محمد خضير الانباري
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 19:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
العظماءُ يبنونَ الأوطانَ … والفاسدونَ يبددونَ الآمالَ
الدكتور محمد خضيرِ الأنباريِ
ليستْ الأوطانُ خرائطَ مرسومةً على الورق، ولا حدودا تفصلُ بينَ الشعوب، بلْ هيَ حضاراتٌ تشيد، وقيم ترسخ، وتاريخ تصنعهُ سواعد المخلصينَ وعقول الحكماء. وما منْ أمةٍ بلغتْ ذروةَ المجدِ إلا وكانَ وراءَ نهضتها رجال عظماءَ آمنوا برسالةِ أوطانهم، فوهبوا لها العلمَ والعملَ والإخلاص، فبقيتْ آثارهمْ خالدة، وحفظَ التاريخُ أسماءهم، وأصبحتْ منجزاتهمْ تدرسُ في مدارسِ العالمِ وجامعاتهِ بوصفها نماذجَ مضيئةً في بناءِ الحضارةِ الإنسانية.
إن الحضاراتُ لا يولدها المال وحده، ولا تشيدها الثروات مهما عظمت، وإنما يصنعها الإنسانُ الصالحُ حينَ يمتلكُ الرؤيةَ والحكمةَ والإرادة. ولهذا نجدُ أنَ الأممَ التي ازدهرتْ عبرَ التاريخِ لمْ تبنها المصادفة، وإنما بناها رجالُ دولةٍ حملوا همَ أوطانهمْ قبلَ همومهمْ الشخصية، فجعلوا العدالة أساس الحكم، والعلمِ طريق النهضة، والإنسانِ محور التنمية.
في المقابل، ما أكثر الأوطانَ التي أرهقها الفساد، وأثقلَ كاهلها سوء الإدارة، حتى تراجعَ عمرانها، وتعثرتْ مسيرتها، رغمَ ما حباها الله منْ نعم، وثروات لا تحصى. فكمْ منْ دولةٍ تجري في أرضها الأنهار، ويزخرُ باطنها بالخيرات، لكنَ شعوبها تعيشُ الفقرَ والحرمان، لأنَ منْ تولوا أمرها لمْ يحسنوا إدارةً تلكَ النعم، بلْ جعلوها وسيلة للإثراءِ الشخصيِ وبناءِ النفوذ.
منْ أشدَ ما ابتليتْ بهِ بعضُ الدولِ في عصرنا ظهور ما يمكنُ تسميتهمْ بـــ( سياسيي الصدفة)؛ أولئكَ الذينَ حملتهمْ الظروف أوْ الصراعات أوْ المصالح إلى كراسيِ الحكمِ منْ غيرِ إعداد، ولا خبرة، ولا مشروع وطني، فإذا بهمْ يتصرفونَ بمصيرِ الأوطانِ، كما لوْ كانتْ ملكا خاصا، فتغيبُ الرؤية، ويضعفُ التخطيط، وتختلطُ المصالحُ العامةُ بالمنافعِ الشخصية، فتدفعُ الشعوبُ الثمنَ منْ أمنها واستقرارها ومستقبل أبنائها. ولعلَ ما تعانيه بعضُ دولِ إفريقيا، وعدد غير قليلٍ منْ بلدانِ العالمِ الثالث، يجسدُ هذهِ الحقيقةَ المؤلمة.
إن هذا الوصفُ، الذي شاعَ في الأدبياتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ ليسَ قدرا محتوما، بلْ هوَ نتيجةْ تراكماتٍ منْ الفساد، وسوءِ الإدارة، وإهدارِ الطاقات، وإلا فكيفَ لدولٍ تمتلكُ النفطَ والمعادنَ والأراضيَ الخصبةَ والثرواتِ البشريةَ أنْ تبقى متأخرةً عنْ ركبِ التقدم؟
إنَ المشكلة- في كثيرٍ منْ الأحيان- ليستْ في الأرض، وإنما فيمنْ يديرُ الأرض، والأشدُ إيلاما أنَ الشعوبَ تساقُ منْ نكبةٍ إلى أخرى، ومنْ أزمةٍ إلى حرب، وهيَ لا ناقةً لها فيها ولا جمل، فتتحملُ نتائج قراراتٍ لمْ تشاركْ في صنعها، وتدفعْ أثمان صراعاتِ لا مصلحةً لها فيها، بينما يزدادُ الفقيرُ فقرا، ويتسعُ الفارقُ بينَ الحاكمِ والمحكوم.
منْ أخطرِ أسبابِ انهيارِ الدولِ، أنْ يغلبَ الهوى على العقل، والعاطفةِ على الحكمة، فتتخذُ القرارات في تأثيرِ الانفعالِ لا بعدَ دراسةٍ وتبصر. كما أنَ الحاكمَ الذي يحيطُ نفسه بالمصفقينَ والمطبلينِ إنما يعزلُ نفسهُ عنْ الحقيقة، لأنَ المديحَ الكاذبَ يحجبُ عنهُ مواطن الخلل، ويصورُ لهُ الفشل نجاحا، والانحدار إنجازا، حتى يستيقظَ على واقعٍ لا ينفعُ معهُ الندم، ثمَ تأتي فتنةُ المالِ والسلطة، وهما منْ أعظمَ ما يختبرُ بهِ الإنسان.
إذا خلا القلبُ منْ التقوى، وغابَ الضمير، استبدَ حبُ الدنيا بصاحبه، فأصبحَ يرى في المالِ غاية، وفي المنصبِ امتيازا، وفي السلطةِ وسيلة للهيمنة، فيقدمُ مصلحتهُ على مصلحةِ وطنه، ويبيعُ المبادئ بثمنِ بخس، وينسى أنَ الملكَ زائل، وأنَ التاريخَ لا يخلدُ إلا أصحاب المواقفِ المشرفة.
حينَ تستقرُ هذهِ المفاهيمُ المنحرفةُ في النفوس، يصبحُ إصلاحها بالغَ الصعوبة، لأنَ العقولَ تغلقُ أمامَ النصيحة، والقلوبِ تألفَ الباطل، ويغدو التمرد على القانونِ فضيلة في نظرِ أصحابه، حتى تجتمعَ السلطةُ والمالُ والقوةُ خارجَ إطارِ العدالة، فتضيعُ الحقوق، ويضعفُ القانون، وتنهارُ هيبةُ الدولة.
أنَ أبوابَ الإصلاحِ لا تغلقُ ما دامَ في الأمةِ عقلاء ومصلحون. فالمسؤوليةُ لا تقعُ على الحكوماتِ وحدها، بلْ يشتركُ فيها العلماء، والمفكرون، والمربون، وشيوخُ العشائر، وأهلِ الرأي، وكلّ صاحبِ كلمةٍ صادقةٍ وتأثيرٍ نافع. فهؤلاءِ همْ القادرونَ على غرسِ قيمِ الأمانة، وإحياءِ روحِ المسؤولية، وتصحيحِ المفاهيم، وإعادةِ الإنسانِ إلى جادةِ الصواب؛ ولذلكَ جاءَ المنهجُ الإلهيُ واضحا حينَ ربطِ إصلاحِ المجتمعاتِ بإصلاحِ النفوس، فقالَ سبحانهُ وتعالى:( إنَ اللهَ لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم) ( الرعد: 11 ) .
إن هذهِ الآيةُ الكريمةُ ليستْ دعوة فردية فحسب، بلْ هيَ قانون حضاريّ خالد؛ إذْ لا يمكنُ لأمةٍ أنْ تنتقلَ منْ التخلفِ إلى التقدم، ولا منْ الضعفِ إلى القوة، ما لمْ تغيرْ ثقافةْ الاتكالِ إلى ثقافةِ العمل، وثقافةِ الفسادِ إلى ثقافةِ النزاهة، وثقافةِ التعصبِ إلى ثقافةِ المواطنة، وثقافةِ المصالحِ الضيقةِ إلى الإخلاصِ للوطن.
لايكون بناءَ الأوطانِ بالشعاراتِ الرنانة، ولا بالخطبِ الحماسية، ولا بالوعودِ الانتخابيةِ المؤقتة، وإنما يتحققُ بالعدل، وسيادةْ القانون، واحترام الكفاءة، ومحاربةْ الفساد، وإطلاق طاقاتِ الشباب، وصيانةِ المالِ العام، وجعلِ مصلحةِ الوطنِ فوقَ كلِ اعتبار.
ليسَ عيبا أنْ تتأخرَ الأمم، ولكنَ العيبَ أنْ تملكَ أسباب النهضة، ثمَ تفرطُ بها، وأنْ تمتلكَ الثروة ثمَ تبددها، وأنْ يكونَ لديها العلماءُ والمخلصون، ثمَ تقدمُ عليهمْ أصحاب المصالحِ والولاءاتِ الضيقة.
سيظلُ التاريخُ منصفا؛ فهوَ لا يذكرُ عدد منْ حكموا، وإنما يذكرُ كيفَ حكموا. فلا يخلدُ إلا منْ بنى وطن، أوْ نشرٌ عدلا، أوْ رفعَ شأنَ شعبه، أما الذين، فجعلوا السلطة وسيلةْ للإفسادِ وإهدار الثرواتِ وتمزيق المجتمعات، فلنْ يجدوا في صفحاتِ التاريخِ إلا موضعا يذكرهمْ بوصفهمْ سببا في ضياعِ أوطانهم.
إنَ الأوطانَ أمانةٌ في أعناقِ أبنائها جميعا، حاكما كانَ أوْ محكوما، وإنَ نهضتها تبدأُ منْ صدقِ الضمير، واستقامةِ السلوك، وإعلاءِ المصلحةِ العامة، لأنَ العظماءَ يبنونَ الأوطانَ للأجيال، أما الفاسدون، فلا يورثونَ إلا الخراب والندم، وما بينَ البناءِ والهدمِ يبقى الإنسانُ هوَ صانعُ التاريخ، وصانعُ المستقبلِ.
لقدْ أثبتَ التاريخُ أنَ نهضةَ الأممِ لا ترتبطُ بكثرةِ ثرواتها، بلْ بعظمةِ قادتها وعدالةِ أنظمتها، فما زالتْ الإنسانيةُ تذكرُ الخليفة عمرِ بنِ الخطابِ( رضيَ اللهُ عنه)، الذي أقامَ دولةَ العدل، حتى أصبحَ مضرب المثلِ في النزاهةِ والمساواة.
كانَ يرى أنَ الحاكمَ خادمٌ للرعيةِ لا سيد عليها، وكانَ يقول: لوْ عثرتْ بغلةٌ في العراقِ لسألني اللهُ عنها: لمَ لمْ تمهدُ لها الطريق يا عمر؟ " فأرسى قواعدَ المسؤولية، وحمى المال العام، وأمن الرعية، ونشر العدلِ حتى شعرَ الفقيرِ قبلَ الغنيِ بكرامةِ الدولةِ وهيبتها.
ويأتي الإمام عليّ بن أبي طالبٍ( ع) ، الذي قدمَ للأمةِ مدرسة خالدة في الحكمِ الرشيدِ والعدالة، فقدْ أوصى ولاتهُ بالرحمةِ والإنصاف، وكتبَ إلى عاملهِ على مصر، ( مالك الأشتر)، وصية تعدُ منْ أعظمِ الوثائقِ السياسيةِ والأخلاقيةِ في التاريخ.
فقال: ( وأشعرَ قلبك الرحمة للرعية، والمحبةِ لهم، واللطف بهم، ولا تكونُ عليهمْ سبع ضارّ تغتنمُ أكلهم ) ، وكانَ يؤكدُ أنَ الناسَ جميعا يستحقونَ العدلَ بقولهِ الخالد: " الناسُ صنفان: إما أخ لك في الدين، أوْ نظير لك في الخلق، فلمْ يجعلْ الحكم وسيلة للسلطان، بلْ رسالةٍ لإقامةِ الحقِ وصيانةِ كرامةِ الإنسان.
عندما نقرأُ سيرةَ (صلاح الدين الأيوبيِ) نجدُ قائدا جمعَ بينَ الشجاعةِ والتسامح، فوحدَ الأمةَ بعدَ تفرقها، وحررَ القدس، ولمْ يجعلْ النصر بابا للانتقام، بلْ ضربَ أروعَ الأمثلةِ في العفوِ واحترامِ الإنسان، فخلدَ التاريخُ اسمهُ قائدا عظيما وإنسانا نبيلا.
في العصرِ الحديث، قدمَ ( نيلسونْ مانديلا) نموذجا فريدا في القيادة؛ فبعدَ سنواتٍ طويلةٍ منْ السجنِ لمْ يدعُ إلى الثأر، بلْ اختارَ المصالحة الوطنية، ووحدَ شعب جنوب أفريقيا، وجعل التسامحِ أساسا لبناءِ الدولةِ الجديدة، فأثبتَ أنَ الأممَ تبنى بالوحدةِ لا بالأحقاد.
أما ( لي كوانْ ي)، مؤسس نهضةِ سنغافورة الحديثة، فقدْ تسلمَ دولةً صغيرةً تفتقرُ إلى المواردِ الطبيعية، لكنهُ آمنَ بأنَ الإنسانَ هوَ الثروةُ الحقيقية، فحاربَ الفساد بلا هوادة، ورسخَ سيادةَ القانون، وجعلَ التعليمِ والكفاءةِ أساس التعيينِ في مؤسساتِ الدولة، فتحولتْ سنغافورة خلالَ عقودٍ قليلةٍ منْ ميناءٍ متواضعٍ إلى واحدةٍ منْ أكثرِ دولِ العالمِ تقدما وازدهارا.
هكذا يعلمنا التاريخ أنَ العظماء، على اختلافِ أزمانهمْ وأديانهمْ وأوطانهم، اشتركوا في صفاتٍ واحدة: العدل، والأمانة، واحترامُ الإنسان، وتقديمُ المصلحةِ العامةِ على المصالحِ الشخصية.
أما الفاسدون، فلمْ يتركوا وراءهمْ إلا الفقر، والانقسام، وضياع الثروات، ولعنات الأجيال، ولذلكَ فإنَ بناءَ الأوطانِ لا يحتاجُ إلى كثرةِ الشعارات، بلْ إلى رجالِ دولةٍ يحملونَ ضميرا حيا، ويؤمنونَ بأنَ السلطةَ تكليفُ لا تشريف، وأنَ التاريخَ لا يخلدُ إلا منْ خدمِ شعبهِ بإخلاص، وعدل.
إنَ الأممَ لا تموتُ بفقرها، وإنما تموتُ عندما يفقدُ قادتها الضمير، وتفقدُ شعوبها إرادةْ الإصلاح، فالعظماءُ يتركونَ للأجيالِ أوطانا مزدهرة، أما الفاسدون، فلا يورثونَ إلا الخراب. وسيبقى التاريخُ يكتبُ بحبرِ العدل أسماءَ البنائين، وبسوادِ الخيانةِ أسماء المفسدين.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟