|
|
(ملعقتان وقمر يبكي: في شعرية قصة -تلك الملعقة... طفل... ليلة بكى القمر-) للكاتب عبد الرحمن بوطيب / الناقدة د. آمال بن الطاهر
عبد الرحمن بوطيّب
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 00:21
المحور:
الادب والفن
1. باب القصة بابان، لا باب واحد: القصة لا تبدأ من حيث تُخبرنا أنها تبدأ. عبد الرحمن بوطيب يفتح نصّه بمقطعٍ شعري مكثّف عن الجوع والملعقة الذهبية، ثم يقطعه فجأةً بصوتٍ آخر يقول: "الآن يحكي"، وكأن القصيدة كانت مجرد تمهيدٍ موسيقي على آلةٍ تُشدّ أوتارها قبل أن يبدأ العزف الحقيقي. هذا الانتقال من ضمير غائبٍ مجرّد إلى "أنا" الساردِ الكاتب هو أول علامةٍ على أن النص لن يكتفي بأن يُروى، بل سيُعلن عن نفسه وهو يُروى، فالراوي لا يقول: "كان يا ما كان"، بل يقول: "أنا صديقكم الكاتب الذي لم يكتب في حياته قصةً أعجبتكم" - جملةٌ تسخر من ذاتها قبل أن تبدأ، وتُنزل الكاتبَ من عرش السلطة السردية إلى مقعد الضيف الثقيل الذي يعتذر سلفا عن الإطالة. هذه المفارقة الافتتاحية ليست تواضعا مجانيا، بل هي تكتيكٌ يهيّئ القارئ لنصٍّ لن يسير في خطٍّ مستقيم، ولن يحترم مسافةً آمنة بين من يحكي ومن يُحكى له.
2. الملعقتان - حين يتحول الشيء إلى قدر: يقوم جوهر القصة على ثنائيةٍ بصرية بسيطة في ظاهرها، هائلة في مضمونها: ملعقةٌ صفراء من ذهب، وملعقةٌ سوداء عوجاء. لا يشرح النص هذه الثنائية بلغة الخطابة الاجتماعية، بل يتركها تتجسّد في يدين صغيرتين: يد طفلٍ يملك بيتا "عامرا" ودميات "شقراوات لذيذات"، ويد طفلٍ آخر لا يملك سوى الوقوف عند الباب، ممنوعا من الاقتراب من مائدة الطعام كي "لا يَسُدّ شهيّة" صاحب البيت. هنا تكمن حرفية بوطيب: هو لا يكتب قصةً عن الفقر والغنى، بل يكتب عن أداةٍ صغيرة تُستخدم فيها الملعقة استعارةً كاملة عن توزيع الحظوظ في العالم - "أرزاقٌ يا ولدي، وقد قسمها الله بين العباد بقسطاس"، تقول الأم، في جملةٍ تحمل كل ثقل الاستسلام الشعبي للقَدَر، لكن القصة سرعان ما تُطيح بهذا الاستسلام حين تُعيد تعريف السواد لا بوصفه نقصانا، بل بوصفه صلابة: "هي مثل الملعقة السوداء، قوية". وفي نهاية النص تنقلب المعادلة كليّا حين يرفض الطفل نفسه الملعقة الذهبية ويختار "ملعقته السوداء" طوعا - تحوّلٌ دقيق يجعل الرمز يقفز من كونه علامة حرمان إلى كونه علامة هوية مُختارة.
3. حين تلتقي عشتار بعيشة قنديشة: أكثر ما يكشف عن شعرية النص هو ذلك المفصل الذي تنسلّ فيه الأسطورة الرافدية - أدونيس، عشتار، أفروديت، فينوس - لتتصافح بلا استئذانٍ مع الموروث الشعبي المغربي: هينة والغول، سيدنا علي ورأس الغول، سيف بن ذي يزن، عنترة، وعيشة قنديشة نفسها التي يُقال عنها صراحةً إنها "هي عشتار، أفروديت، فينوس". هذا التماهي بين الأسطورة الكلاسيكية والخرافة المحلية ليس زخرفا ثقافيا استعراضيا، بل هو إعلانٌ ضمنيٌّ بأن الحكاية الصغيرة لطفلٍ فقير في حيٍّ مغربي تنتمي إلى سلالةٍ من الحكي أقدم من الجغرافيا نفسها. القمر الباكي الذي ينتظر أدونيس، والشيخ الطيب الذي يزرع النعناع والحناء بانتظار عودة الخصب، كل هذا يُترجم حرمان الطفل المادي إلى رحلةٍ رمزية أوسع: بدل الملعقة الذهبية، يُهدى الطفلُ رفقةَ القمر وميعادا مع عشتار. وهنا تتجلى إحدى أعمق حيل الشاعر حين يكتب قصةً: أن يُعوّض الفقدَ الواقعي بمجازٍ كوني، لا ليُخفي الفقد، بل ليمنحه بعداً لا تبلغه لغة الشكوى المباشرة.
4. القصيدة تتسلل من تحت الباب: يكفي أن نتأمل هذا المقطع: "سيرة تحكي عن عنترة يحاور الفرسَ / تروي ملحمة عيشة قنديشة / تحفر القبور / تقص عن عليٍّ يقطع رأس الغول..." لنكتشف أن السرد هنا يتخلى فجأةً عن جملته المسترسلة ويتقطّع إلى أسطر قصيرةٍ متوازنة الإيقاع، أقرب إلى قصيدة النثر منها إلى الحوار الروائي. بوطيب لا يُقحم الشعر على القصة إقحاما، بل يجعله يظهر في اللحظات التي يعجز فيها الكلام العادي عن حمل المعنى؛ عند الحديث عن الأسطورة، وعند وصية الأم الأخيرة، وعند غناء الحي بمناسبة نجاح الطفل: "طالب، طالب يا يّو / أَ فرحة مّو مّو". هذه الانزياحات من النثر إلى شبه الشعر ليست فواصل زخرفية، بل نبضاتٌ عاطفية يتوقف عندها السرد ليلتقط أنفاسه، تماما كما يتوقف المرء عند لحظة تأثرٍ حقيقي فيلجأ فجأةً إلى صيغةٍ أكثر إيقاعا مما اعتاد الكلام به.
5. التكرار كجرسٍ لا كإسهاب: لاحِظ كيف تتكرر عبارة "تخرج مع الفجر، لا تعود إلا بعد صلاة عشاء" أكثر من مرة في سياقاتٍ متقاربة. في القصة التقليدية، قد يُحسب هذا التكرار حشوا. لكنه هنا يعمل عمل اللازمة الموسيقية (refrain): كل مرة يتكرر فيها الجرس، يزداد القارئ وعيا بثقل الزمن الذي تقضيه الأم بعيدةً عن ابنها، وكأن الجملة ذاتها تتحول إلى ساعةٍ رتيبة تدق كل يوم من الفجر إلى العشاء. وهذا ما يفعله الشاعر الحقيقي حين يكتب سردا: لا يخاف التكرار، بل يستثمره ليصنع نبضا تحت جلد النص، أشبه بقافيةٍ داخلية لا تُرى لكنها تُسمع.
6. من يحكي فعلا؟ التباس الأنا والآخر: من أكثر تفاصيل النص إرباكا ودهاءً في آنٍ أن الراوي، بعد أن يتحدث عن طفولته الخاصة مع أبيه والأسفار الصفراء، يعلن فجأةً أنه يبحث عن "طفلٍ لم أره في حياتي" ليكتشف لاحقا أنه لا يجده إلا في ذاكرته. هذا الالتباس المتعمد بين "أنا" الراوي و"هو" الطفل الغريب يجعل القارئ عاجزا عن حسم الفصل بينهما: هل الطفل صاحب الملعقة السوداء هو الراوي نفسه متنكرا في ضمير الغائب؟ أم هو استدعاءٌ لطفولةٍ أخرى مجاورة اختلطت بطفولته؟ بوطيب لا يجيب، ولا يريد أن يُجيب، لأن غموض هذه الحدود هو بالذات ما يمنح القصة نفَسها الشعري: فالشعر لا يُحب الحدود القاطعة بين الذات والآخر، بل يستثمر تسرّبهما في بعضهما ليقول إن كل طفلٍ محروم هو، بشكلٍ ما، امتدادٌ لكل طفلٍ آخر عرف الحرمان نفسه.
7. خاتمة / نهاية تعود إلى نقطة السخرية الأولى: وأخيرا، حين يُغلق بوطيب نصّه، لا يفعل ذلك بجملة ختامية جازمة، بل يعود إلى الصوت الافتتاحي نفسه: "أنا الكاتب... لا أعتذر"، ثم يُحيل القارئ، إن ملّ، إلى "نوادر جحا الكبرى" - أي إلى شخصية الحكّاء الشعبي الماكر الذي يُخفي حكمته وراء قناع السخرية من ذاته. هذه الدائرية بين الافتتاح والختام تجعل القصة تلتفّ على نفسها كحلقةٍ لا كخط: تبدأ بكاتبٍ يعتذر عن كونه ضيفا ثقيلا، وتنتهي بكاتبٍ يرفض الاعتذار لكنه يُحيل القارئ إلى تراثٍ من الحكي الساخر، وكأن القصة كلها لم تكن سوى استراحةٍ جادة بين نادرتين من نوادر جحا، جِدّها مغموسٌ بلعبٍ لا يخلو من مرارة.
8. خلاصة: أين تكمن شعرية هذه القصة تحديدا؟ لا تكمن شعرية بوطيب هنا في تزيين الجملة بصورٍ بلاغية عابرة، بل في بنية القصة كلها: في رمزٍ واحد (الملعقة) يُدار عليه النص كاملا من دون أن يُشرح، وفي أسطورةٍ عابرة للحدود تُستدعى لتحمل ما يعجز الواقع عن حمله، وفي إيقاعٍ يتكرر كلازمةٍ موسيقية، وفي راوٍ يرفض أن يستقر في هويةٍ واحدة أو نبرةٍ واحدة، بين الجدّ والسخرية، بين الأنا والآخر، بين النثر والشعر. إنها قصةٌ تُثبت أن "شعرية القصة" ليست إضافةً على السرد، بل طريقةٌ في النظر إلى التفاصيل الصغيرة ؛ ملعقة، قمرٌ، حكاية جدة؛ بوصفها أبوابا إلى ما هو أكبر منها بكثير. ــــــــــــــــــــــــــــــــ القصة: تلك الملعقة... طفل... ليلة بكى القمر / قصة قصيرة / عبد الرحمن بوطيب ـــــــــــــــــــــــــــــــــ قبل البدء، كان قد قال: على جوعه والسَّغَب ما حفل بِلذيذ طعام ما هي له... تلك الملعقة من ذهب الآن يحكي يقول:
سلام، أنا صديقكم الكاتب الذي لم يكتب في حياته قصةً أعجبتكم. لا تسامحوني، سأكون عليكم، كعادتي، ضيفا ثقيلا جدا... سأتعبكم. تعرفون سيداتي سادتي أن جدتي أرضعتني من ثدي أمي حكايةَ "هَيْنَة والغول"، وخرافةَ "سيدنا علي ورأس الغول"، وملحمةَ "عيشة قنديشة"... كما تعرفون أن أبي كان قد اشترى أسفارا قديمة صفراء تحكي "سيرة سيف بن ذي يزن"، وسيرة "عنترة"، ولم يغفل عن شراء تحفة "نوادر جحا الكبرى"... كنتُ ـــ أنا تلميذَ قسم التحضيري ـــ أتلو عليه ما تيسّر من فصولها الصفراء كلَّ ليلة قبل أن ينام مرهقا من كدح عمر طويل. بالمناسبة، أبي لم يتعلم حرفا في مدرسة، وكان يحب الأسفارَ بأوراقها الصفراء، وبماء الذهب يزين أغلفتَها كانت من ورق مقوى، وكنتُ ـــ أنا تلميذَ قسم التحضيري ـــ أحب رائحتها، حتى إنني كنت أضعها تحت مخدتي قبل أن أنام، كانت تُعَطِّرُ فراشي على الأرض بأريج من عوالمِ دهشةٍ لا تزال إلى اليوم تدهشني على شيخوخة مني، تتسلل من خياشيمي إلى قلبي الباطن... تنعشه. وبالمناسبة كذلك، أنا لم أكذب عليكم حينما قلت لكم إنني كنت أتلو على أبي ما تيسر من حروف تنام في أسفار صفراء قبل أن ينام وأنا تلميذ قسم التحضيري... يومها، في سالف العصر والأوان، كانت شهادة النجاح في قسم التحضيري تحظى بحفل عائلي ينافس حفلَ الاحتفال بتخريج طالبِ مَسيدٍ سَلْكَةً مباركة من القرآن الكريم، كانوا له يغنون، يهتفون في أزقة حيّنا الرابض في القلوب، صغارا وكبارا، نساء ورجالا، يهتفون بصوت يتسلل إلى أعماق قلوبنا الصغيرة يشحنها، يدغدغها، ويدغدغ قلبَ أم الفقيه الصغير... يرددون: "طالب، طالب يا يّو. أَ فرحة مّو مّو..." معذرة، شاخت الذاكرة. وما كانوا لتلميذ قسم التحضيري يغنون، كانوا بنجاحه يفرحون، وكان يتلو ما تيسر من حروف على أب سرعان ما يغرق في نوم ثقيل من تعب كدح عمر طويل. آه، نسيت... على ذِكْرِ ماء الذهب كان يُزَيِّنُ حروفا على غلاف من ورق مقوى لِسِفْرٍ قديم، تذكرتُ طفلا صغيرا علق بأهداب ذاكرتي لا يتركها تنساه، طفل لم أره في حياتي، قالوا لي عنه إنه يسكن حَيَّنا، هنا أوهناك، ينام في حضن أمه، ويتلو على أبيه ما تيسر من حروف تنام في أسفار صفراء قديمة قبل أن ينام من تعب كدح عمر طويل. بحثتُ عن هذا الطفل في حيي، بحثت عنه في مدينتي، بحثت عنه في قريتي والسهلِ والجبلِ... وفي حضن الوطن، ما وجدتُه إلا في ذاكرتي يحتل منها ـــ على عادته مشاغبا ـــ الماضيَ والحاضرَ... وربما المستقبل. طفلي، ذهب مع أمه يوما إلى بيت "الحاجّة" العامر الكبير، لم يكن من عادته الذهاب معها إلى البيت الكبير، كانت أمه تذهب فجرا وتعود بعد صلاة عشاء وقد تركت الحاجّةَ على خاطرها مرتاحةً آمرةً ناهيةً في بيت كبير عامر نظيف مرتب الأثاث معطر بعود وعطر ومسك وخزامى... بيتٌ عامر بالحُجّاج، وبالخدم ومن معهم من الحشم، ينقلب سافله على عاليه كل ليلة، يعود عاليه إلى عليائه وسافله إلى سافله كل فجر إلى صلاة عشاء، الخدم والحشم نشيطون مشتغلون مقيمون، المنظفة نشيطة مشتغلة كادحة متنقلة من بيت صغير إلى بيت كبير كل فجر، لا تعود إلا بعد صلاة عشاء. يومها بكى وأمسك بتلابيب أمه وقبّل يدها اليمنى، وعضّ يدها اليسرى لكي تأخذه إلى البيت العامر الكبير يؤنسها ويكنس معها، يجفف عرقها يجري من جبين إلى عنق إلى مجرى بين ثديين ينامان على عظام قفص صدري كجلباب الأب يرتخي على "فَرّاكة" تفركه، تنظف عَرَقَهُ قبل أن تعصره منظفةٌ تخرج مع الفجر، لا تعود إلا بعد صلاة عشاء. أخذته المعضوضة معها، أوصته في ظلمة الفجر أن يغلق فمه ومعدته، مثلها هي، تغلق الفم والمعدة عند الحاجّة... لا تفتحْ فمكَ إلا لتقول للحاجّة: "انْعامْ أَلالّة"... الصمت حكمة، والجوع نعمة، تتدرب على حفظ لسانكَ كي لا يضرّ بكَ، وتتدرب على صيام رمضان المبارك. أغلق فمك، أغلق كرشك... خيرٌ لك، ولي. يومها، وجد طفلا صغيرا في سنه يلعب في حديقة البيت العامر الكبير: ـــ من أنت؟ ـــ ابن الحاجة، ومن أنت؟ ـــ ابن... لم يعرف لأمه وصفا... وما اختار لها صفةً. ـــ آه، عرفتكَ، ولد الخدّامة. ـــ ممممم... ممكن، لا، نعم، صحيح، هي خدّامة نشيطة مشتغلة تخرج مع الفجر، لا تعود إلا بعد صلاة عشاء. ـــ اجمع هذه اللعبَ، أدخلها إلى غرفتي، لا تلعب بلعبي، عندي لعب كثيرة، أنا أكسرها عمدا ليحضروا لي لعبا جديدة، أنا أحب من اللُّعب الدميات الجميلات، باربي وفُلّة و... وأحب اللعب بكل الدميات الناطقات اللائي يزرن بيتَنا العامرَ الكبير، كلهن شقراوات، جميلات، لذيذات، أحب اللعب بهن أكثر من اللعب بباربي وفلة و...، تعجبني دميةٌ رشيقة القوام، هي خفيفة الوزن، ماهرة في لعبة الغميضة في الفراش، تحت اللحاف، هي تضحك إلى أن تدمع عيناها عندما أعضها في عنقها وأنتف شعرها الطويل، هي بنت الحاج شريك أبي الحاج في الأملاك والدواب والنساء، أمي الحاجة تعرف كل الصفقات بينهما، ولا تتدخل، لها صفقاتها التي تنشغل بها، أبي الحاج لا يتدخل في صفقاتها، هما يحترمان بعضهما، لم أسمع أبي أو أمي يوما أو ليلة يقولان لبعضهما أنا أحبك، ما كنت أسمع إلا شخيرهما بالليل، لا أعرف يا ولدَ الخادمة متى صنعاني وكيف، المهم، أنا أحب الدميات الجميلات الناطقات الشقراوات كلهن، وأحب كثيرا لعبةَ الغميضة. حان وقت الغداء... لا تقترب من مائدة الطعام، أغلق فمك وكرشك، لا تنظر إلى ابن الحاجة، تَسُدُّ شهيتَه، الحاجّة تطعمه كثيرا ليستطيع اللعب مع دمياته كثيرا، الجوع يضر بالشهوات الطيبات... ويضعف الهمة. ـــ ما هذه؟ ـــ ألم تر في حياتك ملعقة؟ ـــ آه، ملعقة، لكن لماذا هي صفراء؟ ـــ أُحِبُّ الذهبَ، والدميات اللذيذات الشقراوات، هل عندك ملعقة من ذهب؟ ـــ ملعقتي سوداء، عوجاء... ـــ لا تلمس ملعقتي، تُعْديها بسواد يلطخ يديك، ولا تلعب بدمياتي. ـــ أمي... لماذا ملعقتي سوداء؟ ـــ لكل طفل ملعقة تناسبه. ـــ ابن الحاجة عنده ملعقة صفراء، من ذهب، يحبها، ويحب اللعب بدمياته اللذيذات. ـــ أرزاقٌ يا ولدي، وقد قسمها الله بين العباد بقسطاس... تكبر وتفهم يا ولدي. ـــ قادر على الفهم الآن... لست صغيرا كما تتوهمين... لماذا لا يشتري لي أبي ملعقة صفراء من ذهب، ولماذا لا تزورنا دميات شقراوات؟ ـــ الذهب مضر بالصحة، والدميات الشقراوات سهلة الانكسار، مثل ملعقة الذهب، ابنة خالتك عظمها متين، وجلدها خشن، لا تُجْرَحُ بسهولة، هي مثل الملعقة السوداء، قوية. ـــ أنت لا تحبينني، أبي لا يحبني... أريد ملعقة من ذهب، ودميات شقراوات. ـــ هناك سرّ لا تعرفه يا ابن الخادمة... هل ترى القمر يا ولدي؟ ـــ إنه يبكي يا خادمة، لماذا يبكي يا أمي؟ ـــ هو حزين. ـــ ما الذي يحزنه؟ ـــ اِنْتَظَرَ أدونيسَ طويلا... منذ زمان وهو ينتظر، ولم يأت أدونيس بَعْدُ، القمر الحزين ينتظره. ـــ من أدونيس، هو لا يسكن حيّنا؟ ـــ شيخ طيب، يزرع الحقل نعناعا، وعرعارا، وحناء. ـــ هل سيأتي الشيخ الطيب... تزهر الحقول، ويبتسم القمر؟ حزين أنا والقمر. ـــ لا تحزنا... في سيرة ابن ذي يزن جاء الخبر... سيرة تحكي عن عنترة يحاور الفرس تروي ملحمة عيشة قنديشة تحفر القبور تقص عن عليٍّ يقطع رأس الغول هَيْنَةُ تنشط من عقالها تعود إلى الدوار تفرح القرية تغني الخيمة تتلون الملعقات بتبر من تراب لكل طفل وطفلة ملعقة من ذهب اِسألْ أسفاركَ القديمة اِبحثْ عن السر الدفين. ـــ أمي... أحببت عشتار... لا أحب القمر يبكي أحب بنتَ خالتي... والقمرَ يبتسم لا أحب الدميات الشقراوات أحب ملعقتي السوداء لا أحب... ملعقة الذهب. ـــ ولدي... خذ القمر، ابحث معه عن عشتار... لا تنسيا الملعقة السوداء. وقالت له أمه: ـــ خذ القمر، ابحث عن عشتار... لا تنسيا الملعقة السوداء. قال والعين منه تدمع: ـــ وهل أودعك؟! ردتْ والعينُ منها لا تدمع: ـــ ما ولدتِ الخادمةُ طفلا... هي أم الرجال. ابتسم ذو الملعقة السوداء، مسح الدمعةَ من الخد، وما رأى تلك الدمعةَ سقطتْ من قلب أم تعمل في بيت الملعقة الذهبية... تخرج وقتَ فجر... لا تعود إلا عند صلاة عشاء. قَبَّلَ اليدَ منها والجبين، ضمته إلى القلب، طبعتْ قبلةً على الخد، ثم اختفت. رفع ذو الملعقة السوداء وجهه إلى القمر، وقال: ـــ هيا بنا يا قمر. ـــ إلى أين يا ولد؟ ـــ رجلٌ... هي ما ولدتْ طفلا، سنبحث عن عشتار، هذه وصيتها، وها هي الملعقة السوداء. ـــ عشتار؟! ـــ عشتار الحب، الحرب، الجمال، التضحية. قال السارد: (وجاء في أخبار الأولين مدوّنةً في أسفار قديمة أنها هي عشتار، أفروديت، فينوس... عيشة قنديشة). انتهى قول السارد. ـــ سمعتُها تحدثكَ عن شيخ جليل. ـــ معشوق عشتار، أفروديت حبيبته، فينوس قلبه، والفسيلة في يده لعيشة قنديشة، شيخ شاب جميل، خصوبة وربيع... متى يأتي الربيع؟ ـــ بعد شتاء.... هكذا قالت طبيعة... عواصف وأنواء صيف حارق يرتوي. ما حمل أدونيس حربة ولن تحملها... تكفيك ملعقة سوداء. ـــ هيا، انزل يا قمر، هذا وقت السفر. ـــ اصعد يا رجل، ما الحضيض لك، من هنا في الأعالي نرسم الطريق... عشتار في انتظار. ـــ وذو ملعقة الذهب؟ ـــ له دمياته الشقراوات. ـــ أنا لا أحب الدميات. ـــ تحب ابنة عمك القمحية. ـــ وأحب الخبز الأسود، وقهوة أمي. ـــ خبّأتْ لك عندي فنجانَ الرحلة. ـــ وأسفارُ أبي... كنتُ أقرؤها له؟! ـــ هي في قلبي، أسلّيك بها... الطريق طويلة، وعشتار في انتظار. ـــــــــــــــــــــــــــ أنا الكاتب... لا أعتذر، أتعبتكم مع ملعقة سوداء... وعشتار وقمر لم يبتسم بعد ابحثوا عن الشيخ الطيب وإن لم تفعلوا... فاطلبوني... لأسلّيكم بنوادر جحا الكبرى.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سيرة... ومسار / الأديب المتعدد والناقد المغربي عبد الرحمن بو
...
المزيد.....
-
أصوات الزمن السوفيتي تعود إلى الواجهة.. مسلم ماغوماييف في صد
...
-
من قاطرات بخارية إلى نغمات معاصرة.. -تون- يعيد إحياء مستودع
...
-
قراءة في رواية ورد الشام للكاتب سعيد نفّاع
-
بعدما كتبت له سطور في الحرية.. دعوة سورية مفتوحة للفنان فضل
...
-
يعرض قريبا.. -خلي بالك من نفسك- أول فيلم يجمع بين ياسمين عبد
...
-
كيف حوّل فنان ستيني رصيف مترو بالقاهرة إلى معرض مفتوح للرسم
...
-
-بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع
...
-
-إعلان بيروت العالمي-.. صرخة لإنقاذ ذاكرة جنوب لبنان من المح
...
-
موسكو توسّع مهرجان -جادة المسرح- بعروض جديدة ومشاركة دولية
-
رسول حمزاتوف... الشاعر الذي حمل داغستان إلى العالم
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|