أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم أبو جويدة - بؤس -المسرح الحسيني- الراهن ونفاقه: عندما تتحول القداسة إلى واجهة استثمارية














المزيد.....

بؤس -المسرح الحسيني- الراهن ونفاقه: عندما تتحول القداسة إلى واجهة استثمارية


كاظم أبو جويدة

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 16:01
المحور: الادب والفن
    


تشهد الساحة الثقافية المعاصرة صعود لافتات عريضة تتدثر بمسمى "المسرح الحسيني"، ترفعها مهرجانات وتجمعات تدعي احتضان الوعي الدرامي لواقعة الطف وما بعدها، مروجة لنفسها كحارس أمين على الذاكرة والقيم الإنسانية والعقائدية. غير أن الصدمة الحقيقية والمدخل الأساس لإدانة هذه المنظومة لا تبدأ من ضعف عروضها نصاً وتمثيلاً وتقنيات وإخراجاً، بل من تلك الفجوة الأخلاقية العميقة والانفصام السلوكي الفاضح الذي يعيشه المنظمون أو ضيوفهم خلف الستار وفي كواليس الفنادق والمهرجانات.
إنه لمن مصائب هذا المشهد أن تُرفع شعارات الحزن والالتزام والمواساة على الخشبة أمام الكاميرات ولجان التحكيم والجمهور النخبوي، بينما تشهد الكواليس؛ وفي عقر أيام الفاجعة كالعاشر من محرم والزيارة الأربعينية؛ حفلات خمر صاخبة وممارسات منفصلة تماماً عن الحد الأدنى من احترام القيمة المعنوية والأخلاقية للمناسبة، مما يكشف عورة بنيوية تحول هذه المنصات إلى مجرد دكاكين استثمارية وتجارية تقتات على الدم التاريخي للحصول على الميزانيات والنفوذ والمصالح الضيقة، مظهرة ورعاً زائفاً في العلن وانفلاتاً تاماً في الخفاء. وهذا التناقض الصارخ ليس تخميناً أو نقلاً عن وسيط، بل هو واقع مرير لمسته بنفسي وعاينته عن قرب في مهرجانات تُعد على أصابع اليد، دون أن يخبرني أحد بهذا الواقع الملتبس، ولهذا السبب تحديداً عزفتُ كلياً عن حضور هذه المهرجانات، بصفة رسمية أو مشاهد لعروض المهرجان سواء أُقيمت هذه المهرجانات في العمارة أم خارجها، ترفعاً عن شهود هذا الزيف الأخلاقي.
هذا السقوط القيمي والمسلكي يفسر تماماً العجز الإبداعي والجبن الفكري الذي تعيشه هذه المهرجانات، فهي لا تمتلك من الحسين سوى الاسم والتبريكات، بينما يغيب عنها روحه التحريرية وقدرته الفذة على تفكيك الواقع المسرحي الحداثوي برؤى درامية ناضجة تكشف القدرات الفنية والأدبية الماثلة في الواقعة. إن هذا المسرح المؤسساتي يرتعد خوفاً من الأسئلة الحية ويهرب نحو تكرار البكائيات الجاهزة؛ ولو كان يمتلك ذرة من الحرية والتأويل لجرؤ على ملامسة السائد والمقدس، ولرأينا مثلاً عملاً درامياً يقلب المفاهيم التقليدية ليظهر فيه الطاغية يزيد وهو يجوب البلدان معذباً بحثاً عن الحسين وأحفاده وآله لطلب المغفرة والاعتذار ملقياً بمصيره بين أيديهم، في معالجة نفسية تشرح بنية الشر والندم بدلاً من النمطية السطحية المعادة، ليتصادم الطاغية التائب بمرارة واقعنا المعاصر حين يجد أولئك الأحفاد يسكنون بيتاً للإيجار، وأبناؤهم بلا وظائف؛ أحدهم يعمل عامل بناء باجر زهيد، والآخر "معاق" أثر انفجار إرهابي يركض خلف رغيفه ولا يجده، وثالثهم خريج هندسة معطل عن العمل لأن زميلاً له، هو ابن المسؤول الفلاني، سرق استحقاقه ومكانه بقوة نفوذ أبيه وسلطته؛ ليرى يزيد أن بنيته الظالمة ما زالت تحكم وتُقصي المظلومين حتى اليوم، ليعود خائباً معترفاً بأن ما قام به صدع لا يرأب لأنه أسس لمثل تلك الجرائم، وأن طغيانه القديم صار ديناً ومذهبَ حكمٍ لِطغاة الحاضر وشذاذ الآفاق من مدعي المسرح الحسيني.
وعلى ذات النحو من الجبن والهروب، تعجز هذه الواجهات عن تقديم استدعاء دنيوي معاصر لشخصية كالمختار الثقفي أو غيره من شخصيات الواقعة من قبل امرأة سومرية مثقلة بالوجع والضيم، تحاكمه في محكمة درامية علنية على أخطاء تاريخية وسياسية كانت ظلالها سبباً في مقتل ابنها "حسين" المعاصر، الذي ذهب ضحية فتوى دينية دفاعاً عن عائلة موصلية، دون أن تنال أمه الثكلى أي استحقاق يضمن كرامتها كراتب تقاعدي مثلاً، مما يربط الماضي بوعي الضحية الحالية المتروكة على أرصفة الإهمال والجحود.
كما يتجلى هذا الفقر الفني في عجز المخرجين والكتّاب عن نزع جدار التقديس الجامد وتنزيل الرموز إلى واقع الناس المعاش، عبر تقديم الإمام علي بن أبي طالب وهو يجالس الأطفال "العتاكة" في أزمنتنا الراهنة، يتقاسم معهم رغيف الخبز والشكوى، ويجمع معهم علب "البيبسي" الفارغة التي تمثل مادة عملهم اليومي وقوت عوائلهم، في صورة إنسانية كونية تسخر من الفخامة البصرية الزائفة، وصليل السيوف، واجتزاء الصراع الدرامي بتلوين معسكر الحسين بالأخضر ومعسكر يزيد بالأحمر، وهي السذاجة البصرية والسطحية الإخراجية التي تمتلئ بها العروض الحالية لتغييب وعي الجمهور بدلاً من تنويره.
إن هذا الرفض والمقاطعة لتلك المهرجانات والادعاءات أكبر من كونه موقف جمالي أو ترف فكري، إنما هو واجب أخلاقي بامتياز لإسقاط الشرعية عن نفاق ثقافي يسير في ركاب التمويل السلطوي والمؤسساتي المبرمج؛ فالحسين الذي ثار ضد النفاق وضد سلب كرامة الإنسان لا يمكن لخشبة مسرح منافقة وفاسدة في كواليسها، وخاوية في مضامينها، أن تختزل ثورته، أو تتحدث باسم إرثه الإنساني الخالد.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -جدلية المقدس والمدنس في بنية المجتمع وتمثاله الحجري في رواي ...


المزيد.....




- اتحاد أدباء العراق يحتفي بكتاب -الموريسكيون في الرواية العرب ...
- مهرجان -تولستوي- المسرحي في روسيا يجمع 24 عرضا في نسخته العا ...
- فنانون يشكّلون حيوانات بحرية عملاقة من الرمل
- مسرحية -خيال مريض- تؤخر عرضها الأول لما بعد مباراة مصر والأر ...
- شاهد..شخصية الخامنئي بين الفكر والثقافة والقيادة وصناعة التأ ...
- دعوات رسمية في إثيوبيا لدمج اللغة العربية في المنظومة التعلي ...
- من القهر إلى الثورة.. كيف أعادت السينما المصرية صياغة صورة ا ...
- فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب ...
- محمد القصبجي.. عبقري العود الذي أرسى دعائم الموسيقى العربية ...
- رحيل الفنان عبدالعزيز مخيون.. وداعاً مثقف الشاشة المصرية ومن ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم أبو جويدة - بؤس -المسرح الحسيني- الراهن ونفاقه: عندما تتحول القداسة إلى واجهة استثمارية