أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - كريم عامر - الثانية والأربعون: عيد ميلاد كدت ألا أبلغه














المزيد.....

الثانية والأربعون: عيد ميلاد كدت ألا أبلغه


كريم عامر

الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 12:01
المحور: سيرة ذاتية
    


اليوم أتم الثانية والأربعين من عمري.

لا أتعامل عادةً مع أعياد الميلاد باعتبارها محطات مهمة أو مناسبات تستدعي الكثير من التأمل. لكن هذه المرة مختلفة. فقبل خمسة أشهر فقط، كان هناك احتمال حقيقي ألا أكون هنا اليوم لأكتب هذه السطور.

في السابع من يناير الماضي، تعرضت لتسلخ حاد في الشريان الأبهر، وهي حالة طبية خطيرة جدًا قد تقتل الإنسان خلال ساعات إذا لم يحصل على التشخيص والعلاج المناسبين بالسرعة الكافية. لحسن حظي، حدث ذلك في المكان الصحيح وفي الوقت الصحيح. تم تشخيص حالتي بسرعة، وخضعت لجراحة عاجلة، وأنا اليوم أكتب هذه السطور لأن كل تلك السلسلة من الأحداث سارت كما ينبغي.

منذ ذلك اليوم وأنا أفكر كثيرًا، ليس في الموت بقدر ما أفكر في الحياة نفسها، وفي الطرق الغريبة التي أوصلتني إلى هذه اللحظة.

قبل عشرين عامًا، كنت شابًا مصريًا يقضي وقته في الكتابة على الإنترنت. لم أكن أتخيل أن تلك الكتابات ستقودني إلى السجن، ولا أن سنوات طويلة من حياتي ستتشكل بسبب قرار اتخذته بالتعبير عن رأيي. في ذلك الوقت كان المستقبل يبدو ضبابيًا إلى حد يصعب معه تخيل ما سيأتي بعد أشهر، ناهيك عن عشرين عامًا.

لو أخبرني أحد آنذاك أنني سأعيش يومًا في النرويج، وأن أحصل على تعليم جامعي، وأعمل في القطاع الصحي، وأحمل الجنسية النرويجية، لكنت اعتبرت ذلك ضربًا من الخيال.

ولو أخبرني أن هذا البلد نفسه سينقذ حياتي يومًا ما، لبدت الفكرة أكثر غرابة.

كلما تقدمت في العمر ازداد اقتناعي بأننا سيئون جدًا في توقع مسارات حياتنا. عندما كنت في الثانية والعشرين لم أكن أتصور نفسي في الثانية والأربعين، ليس لأن هذا العمر كان يبدو بعيدًا، بل لأن المستقبل نفسه كان يبدو غير مضمون.

وعندما أنظر إلى الوراء اليوم، أجد أن ما صنع حياتي لم يكن فقط قراراتي الشخصية، بل أيضًا المؤسسات التي وجدت حولي. لقد عشت في بلد عرفت فيه معنى أن تفشل المؤسسات في حماية الحقوق والحريات الأساسية. ثم عشت في بلد آخر رأيت فيه كيف يمكن للمؤسسات أن توسع خيارات الإنسان بدلًا من أن تضيقها، وكيف يمكن للقانون والتعليم والرعاية الصحية أن تتحول من شعارات إلى واقع يومي.

لا أقول هذا من باب المقارنة النظرية. فالتسلخ الأبهر ليس مرضًا يمنح صاحبه وقتًا طويلًا للتفكير. النجاة منه تعتمد على السرعة والخبرة والإمكانيات المتاحة. ولذلك لا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في حقيقة أن فرص نجاتي كانت سترتبط بشكل كبير بالمكان الذي حدثت فيه هذه الأزمة.

ربما لهذا السبب أشعر بامتنان كبير للنرويج. ليس لأنها منحتني فرصة حياة أفضل فحسب، بل لأنها منحتني الحياة نفسها.

ومن المفارقات أنني كنت أعرف ما هو التسلخ الأبهر قبل أن أصاب به. لقد درسته في الجامعة ضمن مواد التشريح والفسيولوجيا وعلم الأمراض. لكنه كان بالنسبة لي مثل كثير من الأمراض النادرة: معلومة موجودة في مكان ما من الذاكرة، لا أكثر. شيء تعرفه نظريًا، لكنك لا تتخيل أنه قد يصبح جزءًا من قصتك الشخصية.

ثم أصبح كذلك خلال ساعات قليلة.

إذا كان هناك شيء أود أن أخرج به من هذه التجربة، فهو أهمية الوعي بهذه الحالات النادرة. كثير من الناس لديهم عوامل خطر وراثية أو تاريخ عائلي قد لا يدركون أهميته. وقد يكون الفرق بين الحياة والموت في بعض الأحيان هو معرفة بسيطة أو فحص طبي أو استجابة سريعة عند ظهور الأعراض.

لكنني لا أريد لهذا المقال أن يكون مقالًا عن المرض.

في الحقيقة، أكثر ما تغير بعد هذه التجربة هو علاقتي بالأشياء العادية. أصبحت أقدّر تفاصيل الحياة اليومية التي نمر بها دون انتباه: الذهاب إلى العمل، لقاء الأصدقاء، التخطيط للشهر القادم، أو حتى الانشغال بالمشكلات الصغيرة التي كنا نعتبرها مزعجة.

هذه التفاصيل العادية هي الحياة نفسها.

لا أعتقد أن المعاناة تجعل الإنسان أكثر حكمة بالضرورة. لكنها أحيانًا تمنحه منظورًا مختلفًا. وعندما أنظر إلى حياتي اليوم، لا أرى قصة عنوانها السجن أو المرض أو الصعوبات. أرى قصة مليئة بالمصادفات غير المتوقعة، وبالفرص التي لم أكن أتخيلها، وبأشخاص ومؤسسات ساعدوني على الوصول إلى ما أنا عليه اليوم.

وعندما أبلغ الثانية والأربعين، أجد في ذلك قدرًا كبيرًا من الطمأنينة.

ليس لأن حياتي كانت سهلة.

بل لأنها كانت، وما زالت، تستحق أن تُعاش.


ملاحظة: جرى الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحرير بعض أجزاء هذا المقال وتحسين صياغتها. أما الأفكار والآراء الواردة فيه فهي تعبر عن الكاتب وحده.



#كريم_عامر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رهاب المثلية لا يستهدف المثليين فقط
- توفيق عكاشة والمواقف الرسمية المتخبطة تجاه إسرائيل
- عن المدونات و فيس بوك والآلهة الجديدة
- في مديح الوحدة
- عن ناجى شحاتة وأزمة العدالة فى مصر
- الحرية !
- من أوراق السجن : -عم دسوقى - و -جواباته -
- عن تلك الزيارة الأخيرة: والدى السلفي ومانديلا الكافر !
- في اليوم العالمى لحرية الصحافة : متى ستحاسب ماليزيا على جريم ...
- رسالة إلى أمينة والى المدافعين الزائفين عن حقوق الإنسان !
- -محمد- هو داعية العنف .. وليس محمود شعبان !!
- الحرية الغائبة فى عصر الإخوان
- ألبير صابر .. ضحية جديدة للغباء الثورى !
- من أوراق سجين سابق
- إلى الثوار الأغبياء: الجزاء من جنس العمل !
- كلمتى عن الربيع -الزائف- فى استوكهولم
- حتى لا نبكى على وطن أضاعته سذاجتنا وغفلتنا
- شخصيات إلتقيتها فى السجن:محمد عبد المجيد (شرقية)
- شخصيات إلتقيتها فى السجن : مجدى أنور توفيق
- شخصيات إلتقيتها فى السجن : محمد إبراهيم الفيشاوى


المزيد.....




- ترامب يوجه -تحذيراً جديداً- لإيران بشأن الاتفاق الجديد: -سأف ...
- ثلاثة قتلى في إطلاق نار بمونتريال بينهم المشتبه به وأحد عناص ...
- عمان.. اجتماع لوزاء الخارجية العرب
- جورج غالاوي: زيلينسكي يندب رحيل ستارمر والشعب البريطاني يهتف ...
- ترامب: لم أكن بحاجة لمساعدة أعضاء الناتو في إيران وفضولي كان ...
- نبيل فهمي أمينا عاما جديدا لجامعة الدول العربية خلفا لأحمد أ ...
- رسالة ترمب لإسرائيل: انتهى العمل بلا قيود في لبنان
- معاريف: تركيا تهديد لإسرائيل أكبر من إيران بسبب ترسانتها الع ...
- إصابات -إيبولا- في الكونغو الديمقراطية تتجاوز الألف
- اعتماد نبيل فهمي أمينا عاما جديدا لجامعة الدول العربية


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - كريم عامر - الثانية والأربعون: عيد ميلاد كدت ألا أبلغه