عاطف محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 00:22
المحور:
الادب والفن
يشكل النص الشعري (غرفة بلا جدران) للشاعر سوران محمد المنشور في الحوار المتدن، نموذجًا لقصيدة حداثية تتأسس على اقتصاد لغوي كثيف، تتداخل فيه البنية الرمزية مع البنية الاستعارية لإنتاج خطاب يتجاوز المباشرة إلى فضاء التأويل المفتوح. ولا تنبع قيمته الجمالية من موضوعه وحده، بل من الطريقة التي يعيد بها تشكيل العلاقة بين اللغة والسلطة والذات، بحيث تصبح العلامة الشعرية مجالًا لصراع الدلالات، لا مجرد وعاء لمعنى ثابت.
من منظور البنيوية، يتأسس النص على شبكة من العلاقات الداخلية التي تمنحه وحدته العضوية. فالدلالة لا تنتج من المفردات منفردة، وإنما من انتظامها داخل نسق من التقابلات، أبرزها: (القلب/القانون)، (الصمت/الصوت)، (الليل/الحلم)، (الجذور/الريح)، (الزهرة/القحط). وهذه الثنائيات لا تعمل وفق منطق التضاد الساكن، بل وفق حركة جدلية تجعل كل عنصر يعيد تعريف العنصر المقابل له، وهو ما يحقق ما يسميه رولان بارت «لعبة العلاقات» داخل النص، حيث يغدو المعنى وظيفة للبنية لا للمفردة المنعزلة.
ويستثمر النص استراتيجية الانزياح بوصفها آلية لإعادة إنتاج العالم شعريًا؛ فالتشبيه الافتتاحي: «كان له قلبٌ خفيفٌ كغيمةٍ يخشى أن تجرح الهواء» يمثل خرقًا مقصودًا للمنطق الواقعي، لأن الهواء في التجربة الحسية لا يُجرَح. غير أن هذا الانتهاك لقوانين المرجع الواقعي هو الذي يؤسس الحقيقة الشعرية، إذ تتحول الرهافة إلى درجة يصبح معها الهواء ذاته مصدر تهديد. وبهذا ينجح النص في تحويل الاستعارة إلى رؤية للعالم، لا إلى زينة بلاغية.
أما في ضوء التفكيكية عند جاك دريدا، فإن النص يزعزع استقرار المفاهيم المركزية التي تقوم عليها السلطة. فـ«القانون» الذي يُفترض أن يكون تجسيدًا للعدالة يظهر بوصفه بنية تخفي عنفها خلف خطاب الحماية:
«قانونٌ أعمى يلبس ثوب الحارس ويخفي في جيبه مخلب السجان.»
تنهار هنا الحدود بين الحارس والسجان، وبين العدالة والقمع، بحيث لا يعود القانون حاملًا لمعناه التقليدي، وإنما يصبح علامة تؤجل معناها باستمرار، وتكشف أن كل حضور يخفي غيابًا، وكل شرعية يمكن أن تنطوي على نقيضها. وهذه إحدى الآليات التي وصفها دريدا من خلال مفهوم «اختلاف» (Différance)، حيث لا يستقر المعنى عند دلالة نهائية، بل يظل مؤجلًا ومنفتحًا على احتمالات متعددة.
ومن منظور النقد الثقافي، تبدو القصيدة تفكيكًا لخطاب المراقبة وهيمنة السلطة. فالصورة:
«خنازيرُ بريةٌ تزرعُ آذانها في شقوق الجدران.»
لا تُقرأ قراءة وصفية، بل باعتبارها استعارة ثقافية تكشف بنية الرقابة التي تتجاوز المؤسسات إلى تفاصيل الحياة اليومية. وهنا تتقاطع القصيدة مع تصورات ميشيل فوكو حول آليات السلطة الحديثة التي لا تكتفي بالعقاب، بل تنتج أفرادًا يخضعون للمراقبة المستمرة. فالآذان المزروعة في الجدران ترمز إلى سلطة ترى وتسمع في كل مكان، بينما تأتي الجملة التالية:
«لكن أسرار الروح لا تُفك شفرتها، ولا تُفتش كالجيوب.»
لتعلن وجود منطقة داخلية عصية على الإخضاع؛ أي أن السلطة، مهما بلغت قدرتها على المراقبة، تعجز عن امتلاك الوعي والضمير.
وفي ضوء الهرمنيوطيقا عند بول ريكور، تتحول الرموز إلى وسائط للتفكير، لا إلى إشارات مغلقة. فالقلب، والريح، والنافذة، واللؤلؤة، والرمان ليست علامات ذات مدلولات واحدة، بل رموز تستدعي عملية تأويل متجددة. فريكور يرى أن الرمز «يعطي الفكر ما يفكر فيه»، وهذا ما يتحقق هنا؛ إذ لا يقدم النص حقيقة جاهزة، وإنما يوقظ إمكانات الفهم لدى المتلقي، فيغدو التأويل فعلًا إبداعيًا موازيًا لفعل الكتابة.
ومن زاوية نظرية التلقي عند هانس روبرت ياوس، تتحدد قيمة النص في قدرته على خرق «أفق انتظار» القارئ. فالقصيدة تبدأ بصورة وجدانية حميمة، ثم تنتقل تدريجيًا إلى فضاء سياسي وأخلاقي، قبل أن تنتهي بنبرة نبوئية. وهذا التحول المستمر يمنع تشكل توقعات ثابتة، ويجبر القارئ على إعادة بناء أفقه التأويلي في كل مقطع. كما أن كثافة البياضات النصية تجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، لا مستهلكًا له.
وتتجلى هذه السمة أيضًا في ضوء مفهوم «النص المفتوح» عند أمبرتو إيكو؛ فالقصيدة لا تقدم تفسيرًا نهائيًا لرموزها، بل تسمح بتعدد القراءات. فـ«أصحاب الأختام» قد يحيلون إلى السلطة الإدارية، أو القضاء، أو التاريخ، أو أي مؤسسة تدّعي امتلاك الحقيقة. كما أن «الأوراق» قد تكون وثائق، أو صفحات التاريخ، أو صحائف الأعمال، أو رموزًا للذاكرة الجمعية. وهذا الانفتاح الدلالي ليس غموضًا مجانيًا، بل إستراتيجية فنية تمنح النص قابلية الاستمرار عبر اختلاف الأزمنة والثقافات.
وعلى المستوى الأسلوبي، يحقق النص درجة عالية من الانسجام الإيقاعي من خلال التكرار والتركيب المتوازي، مع توظيف الجمل القصيرة التي تمنح الصور استقلالًا بصريًا وإيقاعيًا. كما تتنامى القصيدة وفق حركة درامية تبدأ بالهشاشة، ثم تتدرج نحو كشف بنية القمع، لتنتهي بانتصار أخلاقي ورمزي، وهو ما يمنحها بنية قوسية محكمة.
إن هذه التلميحات النقدية تؤكد انتماء النص إلى شعر الحداثة الذي يراهن على انفتاح الدلالة أكثر من رهانه على اكتمال المعنى. فالقصيدة تنجح في تحويل التجربة الفردية إلى سؤال إنساني يتصل بالحرية والعدالة والكرامة، وتكشف أن اللغة الشعرية قادرة على مقاومة السلطة ليس بالمواجهة المباشرة، وإنما بإعادة تشكيل الوعي والخيال.
وعليه، يمكن القول إن النص يحقق أحد أهم شروط الشعرية الحديثة؛ إذ لا يصف الواقع، بل يعيد إنتاجه عبر نظام رمزي يجعل اللغة نفسها فعلًا من أفعال المقاومة، ويؤكد أن الحقيقة الأخلاقية قد تتأخر، لكنها لا تتلاشى، وهو ما يتجسد في خاتمته ذات النفس الاستشرافي:
«فلا صوتَ يضيعُ في دهاليز الزمان، ولا تستطيعُ يدُ القحطِ أن تغتالَ زهرةَ الرمان.»
وهكذا تنتهي القصيدة بانتصار الذاكرة على النسيان، والضمير على القهر، والخصب على القحط، في بناء شعري يجمع بين العمق الرمزي والبعد الإنساني، ويؤكد قدرة الشعر على مساءلة السلطة وصون الكرامة الإنسانية دون أن يفقد استقلاله الجمالي.
…
المراجع
• Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1973, p. 5.
• https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=925431
• في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات . د.فائق مصطفى، د.عبدالرضا علي . الناشر: مكتبة اللغة العربية،٢٠١٥.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟