أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - مؤمل سلام - الديمقراطية في ظل الدولة الريعية: تناقض بنيوي أم قابل للإصلاح؟















المزيد.....

الديمقراطية في ظل الدولة الريعية: تناقض بنيوي أم قابل للإصلاح؟


مؤمل سلام

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 21:57
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


ظهرت الديمقراطية اليونانية كنتيجةٍ لتراكمٍ تاريخي، ساعية لتلبية حاجات المجتمع على اساس عقليٍ يقوم على الاستدلال في اختيار نوعية الحاكم، ورغم بساطة مدنية مثل اثينا فقد نشأت ارضية مناسبة لتعبير المجتمع الاثيني عن نفسه سياسياً، بصرف النظر عن اختزال المشاركة السياسية والتعبير عن الرضا في الرجال اليونانيون، واستبعاد العبيد والنساء، فإن العبرة تكمن في التنظيم القائم على العقل وتوسيع المشاركةِ بإعادة توزيع السلطة تخلُصاً من هيمنة النخب التقليدية، كذلك فإن الحروب البيلوبونيسية مع إسبرطة، كشفت حدود الديمقراطية العملية بعدما كانت محصورة في خانة التنظير الفلسفي، في فضاء جدلي يُطرح فيه سؤال الاهلية والشرعية؛ من يحق له الحكم؟ وعلى اي اساس؟ فبرزت اهمية الخطاب العقلي والإقناع السياسي كآلية لتنظيم الخلاف وإضفاء طابع عقلاني على السلطة.

وقد اعاد الاوربيون صياغة هذه النماذج كتجلٍ للمأساة التي عانوا منها إبان الحكم الإمبراطوريات وسيادة الكنيسة على معظم البلدان الاوربية، فظهرت الثورة البريطانية وتلتها الثورة الفرنسية تعبيراً عن "الحق في إبداء الكلمة" وبعد حروب وصراعات وتحولات كبيرة في البنية الاقتصادية والاجتماعية وظهور عصر الرأسمالية الصناعية، ترسخت الديمقراطية كنتيجة لهذا الديالكتيك الجدلي في المجرى التاريخي، فالديمقراطية؛ نتيجة عقلية وصراع طبقات على اسس الحاجة للتنظيم بين الحاكم والمحكوم، تقوم على اقتصاد السوق عندما يكون المجتمع إنتاجياً يُموِّل الدولة ولا يعد هو المُموَّل منها، مما يجعل الطبقة الوسيطة قادرة على مساءلة الحكومة والتدخل في صياغة السياسة العامة سواء بإتخاذ شكل الاحزاب او منظمات المجتمع المدني او الجمعيات النقابات..

إذن فالديمقراطية بناء إجتماعي إقتصادي يهدف للتنظيم، يكون المجتمع فيه، على اختلاف ان كان من الصفوة او العامة، هو المُتسيّد، وبخلافه، او بأختلال بنية النموذج، تتصاعد السلطوية والاحادية، حيث يُتخَذ القرار السياسي من شخص او مجموعة تمتلك السيطرة.

تجلى هذا الاختلال في الديمقراطيات العربية، التي لم يكن المجتمع هو أُس البناء الاول، انما كانت الدول نتاج صنيعة إستعمارية لفترة طويلة، وعند تحقيق الاستقلال وفك الانتداب، ظهرت الشعوب العربية خالية من اي صنيعة اقتصادية تُمكنهم من بناء دولة حقيقية، وترسيخ قيم التنوع والديمقراطية وتقبل الآخر، إذ غدى نموذج الدولة، مع ظهور الريع النفطي وغيره من الموارد الطبيعية، مُختزلاً بالهيمنة الاقتصادية الريعية، التي تعبِّر عن نفسها من خلال الاحادية السلطوية حيث يكون مفهوم المواطنة شكلياً و امراً مفروغاً منه، إذ إن قوام الدولة الاساسي لا يعتمد على الانتاج المحلي او الضرائب، التي يعيقها الريع النفطي ليكوّن الاقتصاد الاوامري والشبكة الزبائنية، ليخلق معادلة مختلفة تماما عن تلك نشأ في الديمقراطية التقليدية التي قومها المجتمع بـ " لا ضرائب بدون تمثيل" بما يعزز الواجب ويوضح الحق المجتمعي امام الدولة.

اسفر هذه الاختلال في تكوين الدولة العراقية عن صعود الاحادية ممثلةً بحزب البعث قديماً، وعن ديمقراطيةٍ شكليةٍ حديثاً، فسلطة البعث كانت قائمة على المورد الاقتصادي النفطي الذي يمكنها من اعادة هيلكة الطبقات الوسيطة لتخدم الطبقة الحاكمة من خلال العنف المسلح والاعلام والصحافة وغيرها من الاساليب التي لا توفر تنظيماً معارضاً في التمثيل السياسي، فتصبح الدولة حينها لا تمثل الأُمة فعلاً، انما تعبر عن مصالحها الخاصة من استغلال الامة وتفكيكها، ولم يختلف عراق ما بعد200𔆧 عن ذلك كثيراً عندما أُجريت إنتخابات 200𔆩 في ظل مؤسسات لا تتسم بغير الهشاشة التي لم تكن لديها قدرة حقيقية على حماية المواطنة وحقوق الافراد.

بدأت تقوية المؤسسات فيما بعد على اساس الهيمنة من جماعاتٍ استغلت هذا الظرف الاقتصادي لتكون نشأة النموذج متناقضة مع البنية الديمقراطية الحقيقة، بعدَ حروبٍ اهلية وصراعات سياسية اصبحت الديمقراطية الشكلية مترسخةً ومتطبعةً في الدولة والمجتمع، بما افشل التجربة رغم محاولات مدنية لحلها ولو بشكلٍ تنظيري.

يُميّز فالح عبد الجبار، الدكتور الراحل وعالم الاجتماع العراقي، بين أربعة أشكال لملكية النفط، لكل منها تأثيرات سياسية مختلفة:
1. الملكية الوطنية (كالعراق والجزائر وإيران): تتلقى الدولة الإيرادات وتخصّصها وتصرفها مباشرة.
2. الملكية البطريركية (كالسعودية ودول الخليج): تذهب الإيرادات مباشرة للأسرة الحاكمة التي تتولى رعاية الدولة.
3. رأس المال الأجنبي الخاص: تتلقى الحكومات المركزية نسبة من الإيرادات (20–50%).
4. نموذج المجتمع المساهم (كألاسكا): يُحرّر الإيرادات النفطية من ملكية الدولة التعسفية ويُمكّن أفراد المجتمع.
يُخلص عبد الجبار إلى أنه في الأشكال الثلاثة الأولى، يُولّد الريع النفطي أو يُعزّز الاستبداد، بينما في الحالة الرابعة يتفكك الريع وتنهار هيمنة الدولة على المجتمع.

عندما نتعرض لمشكلة الريع النفطي وتأثيره البنيوي على الديمقراطية، وإمكانية حل هذه المشكلة، فاننا نأخذ تجارب سابقة ونماذج مدروسة لكي نعدل عليها ونطبقها على القالب العربي، لان التجارب التاريخية العربية تخلو من حلول علمية او عملية لحل المشكلة المرتبطة ببناء الدولة الديمقراطية في ظل الاقتصاد الريعي.

يقدم فالح عبد الجبار بعضاً من الحلول المقترحة لحل المشكلة، اهمها يتجلى في الشكل الرابع من الاشكال المذكورة آنفا، اي نموذج آلاسكا، بوصفه نموذج يقيد الريعية النفطية ويبني مجتمعاً مساهما، او المجتمع الكتلي كما يسميه، على عكس النماذج الثلاثة الملكية الوطنية والبطريكية ورأس المال الاجنبي التي تعزز من الاستبداد السياسي والامني من خلال شراء المؤسسات والطبقات الوسيطة بغية اعادة تشكيلها.

يعيد نموذج آلاسكا العلاقة المقلوبة بين المجتمع والدولة جوهرياً، فبحصول المواطنين على حصصهم من الثروة الوطنية، يمكنهم إثر ذلك محاسبة ومساءلة الدولة بسبب استقلالهم الاقتصادي، ولا تعود الدولة متحكمة ببنية المجتمع من خلال الاداة الاقتصادية، مما يُنمّي قدرة المواطن على المطالبة بحقوقه ومشاركته في الحياة العامة، ويُضعف خوفه من اقتطاع المنافع والرعاية، حيث يُسهم هذا الاستقلال الاقتصادي في بناء المجتمع المدني في مواجهة هيمنة الدولة، ويراه فالح عبد الجبار شرطاً أساسياً في بناء الامة ايضاً.
كما يعالج النموذج تأثير الضرائب السلبي للريعية، ذلك لان الدولة الريعية التقليدية تتسم بتخفيض الضرائب الى حدٍ كبير، يجعل من المواطن فاقداً لأهم عناصر المساءلة السياسية، بينما في نموذج آلاسكا، تُوَّزع العائدات وتُفرض الضرائب بقدر معقول يجعل المواطن لديه واجباً اتجاه الدولة، وتلبية الواجب تستدعي المطالبة بالحقوق مما يعزز من العقد الاجتماعي بأستقلال الفرد عن الدولة، ليكون الرابط بين المجتمع والدولة مقوّماً بنظامٍ ضريبي فعّال لتمويل الخدمات العامة.

يُمثّل نموذج ألاسكا تجربة فريدة وناجحة في كيفية تحويل ثروة الموارد الطبيعية من أداة للسيطرة السياسية إلى آلية للتمكين المدني والاقتصادي. فمن خلال إنشاء صندوق دائم يُستثمر بشكل حكيم وتوزيع أرباحه بشكل متساوٍ على جميع المواطنين، تمكنت ألاسكا من تجنب الكثير من مظاهر "لعنة الموارد" التي عانت منها دول أخرى. ومن منظور فالح عبد الجبار، يُقدّم هذا النموذج بديلاً حقيقياً للأشكال الثلاثة الأولى من ملكية النفط التي تُعزز الاستبداد، حيث يُحرّر الإيرادات النفطية من ملكية الدولة التعسفية ويُمكّن أفراد المجتمع ليكونوا فاعلين لا عميلاً للسلطة. وعلى الرغم من التحديات التي يواجهها النموذج، فإنه يظل مصدر إلهام للباحثين والسياسيين الذين يسعون لإيجاد حلول عملية للخروج من دائرة الريعية وبناء ديمقراطيات حقيقية قائمة على المواطنة الفاعلة لا على الولاء السياسي.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- شاهد رد فعل مرشح ديمقراطي عندما علم بفوزه بمقابلة مباشرة على ...
- بالصور.. أكبر سفينة حربية بتاريخ كوريا الشمالية تدخل الخدمة. ...
- قطر: القبض على 25 شخصا عربيا بعد رواج فيديو مشاجرة بمقهى
- تضارب شديد.. مراسلة CNN تحلل مزاعم ترامب غير المتسقة عن موقف ...
- استقالة -آخر جندي غادر أفغانستان-
- مدير وكالة الطاقة الذرية: تفتيش المواقع النووية الإيرانية سي ...
- استطلاع: نصف الأمريكيين ضد الحرب على إيران و63% لا يثقون بال ...
- عمدة موسكو يطلق تجريبيا المرحلة الأولى من خط مترو -روبليفو-أ ...
- رئيس وزراء قطر يطالب بـ-خط ساخن- ويحذر من انتحال صفة -الحرس ...
- -مؤسف بيه، حل عنا!-.. أمير سعودي يرد على روائي مصري قلل من ش ...


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - مؤمل سلام - الديمقراطية في ظل الدولة الريعية: تناقض بنيوي أم قابل للإصلاح؟