خيرية عريبي الخالدي
الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 00:52
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
الخرف في العراق: عندما يصبح المرض اختباراً لإنسانيتنا
بقلم: د. خيرية الخالدي
عندما نتحدث عن الخرف، يتجه التفكير مباشرة إولى النسيان وفقدان الذاكرة والتدهور التدريجي في القدرات العقلية. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في المرض نفسه بقدر ما تكمن في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع والدولة مع المصابين به.
فالخرف مرض عرفته البشرية منذ زمن طويل، وتتعامل معه معظم الدول المتقدمة اليوم باعتباره تحدياً صحياً واجتماعياً يمكن التعايش معه من خلال التشخيص المبكر والرعاية المتخصصة والدعم الأسري والمجتمعي. أما في العراق، فإن الإصابة بالخرف تتحول في كثير من الأحيان إلى مأساة مضاعفة، ليس بسبب المرض وحده، وإنما بسبب غياب منظومة متكاملة لرعاية كبار السن.
ومن المفارقات أن ازدياد أعداد المصابين بالخرف عالمياً لا يعد مؤشراً سلبياً بالكامل، بل يعكس في جانب منه نجاح البشرية في إطالة متوسط العمر وتحسين الرعاية الصحية. فالإنسان أصبح يعيش سنوات أطول من أي وقت مضى، ولذلك أصبحت أمراض الشيخوخة أكثر ظهوراً. غير أن هذا النجاح يضع على عاتق الدول مسؤولية جديدة تتمثل في توفير حياة كريمة لمن بلغوا أعماراً متقدمة.
في العراق، يواجه كبار السن واقعاً مختلفاً. فبعد عقود طويلة من الحروب والعقوبات والأزمات الاقتصادية والانهيارات المتكررة في الخدمات العامة، تآكلت كثير من شبكات الحماية الاجتماعية التي كانت الأسرة العراقية تعتمد عليها. ولم تعد العائلة، مهما كانت درجة التزامها الأخلاقي، قادرة دائماً على تحمل أعباء الرعاية وحدها.
كثيراً ما نسمع أصواتاً تلقي اللوم على الأبناء، وتتحدث عن تراجع القيم الاجتماعية وضعف البر بالوالدين. ورغم وجود حالات مؤسفة لا يمكن إنكارها، فإن اختزال المشكلة في الجانب الأخلاقي فقط يمثل تبسيطاً مخلاً للواقع. فكيف يمكن لأسرة تعاني البطالة أو الفقر أو السكن غير الملائم أو غياب الخدمات الصحية أن تقدم الرعاية اللازمة لمريض خرف يحتاج إلى متابعة مستمرة على مدار الساعة؟
إن رعاية مريض الخرف ليست مهمة سهلة. فهي تتطلب معرفة بطبيعة المرض، وصبراً طويلاً، ودعماً نفسياً ومادياً، وأحياناً تعديلات في المنزل وإشرافاً طبياً وتمريضياً مستمراً. وفي الدول الأوروبية لا تترك الأسرة وحيدة في مواجهة هذه التحديات، بل توجد منظومة متكاملة تشمل طبيب العائلة، ومدير حالة الخرف، والرعاية المنزلية، والمراكز النهارية، وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي، إضافة إلى القوانين التي تحمي كبار السن من الإهمال وسوء المعاملة.
أما في العراق، فما زالت هذه الخدمات محدودة للغاية أو شبه غائبة. فلا توجد برامج وطنية واسعة لرعاية المصابين بالخرف، ولا خدمات منزلية منظمة، ولا دعم كافٍ للعائلات التي تتحمل عبء الرعاية. وفي كثير من الأحيان يجد أفراد الأسرة أنفسهم أمام مسؤوليات تفوق قدراتهم المادية والنفسية.
ولا يمكن الحديث عن واقع كبار السن في العراق من دون التوقف عند التغيرات الاجتماعية العميقة التي شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة. فقد أدت الهجرة والنزوح والحروب المتكررة والفقر والبطالة إلى إضعاف العلاقات الاجتماعية التقليدية التي كانت توفر قدراً من الحماية للمسنين. كما أن بعض الأعراف العشائرية باتت أحياناً بديلاً عن القانون، في وقت تراجع فيه دور الدولة في حماية الفئات الأضعف.
إن المجتمع يُقاس أخلاقياً بطريقة تعامله مع أضعف أفراده، وكبار السن من أكثر الفئات حاجة إلى الحماية والرعاية. فهؤلاء الذين أمضوا حياتهم في العمل وتربية الأبناء وبناء المجتمع لا ينبغي أن يواجهوا سنواتهم الأخيرة في عزلة أو خوف أو إهمال.
ومن هنا فإن مسؤولية تحسين أوضاع كبار السن لا تقع على عاتق الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات الصحية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والكوادر الطبية. كما أن من واجبنا كأطباء وعاملين في القطاع الصحي ألا نكتفي بعلاج المرض، بل أن نرفع صوتنا دفاعاً عن حق كبار السن في الرعاية والكرامة والأمان.
إن العراق بحاجة اليوم إلى استراتيجية وطنية شاملة لطب الشيخوخة، وإلى مراكز متخصصة بالخرف، وبرامج للرعاية المنزلية، وتشريعات تحمي كبار السن من الإهمال والعنف والاستغلال. فالرعاية ليست صدقة أو منّة، بل حق إنساني أصيل.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: كيف نريد أن تكون شيخوختنا في المستقبل؟ فالمجتمع الذي لا يحمي كبار سنه اليوم، لن يجد من يحمي أبناءه غداً.
إن الخرف ليس اختباراً لذاكرة المريض فقط، بل اختبار لإنسانية المجتمع بأسره.كبار السن في العراق: تحديات متزايدة
شهد العراق خلال العقود الأخيرة تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة أثرت على بنية الأسرة وقدرتها على رعاية كبار السن.
فالحروب المتعاقبة والأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة أدت إلى زيادة الضغوط على الأسر العراقية، مما انعكس على قدرتها في توفير الرعاية المستمرة للمسنين والمصابين بالخرف.
وفي المقابل، ما تزال خدمات طب الشيخوخة والرعاية المجتمعية محدودة، كما تعاني الأسر من غياب برامج الدعم المنزلي والمساندة النفسية والاجتماعية.
مسؤولية الدولة والمؤسسات
إن رعاية كبار السن ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية.
وتتمثل أهم الأولويات في:
اعتماد استراتيجية وطنية لرعاية كبار السن.
إنشاء مراكز متخصصة بطب الشيخوخة والخرف.
دعم الأسر التي تقدم الرعاية المنزلية.
تطوير خدمات التمريض والرعاية المنزلية.
إنشاء مراكز نشاط نهاري وتأهيل معرفي.
سن تشريعات تحمي كبار السن من الإهمال وسوء المعاملة.
تدريب الكوادر الطبية والتمريضية.
نشر الوعي المجتمعي حول الشيخوخة والخرف.
مسؤولية الكوادر الطبية
لا تقتصر مهمة الطبيب على تشخيص المرض ووصف العلاج، بل تشمل الدفاع عن حق المرضى في الحصول على الرعاية المناسبة والعيش بكرامة.
ومن واجب العاملين في القطاع الصحي:
نشر الوعي الصحي.
الدفاع عن حقوق كبار السن.
المطالبة بتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية.
المساهمة في تطوير السياسات الصحية.
مكافحة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالخرف.
خاتمة
إن الخرف ليس مجرد مشكلة طبية، بل قضية إنسانية واجتماعية تمس الأسرة والمجتمع والدولة في آن واحد. ومع ازدياد أعداد كبار السن في العالم، يصبح الاستثمار في خدمات الرعاية والدعم المجتمعي ضرورة لا خياراً.
فطريقة تعامل المجتمعات مع كبار السن تعكس مستوى نضجها الحضاري والإنساني. وهؤلاء الذين أفنوا أعمارهم في بناء أسرهم وأوطانهم يستحقون أن يعيشوا سنواتهم الأخيرة في بيئة توفر لهم الأمان والرعاية والاحترام.
إن بناء مجتمع صديق لكبار السن والمصابين بالخرف يبدأ بالوعي، ويتعزز بالتشريعات والخدمات المتخصصة، ويكتمل بتكاتف الأسرة والمؤسسات الصحية والمجتمع المدني. وعندها فقط يمكن أن نضمن حياة أكثر كرامة وإنسانية لمن يحتاجون إلينا في أكثر مراحل حياتهم هشاشة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟