أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - إيمان القحطاني - مأزق الأبوية: تشريح القوامة الانتهازية والرق الاقتصادي المعاصر في السعودية














المزيد.....

مأزق الأبوية: تشريح القوامة الانتهازية والرق الاقتصادي المعاصر في السعودية


إيمان القحطاني

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 22:04
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


لطالما تباكى سدنة الفكر الذكوري وعرّابو السائدة الأبوية على ما يسمونه "تآكل سلطة الأسرة"، مصورين القوانين الحديثة ونظام الأحوال الشخصية السعودي الجديد وكأنه معاول هدم للمجتمع. لكن الحقيقة العارية التي تكشفها أروقة المحاكم والدراسات الفقهية المقاصدية هي أن القوامة سقطت أخلاقياً وتشريعياً وصارت جثة هامدة في اللحظة التي تحول فيها الرجل من "مُنفقٍ حامٍ" إلى "مستثمر طفيلي" يقتات على عرق النساء. إن القوامة في أصلها التشريعي والقرآني ليست صك تملّك أبدي، ولا حقاً بيولوجياً مطلقاً يُولد به الذكر؛ بل هي عقد مدني تبادلي مشروط يدور مع علّته وجوداً وعدماً. فإذا تنصّل الرجل من شرطها المالي وحضورها الأخلاقي، سقطت قوامته وتوقفت بقوة القانون والشرع، وتحول التمسك بها إلى ممارسة صريحة للاستعباد الحديث.
قوامة "الإنفاق المقلوب": لصوصية مقننة وسُعار السطو على جيوب النساء
المفارقة المقززة والمزلزلة في المشهد الذكوري المعاصر هي المرونة الانتهازية والسريالية في تفسير النصوص الدينية. فعندما يتعلق الأمر بالمنع، والحجر، وفرض الطاعة، وممارسة الوصاية على أدق تفاصيل حياة المرأة، يستيقظ وعي الرجل الفقهي فجأة، ويتذكر الآيات، ويطالب بالطاعة المطلقة والخنوع التام. لكن في اللحظة التي تأتي فيها فواتير المعيشة، ومصاريف السكن، ونفقة الأطفال، يُصاب هذا الوعي بـ "العمى الفقهي" المطبق، وتنقلب المعادلة رأساً على عقب ليحل محلها نمط مشوه من "الإنفاق المقلوب".
إن اضطرار المرأة العاملة – تحت تهديد النكد الأسري اليومي، أو الابتزاز العاطفي، أو التهديد بالطلاق وتشتيت الصغار – إلى تحمل العبء المالي للمنزل كاملاً، بينما يحتفظ الرجل براتبه لنفسه أو لتأمين نزواته، هو إعلان صريح عن موت القوامة إكلينيكياً وتحولها إلى "سبوبة" وتجارة بؤس. إن المنظومة الذكورية التي جعلت من "النفقة" ثمن الإدارة والقيادة الأسرية، سقطت في وحل المادية؛ فالقضاء السعودي حاسم وصارم في هذا السياق: مال المرأة ملكٌ خالص لها، ولا تُجبر على إنفاق هللة واحدة منه على المنزل إلا برضاها المحض. وبالتالي، فإن الرجل الذي يعتمد اقتصادياً على تابعةٍ له، ثم يملك الوقاحة لمطالبتها بالطاعة أو فرض الوصاية عليها، هو لِصٌ يعاني من انفصام أخلاقي، يتلذذ بسلطة رمزية يُمولها عرق امرأة يسلبها حقها جهاراً نهاراً.
مقصلة التشريع الحديث: التفكيك القانوني لسطوة الولي الواقعية
لقد جاء "نظام الأحوال الشخصية السعودي الجديد" بمثابة مقصلة تشريعية بترت مخالب الولاية الواقعية المطلقة التي كانت تلتف حول عنق المرأة باسم العُرف. لم تعد القوامة سيفاً مصلتاً بلا رقيب يُدار بأهواء الرجال؛ بل أصبحت محكومة بمحددات إسقاط قانونية وقضائية صارمة لا يمكن الالتفاف عليها:
السقوط التلقائي بالامتناع المالي: بموجب النظام، سواء كان الرجل معسراً عاجزاً عن الكسب أو موسراً شحيحاً متعنتاً، فإن توقفه عن توفير السكن والمأكل والملبس الأساسي للمرأة يُسقط شرعية قوامته ونفقته قضائياً فوراً، ويمنح المرأة الحق الكامل في فسخ عقد النكاح وانتزاع حريتها دون أن تدفع هللة واحدة كعوض، لأن الرجل أبطل الركيزة المادية التي قام عليها العقد.
سقوط الأهلية بسقوط الأمانة (العنف والأذى): لقد ربط المشرع السعودي القوامة بحسن العشرة والأمانة على النفس. وعند ثبوت أي نوع من أنواع العنف الجسدي، أو اللفظي، أو الحبس، وتوثيقه، تتوقف سلطة الرجل التنظيمية تماماً؛ فالعدالة المعاصرة لا تمنح مجرماً أو معنفاً حق الوصاية على ضحيته، وتعتبر استمرار القوامة في ظل الأذى تشريعاً للجريمة.
موت الولاية في الفضاء المدني: لقد جُرّدت الأبوية من أسلحتها في الفضاء الاجتماعي العام؛ فالمواطنة الراشدة (21 عاماً فأكثر) تملك الحق القانوني والسيادي الكامل في السفر، والعمل، وتأسيس الشركات، وإدارة شؤونها المالية والمدنية دون حاجة لإذن، أو موافقة، أو مباركة من أي ذكر في عائلتها. هذا الفصل الحاسم حصر القوامة في أضيق أطرها الأسرية، وجعلها مسؤولية تنظيمية مشروطة بالأداء الأخلاقي والمادي الفعلي، لا سلطة مطلقة على ذات المرأة.
جشع المواريث: حرمان الوارثات واستبدال حدود الله بأعراف الجاهلية
لا يتوقف هذا السُعار المالي الذكوري عند عتبة الرواتب والبطاقات المصرفية المستلبة، بل يمتد بقرون استشعاره الجشعة لنهب الإرث الشرعي للمرأة عبر ما يُعرف سوسيولوجياً بـ "الحجب العرفي للميراث". في العقلية الأبوية القبلية، يُعتبر خروج الأراضي، أو العقارات، أو السيولة النقدية من تركة الآباء إلى امرأة (وبالتالي احتمالية انتقالها لعائلة زوجها) "خطيئة اجتماعية وعاراً قبلياً".
لذا، تُساق النساء والفتيات تحت مقصلة الابتزاز النفسي العنيف، والتهديد بالقطيعة التامة، والتبرؤ الأسري، والطرد من محيط العشيرة، ليُجبرن على التنازل عن نصيبهن القرآني الصريح لصالح الأخوة الذكور مقابل فتات مالي مهين أو بلا مقابل على الإطلاق. إنهم يعطلون حدود الله التي فُصلت بدقة متناهية في محكم التنزيل، ويستبدلون أحكام السماء بأعراف الجاهلية الأولى التي كانت ترى في المرأة كائناً لا يرث لأنه "لا يحمل السيف ولا يذود عن الحِمى"، ثم يملكون من النفاق ما يكفي ليعتلوا المنابر متحدثين عن الغيرة، والستر، وصيانة كرامة المرأة.

إن قوامةً تتباكى على الطاعة والولاية في العلن، وتختفي خسةً عند دفع الفواتير لتعيش متطفلة على رواتب ومواريث النساء، هي قوامة انتهازية ساقطة، ميتة إنسانياً وأخلاقياً وقانونياً. كفّوا أيديكم وجشعكم عن حيوات النساء وأموالهن؛ فراتب المرأة وإرثها ليسا غنيمة حرب لعشيرتها، بل هما خط دفاعها الأخير وحصن أمانها الوجودي. إن زمن صكوك الامتلاك العائلي قد انهار وصار في مزبلة التاريخ، والقوانين الحديثة لم تهدم الأسرة بل هدمت مسالخ الاستغلال المقنع بالدين، ولن تقبل نساء اليوم بأقل من السيادة الكاملة والحرية المطلقة على مصائرهن رغماً عن أنوف لصوص القوامة الجاهلية.



#إيمان_القحطاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقاصل الأعراف: تشريح العضل واستعباد النساء باسم الشريعة
- سقوط السماء: كيف سحبت الخوارزميات عرش -الآب الغيبي-؟
- سيدات الحَجَر والصّخر: المَكانة السيَادية للمرأة في حضَارات ...
- خوارزميات التمكين: المرأة السعودية وقسمة الوعي الرقمي الجديد
- عقيدة الخوارزميات: عندما تفقد الأديان احتكار الإجابات الوجود ...


المزيد.....




- هل ترى بعض النساء ألواناً لا يراها الآخرون؟
- تقرير حقوقي: الاحتلال يرسخ التهجير القسري بمنع عودة النساء و ...
- مصرع طفلة وإصابة والدتها وشقيقتيها إثر حريق أشعله الأب في مص ...
- منتخب سيدات المغرب يحصد ذهبية كأس العالم في التايكواندو
- ناشطة ألمانية تكشف تعرضها للاغتصاب في سجون الاحتلال
- العفو الدولية: العاملات الفلبينيات يتعرضن للاستغلال الجنسي ف ...
- دليل أوروبي جديد لمواجهة التشييء في تصوير أجساد الرياضيات
- -أرادوا كسر إرادتنا-.. ناشطة ألمانية تتهم حارسات إسرائيليات ...
- مصر.. بلاغ للنائب العام يتهم الفنان محمد غنيم بـ-الإساءة للن ...
- مصريان وإيراني.. السجن لأكثر من 60 عاما لثلاثة من طالبي اللج ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - إيمان القحطاني - مأزق الأبوية: تشريح القوامة الانتهازية والرق الاقتصادي المعاصر في السعودية