إيزوران تليلي
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 18:33
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
التحرر والوصاية: لماذا تنفر الحركات الأفقية من "المركزية الديمقراطية"؟
(حركة 20 فبراير بالمغرب نموذجا)
ثمة سؤال لا يطرحه عادة من يمتلك السلطة، لأن طرحه يهدد وجوده: من أعطاك الحق أن تتكلم باسمي؟ هذا السؤال البسيط في صياغته، العميق في ثقله، هو الخيط الذي إذا شددته تفككت معه منظومات فكرية كاملة بنت نفسها على فكرة أن هناك من يفهم التاريخ أكثر ممن يعيشونه، وأن هناك من يرى مصالح الناس أوضح من الناس أنفسهم. "المركزية الديمقراطية" ليست فحسب نموذجا تنظيميا يمكن مناقشته كما نناقش آليات التصويت أو توزيع المهام. هي قبل ذلك إجابة على هذا السؤال، إجابة تقول: نعم، هناك من يحق له أن يتكلم باسمك، وهو الحزب الذي يحمل "الخط الصحيح". وكل ما يتبع ذلك من هياكل وانضباط وطاعة هو مجرد نتيجة لهذه الإجابة الأولى.
لفهم من أين جاءت هذه الإجابة، يجب العودة إلى اللحظة التي ولدت فيها، لا لتبريرها بل لفهم الألم الحقيقي الذي أنتجها. "لينين" حين صاغ نموذجه في "ما العمل؟" لم يكن يهذي في فراغ. كان يواجه دولة قيصرية تحطم كل تنظيم عمالي، وتزج بالمناضلين في السجون قبل أن يكتمل تفكيرهم. كان يقول بطريقته: الظروف لا تسمح بترف الديمقراطية المفتوحة، الحزب يحتاج إلى انضباط عسكري لأنه يخوض حربا. هذا المنطق مفهوم، وله مسوغه الظرفي. لكن المشكلة لا تكمن في أن لينين أخطأ في قراءة ظرفه التاريخي، بل في أن الخطأ حدث لاحقا حين تحولت هذه الاستجابة الظرفية إلى مبدأ أبدي، إلى "الطريقة الوحيدة للثورة" في كل زمان ومكان. حين يصبح ما ولد كضرورة مؤقتة حقيقة خارج الزمن، تبدأ المشكلة الحقيقية.
والمشكلة لا تكمن في تفاصيل التطبيق، ليست في أن ستالين "انحرف" أو أن الأحزاب "فسدت". المشكلة تكمن في البنية ذاتها، في هندستها الداخلية. حين تنشئ "مركزا" يحتكر "الخط الصحيح"، فأنت تنشئ حتما نظاما للحقيقة لا للديمقراطية. لأن "الخط الصحيح" يعني بالضرورة أن ثمة خطأ، ومن يقترب من الخطأ يصبح خطرا، ومن يشكل خطرا يستحق الإقصاء. هذه ليست سلسلة من القرارات الفردية السيئة، بل هي المنطق الضمني لأي بنية تركز الحقيقة في مكان واحد. الانضباط الحديدي، التطهيرات، إسكات الأصوات المعارضة، كلها ليست انحرافات عن النموذج الأصلي بل استمرار طبيعي له.
لكن ما يجعل هذا النموذج أشد خطورة هو الآلية التي يبقي بها على نفسه من الداخل. ما يسمى "النقد والنقد الذاتي" يبدو للوهلة الأولى كأداة للتعلم الجماعي، كطريقة للاعتراف بالأخطاء وتصحيح المسار. لكن حين تراقبه عن كثب، تكتشف أنه يعمل بطريقة مغايرة تماما. العضو في الحزب الثوري لا يطلب منه أن يفكر بصوت عال في أخطاء الجماعة، بل يطلب منه أن يفتش داخل نفسه عن "الانحرافات البرجوازية"، عن اللحظات التي "تزعزع" فيها إيمانه بالخط. هذا ليس نقدا، هذا اعتراف. والاعتراف يختلف عن النقد في شيء جوهري: النقد يفترض أن الحقيقة مكشوفة جزئيا وقابلة للمراجعة، أما الاعتراف فيفترض أن الحقيقة موجودة كاملة في مكان ما، وأن المشكلة في الفرد الذي قصر في التطابق معها. حين تمارس "نقدك الذاتي" أمام الحزب، أنت لا تتعلم كيف تفكر بشكل أعمق، بل تتعلم كيف تعيد صياغة أفكارك لتتوافق مع "الخط"، وهذا في جوهره ليس تطورا للوعي بل تدريب على خيانة نفسك بشكل منظم ومتكرر.
وهنا نصل إلى الادعاء الأكثر إشكالية: فكرة أن الطبقة العاملة لا تملك وعيا ثوريا بطبيعتها، وأنها تحتاج إلى "طليعة" تضيء لها الطريق. هذه الفكرة تنطوي على ازدراء مقنع، لأنها تفترض أن الناس الذين يعيشون الاستغلال يوميا في أجسادهم ووقتهم وجوعهم لا يفهمون حقيقة ما يعانونه، بينما يفهمها من يدرس الاقتصاد السياسي في مكتبه. الحقيقة أن العامل الذي يعرف أن راتبه سرق يملك وعيا حقيقيا بالاستغلال، ليس وعيا "بالمادية التاريخية" ربما، لكن وعيا بالألم الذي هو مادة التاريخ الفعلية. الحزب الطليعي لم يكن يقول "دعوني أتعلم من هذا الوعي الحي وأساعد في توسيعه"، بل كان يقول "هذا وعي ناقص وخاطئ، دعونا نستبدله بالوعي الصحيح الذي نحمله". وبهذا لم يكن يشعل الوعي بل يصادره، لا يعمقه بل يستبدله بنسخة منظمة وخالية من المفاجآت.
الآن، حين ننتقل من هذا النقد البنيوي للنموذج إلى الواقع الذي نعيشه، تتضح حجم الهوة بين ما يفترضه النموذج وما أنتجته الرأسمالية المعاصرة. النموذج الماركسي الكلاسيكي ولد في عالم فيه مصنع كبير يضم آلاف العمال، ورأسمالي يملك هذا المصنع، وعلاقة واضحة بين الاثنين يمكن تسميتها ورؤيتها ومقاومتها. لكن الرأسمالية لم تبق بهذا الشكل. تحولت، بذكاء يفوق ما توقعه خصومها، إلى شيء أكثر تشتتا وأعسر تحديدا. الشاب الذي يعمل بتطبيق توصيل الطعام لا يعرف من هو "رأسماليه". يتفاوض مع خوارزمية، ويتلقى تقييما من عميل، ويدفع استهلاك دراجته من جيبه، ويفقد "عمله" بقرار لا يفهم معاييره. المرأة التي تعمل ثماني ساعات في مكتب وتعود لتعمل ثماني ساعات أخرى في البيت دون أجر ودون اعتراف –بقيمة هذا العمل– تجمع في جسدها شكلين من الاستغلال لا يرى "النموذج القديم" إلا أحدهما. المهاجر الذي يعمل في الخليج بنظام الكفالة يعاني استغلالا اقتصاديا مضاعفا بقوانين استعمارية جديدة. الأكاديمي "المتعاقد" الذي يحمل شهادة دكتوراه ويعيش هشاشة "العقود المؤقتة" موجود في حيرة طبقية حقيقية، لا هو في الفقر المطلق ولا في الأمان الحقيقي.
من هو "العامل" في خضم كل هذا؟ السؤال ليس بلاغيا بل يمس صميم كيف نفكر في الصراع الطبقي بالقرن الواحد والعشرين. لأن الطبقة في الرأسمالية المعاصرة لم تصبح فقط "متشظية" في أشكالها الاقتصادية، بل هي مخترقة من الداخل بقوى سلطة لا ترد إلى الاقتصاد. "العنصرية" ليست نتاج "الرأسمالية" كما يحب الماركسيون الأرثوذكس أن يقولوا، وكذلك "الذكورية". كلتاهما أقدم من الرأسمالية بقرون، ولهما تاريخ خاص وآليات خاصة وأشكال تجذر خاصة في النفوس قبل "البنى الرأسمالية" التي أعادت إنتاجهما وطورتهما لخدمة منطقها، لكنها لم تخلقهما. وبالتالي فإن القضاء على الاستغلال الاقتصادي لن يذيب تلقائيا بنية "الأبوية" في عقل العامل الذي يضرب زوجته، ولن يزيل "العنصرية" من نفس العاملة التي تحتقر جارتها من الأقلية المهمشة. هذه بنى سلطة مستقلة نسبيا، لا تحل بحل الاقتصاد، بل تتطلب مواجهة مستقلة بذاتها.
وهنا يتكشف الخطأ الأعمق في "المركزية الديمقراطية": ليس فقط أنها افترضت «طبقة موحدة» بينما هي "متشظية"، بل افترضت أن التحرر حدث واحد، ثورة في لحظة واحدة تحل كل شيء بعدها. بينما التحرر في حقيقته عملية متعددة المسارات وغير متزامنة، حيث تخوض المرأة معركتها ضد "الذكورية" في نفس اللحظة التي يخوض فيها المهاجر معركته ضد "العنصرية" وضد "نظام الكفالة"، وفي نفس اللحظة التي يقاوم فيها سكان الحي الشعبي "التهجير"، والتي يرفض فيها "الكويريون" العيش تحت وطأة القانون والخوف. هذه المعارك ليست "مقدمات" لمعركة أكبر ستأتي لاحقا، وليست "تفرعات" عن «صراع مركزي»، بل هي الصراع نفسه في أشكاله الحية المتعددة.
لا مكان يجعل هذا أوضح من حركة 20 فبراير في المغرب. ولدت هذه الحركة في قلب السيرورة الثورية التي تفجرت في "شمال إفريقيا" و"الشرق الأوسط" سنة 2011 في رحم متعدد: "غضب شبابي" متراكم من الفساد والبطالة والحرمان من الكرامة، وشرارة اندلعت من تونس ومصر وأشعلت الخيال الجماعي بأن ما يبدو ثابتا قد يتزعزع. كانت الحركة في جوهرها شيئا جديدا، شبكة بلا رأس، تنسيق بلا مركز، أصوات متعددة لا تتوافق على كل شيء لكنها تلتقي في رفض الوضع القائم. كان هذا بالضبط ما يجعلها مثيرة للقلق لمن اعتاد على فكرة أن السياسة تحتاج إلى "قيادة" تعرف إلى أين تمضي.
ما حدث داخل الحركة يكشف عن المفارقة بشكل لا يصدق. اتفق اليسار الماركسي الراديكالي، الذي يدعي أنه يحمل أعمق نقد للسلطة، مع اليسار الإصلاحي وجماعة العدل والإحسان ذات المرجعية الإسلامية على أرضية سياسية مشتركة. هذا التوافق في ذاته لم يكن خطأ، فالتحالفات الواسعة لها منطقها في لحظات معينة. لكن الثمن الذي دفعته الحركة كان باهظا للغاية: تسقيف الطموح كله في سقف دستوري. المطالبة بـ"ملكية برلمانية ديمقراطية" وإصلاح المؤسسات أصبحت الحد الأقصى المسموح باقتراحه، لا لأن الناس في الشارع كانوا يريدون ذلك فقط، بل لأن هذا كان أقصى ما يمكن أن يتفق عليه هذا التحالف الهش دون أن ينكسر. السلطة الميدانية للجماعة الإسلامية كانت ورقة لا يريد اليسار خسارتها، والاتفاق الهش كان يشترط ثمنا صامتا: أن تطوى قضايا بعينها وترحل إلى ما بعد "تحقيق المطالب السياسية".
في الشارع، كان ثمة شباب يريدون ما هو أبعد من "الإصلاح الدستوري". شابات يرين في الحركة فرصة لرفع مطالب "النسوية التحررية"، لتسمية بعض ما يتعرضن له من تمييز وعنف وحرمان يومي. شباب "علمانيون" يريدون فتح نقاش حول علاقة الدين بالدولة. أصوات تسأل: ما "التحرر الاجتماعي" الذي نريده فعلا؟ ماذا يعني "الملك يسود ولا يحكم" لامرأة لا تزال تحتاج إذن وليها لاستخراج جواز سفرها؟ ماذا يعني إصلاح دستوري لشاب "كويري" يخاف الفصل 489 من القانون الجنائي كما يخاف الشرطة؟
هذه الأصوات لم تسمع، ليس لأن الشارع لم يحملها، بل لأنها أسكتت باسم "وحدة الحركة". كان الرد الجاهز على كل من يطرح مطلبا "خارج السقف المتفق عليه": أنت تفرق الحركة، أنت تخدم الدولة، أنت لا تفهم موازين القوى، هذه مطالب "الظرفية لا تسمح". الخطوات النضالية كانت تنزل في الشارع وكأنها قرارات متخذة مسبقا في اجتماعات مغلقة، لا قرارات تصعد من الناس الذين يسيرون. وحين حاول بعض الشباب المستقل دفع الحركة نحو تصعيد أكبر في مواجهة الاستبداد، اصطدموا بجدار مزدوج: الدولة من جهة، والتحالف "الثوري" من جهة أخرى يعتبر هذا التصعيد "مغامرة" أو "استفزازا غير محسوب".
المفارقة المؤلمة هي أن اليسار الماركسي الراديكالي، الذي يفترض أنه يمتلك أعمق نقد لآليات السلطة، أعاد إنتاج بالضبط المنطق الذي يدعي نقده: حدد "الخط الصحيح"، أسكت من خرج عنه بمبرر الوحدة، وأعطى الأولوية للتنظيم الهش للتحالف على حساب الطاقة الحرة للحركة. الشباب المستقل، غير المنتمي لأي حزب أو جماعة، لم يكن في عيون هذا اليسار شريكا يتعلم منه بل "مادة خاما" تحتاج إلى تأطير. وحين رفض هؤلاء الشباب أن يكونوا "مادة خاما"، وحين بدأت الحركة تفقد زخمها، أعلنت جماعة لعدل الإحسان إنسحابها محملة اليسار مسؤولية كبيرة في "الفشل"، أما اليسار ورث جثة الحركة وفشلها، فدفن الحركة (دون مراسيم جنائزية) وانسحب ، تاركا خلفه سؤالا لم يطرحه أبدا: هل كانت الحركة ستكون أقوى لو أتيح لها أن تكون نفسها بدل أن تكون ما أراده التحالف منها؟
الجواب الحقيقي على هذا السؤال لا يمكن معرفته لأن التجربة لم تجرَب. لكن ما يمكن قوله هو أن الحركة لم تمت لأن مطالبها كانت غير ناضجة أو لأن شبابها كانوا غير منظمين. ماتت لأنها حين حاولت أن تصبح شيئا أوسع من السقف المرسوم لها، اصطدمت بقوتين في آن: القمع من فوق، والإدارة من داخل. والإدارة من الداخل في هذا السياق، كانت أشد فتكا بروح الحركة لأنها جاءت من "رفاق" يتكلمون بلغة التحرر بينما يمارسون سلطة التحديد.
هذا المثال يقودنا إلى ما هو أعمق من نقد تنظيمي. لأن السؤال الحقيقي ليس "كيف ننظم الحركات بشكل أفضل؟" بل "ما طبيعة الصراع الذي نخوضه؟". إذا كان الصراع هو "إصلاح المؤسسات السياسية"، فإن التحالف الذي وصفناه منطقي وله معناه. لكن إذا كان الصراع أعمق، إذا كان صراعا ضد أشكال متعددة من السلطة والإستغلال والهيمنة تتداخل وتتقاطع، اقتصادية وجنسانية وثقافية ومعرفية وجسدية، فإن تحالفا يسكت بعض هذه الأشكال لصالح التركيز على أشكال أخرى لا يقدم ويجذر الصراع بل يجزئه.
والأشكال المسكتة لا تختفي لأنك أسكتها. المرأة التي طلب منها تأجيل مطالبها "النسوية التحررية" لا تتوقف عن أن تكون امرأة تعيش تحت "الهيمنة الذكورية" خلال الانتظار. الشخص "الكويري" الذي يقال له "هذا ليس وقته" لا يتوقف عن التعرض للخطر في انتظار اللحظة المناسبة التي يقررها التحالف. تأجيل هذه الصراعات لا يعني تعليقها بل يعني تجميد أصحابها في الانتظار بينما تستمر السلطة في عملها عليهم. وهذا بالضبط هو ما تعنيه الوصاية في أشد صورها ظرافة وأشدها إيلاما: أن يقول لك من يدعي أنه يناضل من أجلك أن ألمك ليس الآن.
كل هذا يكشف عن شيء في طبيعة الوعي نفسه. الوعي لا يتطور بشكل خطي من "الوعي البسيط" إلى "الوعي الثوري" كما تصور الماركسية الكلاسيكية. الوعي متناقض بطبيعته، متعدد الطبقات، يحمل في لحظة واحدة رؤى متعارضة. إنسان واحد يمكن أن يكون واضح الرؤية بشأن استغلاله الاقتصادي ومحافظا بشأن أدوار الجنس. يمكن أن يكون متقدما في تضامنه مع الفقراء وعنصريا ضد المهاجرين. يمكن أن يرى بوضوح قمع الدولة ولا يرى امتيازه الجنسي. هذه ليست "انحرافات" تدل على نقص في التكوين النظري، بل هي واقع الوعي الإنساني الذي يتشكل في تقاطعات معيشية متعددة وليس في استيعاب نظرية واحدة.
والفكر الطليعي، حين يقرر أن بعض هذه التناقضات "انحرافات تحتاج تصحيحا" ويترك أخرى "مفهومة في سياقها"، لا يحلل الوعي بل يراتبه. يقرر ما هو التناقض الأهم وما هو الأقل أهمية، وغالبا يصادف أن التناقضات الأهم هي تلك التي تخص الرجال البيض ذوي الامتياز النسبي داخل الحركة، أما تناقضات النساء والملونين والكويريين فهي "موضوعات تعالج لاحقا". هذه ليست مصادفة بل بنية.
السؤال الذي يطرحه كل هذا ليس "كيف نجد الحزب الأفضل؟" بل شيء يزعزع أكثر: هل نحن مستعدون للقبول بأن التحرر ليس حدثا واحدا بل مسارات متعددة ومتوازية لا يملك أحد "خارطتها الكاملة"؟ هل نستطيع أن نناضل معا دون أن يملك أحدنا "الخط الصحيح" الذي يلزم الآخرين؟ هل يمكن أن يكون التنسيق بيننا تنسيقا بين أحرار ومتساوين، لا تنسيقا يشترط أن يقبل البعض تأجيل ألمهم حتى تتحقق أولويات الآخرين؟
هذه الأسئلة لا إجابات سهلة لها. وهذا بالتحديد ما يجعلها مختلفة عن الأسئلة التي يطرحها الفكر الطليعي، الذي يعرف الإجابات قبل أن ينهي طرح الأسئلة. الإجابات الحقيقية لا تأتي من الكتب ولا من الخطوط الحزبية، بل من لحظات الفعل الجماعي، حين يجلس الناس مع بعضهم لا لأن قائدا أمرهم بذلك بل لأن لهم معاً ما يريدون تغييره. في تلك اللحظات، حين يتكلم من لم يكن يتكلم عادة، وحين يسمع من لم يكن يسمع عادة، يحدث شيء لا يمكن لأي حزب أن ينتجه في اجتماعاته: يحدث وعي جديد، لا ينقله أحد من مكتبه إلى الشارع، بل ينبثق في الشارع نفسه من تقاطع الأصوات التي قررت أن تتكلم دون انتظار إذن.
حركة 20 فبراير، في لحظاتها الأكثر حيوية قبل أن تدار وتسيج، كانت تحمل إمكانية هذا النوع من الوعي. كانت تحمل إمكانية أن يتكلم الناس عن تحررهم بأصواتهم هم، لا بالأصوات التي خصصت لهم. أن يصنعوا سياستهم من مطالبهم الفعلية لا من الأجندة المتوافق عليها مسبقا. هذه الإمكانية لم تهزم لأنها كانت ضعيفة، بل لأن القوتين اللتين تحيطانها، الدولة من الخارج والتحالف من الداخل، لم تكونا مستعدتين لها. الدولة خافت منها لأنها كانت غير متنبأ بها. التحالف خاف منها لأنها كانت غير قابلة للإدارة.
وربما هذا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع تحرري: ليس "هل يملك الخط الصحيح؟" بل "هل يخاف من الأصوات التي لا يستطيع إدارتها؟". لأن الصوت الذي لا يمكن إدارته هو الصوت الحقيقي. والصوت الحقيقي هو الخطر الحقيقي على كل سلطة، حتى حين تكون هذه السلطة تتكلم بلغة الثورة.
#إيزوران_تليلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟