أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عزالدين - تهافت النقد الكلامي: قراءة تفكيكية لانتقادات د.سعيد فودة للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي














المزيد.....

تهافت النقد الكلامي: قراءة تفكيكية لانتقادات د.سعيد فودة للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي


محمد عزالدين
كاتب وباحث وشاعر وأديب مصري

(Mohammed Ezzdien)


الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 19:44
المحور: قضايا ثقافية
    


إن التجربة الروحية للشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي شكلت مادة سجالية خصبة عبر التاريخ الإسلامي، وها نحن اليوم أمام موجة جديدة تجدد هذه السجالات بزخم بنيوي يقوده الدكتور سعيد فودة وتلامذته من المدرسة الأشعرية المعاصرة، ورغم محاولاتهم إضفاء قيمة علمية على أقوالهم واتهاماتهم لتبدو محاكمتهم منطقية أثناء نقدهم لأقوال الشيخ الأكبر، إلا أن الغوص في أعماق هذا النقد يكشف عن أزمة بنيوية عميقة تتمثل في "محاكمة نسق معرفي بأدوات نسق معرفي آخر"، وهو ما أنتج بالضرورة حكماً مشوهاً لا يعكس حقيقة الفكر الذي يوجهون إليه النقد، فلايمكن أبدا لكل منصف عاقل عزل التجربة الروحية لسيدي محيي الدين بن عربي عن نسقها المعرفي الذي خرجت منه، وإلا حدثت أزمة في الفهم، وللأسف هذا ما شاهدناه في نقد هذه المدرسة في الأيام القليلة الماضية، فوجدنا أحكاما مشوهة لاتعكس أبدا حقيقة الفكر الذي وجهت إليه.
أزمة المصطلح والمبنى المعرفي
وأولى هذه الإشكالات التي وقع فيها نقد الدكتور سعيد فودة للشيخ الأكبر ابن عربي هي "المحاكمة اللفظية الظاهرية" لعبارات المحققين، والتي اعتمد فيها نقد أطروحة "وحدة الوجود" على فهمها بمعناها العامي البدائي (أي حلول الخالق في المخلوق، أو اتحاد الممكن بالواجب)، في حين أن الشيخ الأكبر ابن عربي قد حسم هذا الأمر عندما فرق بين "الوجود الحق" (الذاتي المطلق) وبين "المظاهر والتعينات" (الوجود المقيد الذي هو في حقيقته عدم لولا إمداد الحق له).
فالمتكلم قد بني مذهبه على التمايز الأنطولوجي الصارم (انفصال الذوات)، بينما العارف قد بناه على التوحيد الوجودي (وحدة العين وتعدد الشؤون). إن عملية حشد النصوص لإثبات "الحلول" على الشيخ الأكبر ابن عربي هي محاولة إسقاطية فاشلة؛ لأن الشيخ الأكبر يُكفِّر القائل بالحلول والاتحاد صراحة في فتوحاته بقوله "من قال بالحلول فدينه معلول، وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد".
حدود العقل وحدود الكشف
إن التيار الأشعري المعاصر يرى أن العقل والنظر الاستدلالي هما الحاكم المطلق على العقائد والمفاهيم، وهذا لاينفيه الشيخ الأكبر ابن عربي، ولكنه يرى صلاحية العقل في دائرة التكليف والمحسوسات فقط، بينما يظل هذا العقل مشدوها عاجزاً (مقيَّداً بـ "العقال") عن الإحاطة بالحقائق الإلهية المطلقة.
ومن الغريب أن نجد النقد الموجه للشيخ الأكبر ابن عربي بأنه قد خرج عن القواعد المنطقية، في الوقت الذي أغفل فيه أمرا في غاية الأهمية وهو أن المعرفة عند الصوفية مبنية على "الكشف والذوق"، وهي رتبة تعلو فوق طور العقل لا ضده، فمحاكمة الرؤية الكشفية بأدوات المنطق الصوري الأرسطي تشبه محاكمة قوانين الفيزياء الكوانتية بمساطر الفيزياء الكلاسيكية؛ كلاهما يصف الواقع لكن من مستويين مختلفين تماماً.
إشكالية فك الرموز واللغة الإشارية
من المعلوم لكل من له اطلاع على كتابات السادة الصوفية ومنهم الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن عربي بأنها تتميز بكونها لغة إشارية، رمزية، عالية الكثافة المجازية. فكيف يأخذ الدكتور سعيد فودة هذه العبارات (خاصة من كتاب "فصوص الحكم") ويخضعها لمشرط القياس اللغوي الحرفي، وهو من رواد المدرسة الأشعرية التي تعلي شأن "المنهج التأويلي".
وقد أدى غياب تفعيل "المنهج التأويلي" عند التعامل مع نصوص ابن عربي إلى جناية علمية؛ فالشيخ الأكبر يستخدم اللفظ المشترك ليعبر عن معانٍ باطنية، فكلمة "العبد" و"الرب" و"الحق" و"الخلق" تتحرك في فلك مرن يعبر عن العلاقة بين الظاهر والباطن، وليس عن تبادل المراكز الوجودية كما يروج المنتقدون.
نقد الانتقائية والنظر التجزيئي
للأسف يعتمد نقد أتباع الدكتور فودة في كثير من الأحيان على اقتطاع نصوص شديدة الغموض والتعقيد من سياقها الضخم في "الفتوحات المكية" أو "الفصوص"، وتقديمها كدليل قطعي على المروق أو الميراث الفلسفي اليوناني، وسبق أن أشرنا أنه لايمكن الحكم على التجربة الروحية للشيخ الأكبر خارج سياقها المعرفي، فكيف باقتطاع النصوص من سياقها الدلالي، إنه لتشويه لفكر الشيخ الأكبر تشويها لايمت للمنهجية العلمية بصلة، بقدر ما يعلو فيه صوت حظ النفس هأنا ذا أنتقد ابن عربي لغرض الانتقاد.
والرد على هذا المنهج يتطلب نظرة شموليّة؛ فالشيخ الأكبر قدّم في مقدمة الفتوحات عقيدة سنية واضحة وافقت أهل السنة والجماعة، وجعلها حكما بينه وبين من يقرأ كتبه من بعده. لذا فإن حمل المتشابه من كلامه على المحكم هو الواجب المنهجي، بدلاً من جعل المتشابه أصلاً لنسف المحكم.
إن النقد الموجه من الدكتور سعيد فودة وتياره للشيخ ابن عربي في ظل غياب المنهجية العلمية الرصينة لا يعد نقدًا مشروعًا، فهو يفقد شرط الموضوعية عندما يحاول فرض آلياته الذوقية والمعرفية على فضاء عرفاني محلق، وسيظل ابن عربي فكراً يُفهم داخل نسقه، وإنصافه لا يعني بالضرورة تبني مقولاته، بل فهمها كما أرادها هو، لا كما تقتضيها لوازم المذاهب الكلامية الأخرى.



#محمد_عزالدين (هاشتاغ)       Mohammed_Ezzdien#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشطير قصيدة (أحبك)
- عفوا دولة العسكر ... فلن ننسى
- متيم أنا
- قَلْبِى مُتْعَبٌ
- حوار مع قلمى
- عم سيد ( قصة قصيرة )
- بعد ليالى ألف ليلة وليلة ( الليلة الثانية بعد الألف )


المزيد.....




- خرق أمني يؤخر حفل جاي زي بملعب يانكي ويثير حالة من الفوضى
- ترامب: العراق يمتلك ثروات هائلة وحقق تغييرات كبيرة خلال فترة ...
- ترامب: مشروع قانون يفرض عقوبات ضد روسيا قد يشمل إيران وحزب ا ...
- رئيس الوزراء العراقي: بعد 30 سبتمبر لن نسمح لأي جهة بحمل الس ...
- فيديو لـ-لحظة سقوط صاروخ حوثي على مطار أبها في السعودية-.. م ...
- الزيدي: الشركات الأمريكية ستوسع وجودها في العراق بعد مغادرة ...
- العين أكثر ذكاء مما نعتقد!.. اكتشاف شبكة خفية تعزز الرؤية ال ...
- يونيو يسجل أعلى حصيلة شهرية للضحايا المدنيين في أوكرانيا منذ ...
- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة مسيرة تابعة للجيش السعودي في أجو ...
- بعثة روسيا الدائمة تبلغ بروكسل بموقفها بشأن الاستخدام السلمي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عزالدين - تهافت النقد الكلامي: قراءة تفكيكية لانتقادات د.سعيد فودة للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي