلات المؤسسات الدولية (مجلس الأمن - البنك والصندوق الدوليان- منظمة التجارة...)، وهى مؤسسات خاضعة بالكامل تقريباً للنفوذين الأمريكي والأوربي. - تلعب الاحتكارات الكبرى لوسائل الإعلام الجماهيرى العالمية، دورًا مؤثراً في نشر ثقافة العولمة النيوليبرالية، وتشويه النضالات المقاومة لها، وإخفاء وربما تزيين الجرائم الإمبريالية وإذكاء الأحقاد بين الأعراق والأديان. - تعتبرالديمقراطية شرطا أساسيا لنجاح نضالات مقاومة العولمة، ولبناء نظم وطنية قادرة على تعبئة الموارد المجتمعية لتحقيق تنمية كفؤة وعادلة، وقادرة على تعميق اللحمة الوطنية والتكامل العربي.
المحور الثالث: العامل العسكري ومثلث الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة والعالم العربي - كانت الحرب لصيقة دائماً بالرأسمالية كأداة للتوسع والتراكم على صعيد عالمي، وكوسيلة لإعادة تقسيم مناطق النفوذ بين المراكز الإمبريالية. لكنها، بالذات، أصبحت أيضا وسيلة الولايات المتحدة لتعظيم دورها القيادى، حيث تتدهور قوتها الاقتصادية نسبياً. كما تلعب أيديولوجية المحافظين الجدد دوراً مهماً في إشعال الحروب والصراعات. - إن حكومات أوربا تنزلق بدرجات متفاوتة في دعم المجهود العسكري العدواني الأمريكي، كجزء من حماية المنظومة الرأسمالية العالمية ككل، وأيضًا للحفاظ على ما تتصوره الدول الأوربية كمواقع نفوذ تاريخية لها. - كما يجب أن يناضل اليسار الأوربي بشكل واضح ضد الاستراتيجية العسكرية الجديدة، وبالأحرى عسكرة الاتحاد الأوربى، خاصة أن هذه الاستراتيجية تعتمد ذات المفاهيم الأمريكية في ما يتعلق بالمنظور الخاص لطبيعة التهديدات وما تسمى "الحرب على الإرهاب". - إننا مواجهون بخطر حقيقي جراء اختراع أو اختلاق التهديدات من جانب الدوائر الحاكمة في واشنطن، بهدف ابتزاز أوربا والعالم أجمع، فضلاً عن تمرير الحروب تحت مسمى "دمقرطة" المجتمعات في الجنوب، وهو ما لم يُنتج حتى الآن سوى المزيد من الحروب الأهلية ونظم الحكم الفاشلة. - إن الأسلوب الحربى الأمريكى /الأوربى/ الإسرائيلى المطبّق حديثًا، أصبح يعتمد على الوحشية المفرطة، وإبادة أعداد هائلة من المدنيين، وتدمير البنى التحتية، في ما يمكن أن يطلق عليه "إرهاب الدولة" بامتياز. - وأيضًا يسارع كثير من الحكومات العربية إلى التواطؤ العلني أو السري مع الحروب الإمبريالية في المنطقة، على أمل أن يساعدها هذا في شراء المزيد من زمن بقائها في السلطة، مهما كانت طبيعتها القمعية وفسادها. - بالمثل فإن صفقات السلاح الضخمة في المنطقة تلعب دوراً مهماً في إعادة تدوير العوائد النفطية لصالح رأسمالية المركزين الأمريكى والأوربى، فضلاً عن الفساد الفاضح الذي يكتنف هذه الصفقات والذي يعتبر بمثابة المكافآت التي تحتجزها النخب الحاكمة لنفسها. - هناك حاجة ملحة إلى تصعيد نضال اليسار الأوربى مع كل قوى السلام ضد تمدد حلف الناتو شرقاً وجنوباً، بل وضد وجوده من الأصل. - كما أن الاعتداءات والتدخلات الإمبريالية قد تسببت في إثارة وتبرير أشكال "غير نظامية" في مواجهتها قد تتداخل مع ممارسة الإرهاب ضد المدنيين، وإن لم يكن القانون الدولي قد توصل بعد إلى تعريف محدد "للإرهاب". - إن الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة فى كافة أنحاء العالم ضد الحرب لم تنجح للأسف حتى الآن فى إيقاف عجلة الحرب، وقد آن الأوان لبلورة مشروع عربي- أوربي يتضمن رؤية قوى السلام في الجانبين لكيفية بناء سلام عادل ومستقر.
المحور الرابع: الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي - ثمة رأى قوي بأن الصراع المعني أوسع من ذلك، وأنه صراع عربي- إسرائيلي في الأساس، حتى لو كانت بعض الدول العربية قد عقدت معاهدات سلام مع إسرائيل.. ذلك لأن إسرائيل ما زالت تحتل أراضي في سوريا ولبنان، ولأنها لعبت دورًا تاريخيًا إقليمياً لصالح الإمبريالية العالمية ضد مشروعات التحرر الوطني العربية، كما تضمن الإمبريالية حماية إسرائيل (على ما هي عليه) من أي مساءلة دولية عن ممارساتها، وباتت تحتل أولوية متقدمة في الاستراتيجية الأمريكية الرسمية في المنطقة. - إن الممارسات العدوانية الإسرائيلية قد وصلت إلى أعلى مستوياتها مع الهجمة الأمريكية على المنطقة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001، فأصبحت إسرائيل تمارس ذات الأسلوب العسكري الأمريكي في العدوان والتدمير والاغتيالات، فضلاً عن الاستمرار في توسيع المستوطنات والحصار والاعتقالات والجدار العازل وفرض الكانتونات على الشعب الفلسطيني... الخ. وكان ما اقترفته إسرائيل فى لبنان جريمة حرب كاملة الأركان عجزت كل المؤسسات الدولية عن أن تفعل شيئاً لتوقفه، بسب التواطؤ الأمريكي - الأوربي والذي شاركت فيه أيضاً نظم عربية حاكمة. - إن القانون الدولى في امتحان حقيقي الآن كي يوقف الممارسات العدوانية الإسرائيلية، في ظل الهيمنة الأمريكية على مجلس الأمن الدولى، وعلى ما تسمى "الرباعية الدولية". - أما الحصار المفروض على الشعب الفلسطينى بسبب خياره الديمقراطي فى انتخابات نزيهة، فهو يكشف زيف ادعاءات الدمقرطة والإصلاح من ناحية، كما يكشف من ناحية أخرى النزعة اللاإنسانية والمريضة نحو عقاب الشعوب وتأديبها. - ولعل مما ساعد فى تفاقم الأوضاع : تلك الصراعات الداخلية في السياسة الفلسطينية، إلى حد عدم التوافق على برنامج نضالي وطني مشترك، وعدم إدارة الخلافات الداخلية بعيداً عن أجواء العنف والفساد، ورضوخ البعض للمطالب والضغوط الإمبريالية والاستقطابات الإقليمية. - لا تبدو فى الأفق أية إمكانية حقيقية لإحياء ما تسمى "العملية السياسية" بسبب الشروط التعجيزية التى تطرح على الفلسطينيين بالتخلي عن الأرض وعن حق العودة مع إعفاء إسرائيل من أي ضغط. - وأصبح من الملح الآن المطالبة بإعادة القضية الفلسطينية بأكملها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، كي تتحمل مسئوليتها بعيدا عن هيمنة القوى الإمبريالية وسياسة المعايير المزدوجة. كما أصبح من واجب الاتحاد الأوربي ألا يقنع بدور من يمنح المساعدات ويمنعها عن السلطة الفلسطينية، وأن يتقدم بمبادرات تتناسب مع حجمه الدولي وألا يترك الزمام الحقيقي لما تسمى "العملية السلمية" في أيدي الإدارة الأمريكية.
المحور الخامس: التنمية وعلاقات الاتحاد الأوربي مع العالم العربي - نتج عن اتفاقات "الشراكة" وضع اقتصادات البلدان العربية تحت وصاية وهيمنة خارجية، وبالتحديد الرأسمالية الأوربية. وكل هذه الاتفاقات تقوم على النموذج النيوليبرالي، ومن ثم لا فرق كبيراً بينها وبين التوجه الأمريكى. - إن المعونات التى تقدم للبلدان العربية لا تعد سوى جزء يسير من تعويضات واجبة عن سنوات طويلة من الاستعمار واستنزاف مواردها واستغلال طبقاتها العاملة. - ونحن مواجهون بازدواجية حقيقية في المعايير الأوربية في ما يتعلق بالدعم وتحرير الأسواق. حيث يُطلب فتح الأسواق العربية بالكامل أمام المنتجات والخدمات ورؤوس الأموال الأوربية، في وقت تقفل الأسواق الأوربية أمام الصادرات الزراعية وأيدي العمل العربية. - تنطوي برامج الشراكة على مفهوم التحالف بين رجال الأعمال والحكومات وما يسمى "المجتمع المدني". وحيث اختزل المجتمع المدني فى المنظمات الأهلية العاملة في المجالين الحقوقي والتنموي المحلي، مما يعنى استبعاد أي مشاركة شعبية حقيقية. - إن مسئولية التنمية فى البلدان العربية تقع في الأساس عليها هي. ومن واجب القوى الوطنية والديمقراطية فيها أن تبلور رؤية تقدمية متكاملة لأهداف التنمية ووسائلها. المحور السادس: دور ومسئولية اليسار - إن التفاهم والتعاون بين اليسارين العربي والأوربي مطلب بالغ الأهمية لتطوير تعاون ديمقراطي بين الإقليمين العربي والأوربي. - على اليسار الأوربي أن يقدم رؤى فكرية وبرنامجية متكاملة إزاء قضايا مثل الحرب وعدم انجراف أوربا وراء المغامرات الأمريكية وحلف الأطلنطي، قضايا الهوية والتعددية الثقافية والهجرة والإسلاموفوبيا، والربط بين الديمقراطية الاجتماعية والسياسية. - كما هو مطالب بتقديم مواقف أكثر وضوحاً من الصراع العربي - الإسرائيلى، وأوضاع البلدان النامية عموما، وخاصة في مايتعلق بإلغاء الديون المجحفة، وإتاحة الحق في المعرفة ونقل التكنولوجيا. - أما اليسار العربي فيواجه وضعاً شديد التعقيد، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، يتطلب منه إعادة النظر الشاملة في مجمل رؤيته وأجندته النضالية. ومما يزيد الأمر صعوبة: حالة الترهل التنظيمي التي أصابته. على أن المنطلق الحقيقى هنا يجب أن يتمثل في النقد الجريء للذات. - وفي مقدمة القضايا التى يجب على اليسار العربي الاعتناء بها: كيفية تحقيق اندماج أكبر مع الحركات الاجتماعية، فضلا عن بذل جهود ذات مغزى من أجل توطينالفكر الاشتراكي في مجتمعاته، وإبداع الصيغ التنظيمية الكفيلة بتحقيق الديمقراطية الداخلية والفعالية الجماهيرية. - كما يتوجب على اليسار العربي اتخاذ موقف مرن ومبدئي من تيارات الإسلام السياسي يراعي التباينات بينها، ويضع في المقدمة أولويات التصدي للهجمة الإمبريالية ذات الطابع العسكري الوحشي، ويأخذ في الحسبان القواعد الجماهيرية الواسعة المتأثرة بالخطابات الثقافية لهذه التيارات. ومن ثم ضرورة جذبه إلى المجرى الرئيسي للنضال من أجل الاستقلال وبناء الدولة المدنية وإرساء الديمقراطية السياسية والاجتماعية. ففي الوقت الذي يعاني اليسار العربي من ضعف الحضور على الساحة الشعبية، تواجه المجتمعات العربية صعود التيارات الدينية التي يتخذ بعضها ما يعرف بنمط "الإسلام السياسي". وقد طرحت في الندوة آراء حول ضرورة النظر إلى الإسلام السياسي كنوع من تطور التعبير عن الثقافة الدينية الشعبية السائدة، والتي تستغل النظم الحاكمة نفسها بعض أوجهها، كما تتجه بها أطراف أخرى نحو التطرف والإرهاب، خاصة في ظل عدم الاعتراف الرسمي بها. بينما طرحت آراء مقابلة تتخوف من أن يتحول "الإسلام السياسي" إلى أداة في يد الهيمنة الرأسمالية وتغلغل العولمة الإمبريالية نفسها بفعل تشابه التوجه الاقتصادي، فضلا عن العلاقات التاريخية لأطراف من الرجعية الدينية بالقوى الاستعمارية، الأمر الذي يتطلب فرزا صحيحا لهذه التيارات الدينية، وتحديد الموقف منها وفق مدى تمايز مواقفها عن سياسات وممارسات الإمبريالية والعولمة النيوليبرالية، وكذلك مدى استعدادها للانخراط في المقاومة. وعموما كان هناك إجماع على التزام جانب الحذر إزاء محاولات البعض لوضع اليسار في خيار "مستحيل" وغير منطقي بين الاستبداد السلطوي والتيارات الإسلامية ككل، فهي مقايضة غير مبدئية تأتي ترجمة لخيار تعسفي آخر على الساحة العالمية اليوم بين الإمبريالية و"الإرهاب الإسلامي" ! ومن المؤكد أن باستطاعة اليسار، ومن واجبه، بلورة خيار ثالث. إن اليسارين العربي والأوربي مطالبان بصياغة تحالفات ديمقراطية فعالة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، شريطة قيام هذه التحالفات على أسس الندية وجذرية التوجه والطابع الشعبي للنضال.
#مصطفى_مجدي_الجمال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سياسات منحازة تنذر بغضب عنيف
-
اعتراف
-
نمو أم تنمية؟ ولمن؟
-
أرجوحة الكاريزمات
-
هل يستعين طرامب بالسادات؟!
-
فليتذكّر -هيكل- -الورداني-
-
إحموا المناعة الوطنية
-
الغرب يتوحش
-
فشل محقق لتنظيمات الشباب السلطوية
-
عن السلفية
-
بره الأجندة
-
عن التنوير الحقيقي والمزَوَّر
-
لنجرب وننصح النظام مرة
-
إعادة نظر في الصراع
-
انصياع الجبناء أم دفاع عن الوجود
-
التكفيري محل الدكتاتور
-
حديث شائك جدا عن الوافدين
-
المعضلة الشبابية
-
وضاع النفوذ المصري في أفريقيا
-
حل التهجير الدموي
المزيد.....
-
بقناع غطس.. إنقاذ طفل من فيضانات ولاية تكساس الأمريكية
-
تصعيد أمريكي إيراني.. نذر حرب شاملة
-
طفلة فلسطينية تهب قلبها لطفل إسرائيلي وتمنح الحياة لأربعة مر
...
-
الجزائر تحقق في حريق دار أيتام بالمحمدية أسفر عن مقتل 11 شخص
...
-
ضرب وتجويع واعتداءات جنسية.. شهادات توثق التحوّل في ظروف الا
...
-
-معادلة الحوثي-.. المطارات والموانئ والمنشآت النفطية السعودي
...
-
وسط موجة حر قياسية: انقطاعات مفاجئة للكهرباء في تونس تخلف وف
...
-
لماذا يبتزّ ترامب دول الخليج؟
-
يوراكتيف: فون دير لاين اضطرت للاحتماء في ملجأ خلال زيارتها ل
...
-
خبراء أمميون يحذرون من انتهاكات بحق مهاجرين على الحدود التون
...
المزيد.....
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
-
الجاسوسية بنكهة مغربية
/ جدو جبريل
-
رواية سيدي قنصل بابل
/ نبيل نوري لگزار موحان
-
الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة
/ أيمن زهري
المزيد.....
|