سليم نعمان
الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 10:30
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
أعاد التقارب الجاري بين النهج الديمقراطي العمالي والحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي إلى الواجهة نقاشاً ظل مؤجلاً لسنوات طويلة داخل اليسار المغربي. وتكمن أهمية هذا النقاش في أنه يتجاوز حدود الاستحقاق الانتخابي المقبل، ليطرح سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل اليسار نفسه: كيف يمكن إعادة بناء قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة للعمال والكادحين والشباب في شروط التراجع الراهنة؟
لا يتعلق الأمر بمجرد ترتيب انتخابي أو تنسيق ظرفي بين تنظيمات متقاربة. فالمسألة المطروحة أوسع من ذلك بكثير. لقد دخل اليسار المغربي منذ عقود في دوامة من الضعف التنظيمي والتشتت السياسي وتراجع النفوذ الاجتماعي. وفي المقابل واصلت الطبقات السائدة تعزيز تمركزها الاقتصادي والسياسي والإعلامي، مستفيدة من غياب قوة جماهيرية منظمة قادرة على التعبير عن مصالح الفئات الشعبية والدفاع عنها.
لهذا يثير أي تقارب بين قوى اليسار أملاً مشروعاً لدى أعداد واسعة من المناضلين والمناضلات. غير أن قيمة هذا التقارب لا تُقاس بعدد التنظيمات المنخرطة فيه ولا بحصيلته الانتخابية المحتملة، وإنما بقدرته على المساهمة في معالجة المعضلة المركزية التي تواجه اليسار المغربي: بناء استقلال سياسي وتنظيمي متجذر وسط العمال والكادحين والشباب والنساء.
الوحدة باعتبارها ضرورة عملية
لا تطرح الوحدة اليوم كقضية عاطفية أو أخلاقية، بل كحاجة سياسية فرضتها موازين القوى القائمة. فالهجوم المتواصل على الحريات الديمقراطية، واستمرار الغلاء، وتفكيك الخدمات العمومية، واتساع الهشاشة الاجتماعية، كلها تحديات تتجاوز قدرة أي تنظيم يساري منفرد على مواجهتها.
كما أن التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة أضعفت الأدوات التقليدية التي اعتمدت عليها الحركة العمالية والشعبية تاريخياً. تراجعت النقابات، وانكمشت الحركة الطلابية، وتفككت كثير من أشكال التنظيم الجماعي التي كانت تشكل مدارس للنضال والتكوين السياسي.
في هذه الظروف تكتسب كل خطوة نحو التعاون والعمل المشترك أهمية خاصة. لكن الوحدة لا يمكن أن تستمر أو تتوسع إذا بقيت مرتبطة فقط بالاستحقاقات الانتخابية. فاستمرارها مرتبط بقدرتها على الارتكاز إلى برنامج نضالي مشترك وإلى تدخل مشترك في القضايا التي تشغل حياة ملايين المغاربة.
ما جدوى الانتخابات؟
يتكرر هذا السؤال قبل كل استحقاق انتخابي تقريباً. وهو سؤال مفهوم في بلد تتمركز فيه السلطات الحاسمة خارج المؤسسات المنتخبة، وتبقى فيه المجالس المنتخبة محدودة التأثير في القضايا الكبرى.
لكن تاريخ الحركة العمالية والثورية يقدم مقاربة مختلفة للمسألة.
فالماركسيون الثوريون لم يربطوا المشاركة الانتخابية بوجود ديمقراطية كاملة أو مؤسسات ذات سيادة فعلية. شارك البلاشفة في انتخابات الدوما القيصري في ظل نظام استبدادي شديد القمع، واستعملوا المنابر المتاحة للوصول إلى الجماهير وتنظيمها ورفع وعيها السياسي.
تكمن أهمية الانتخابات في كونها لحظة سياسية استثنائية ينفتح خلالها ملايين الناس على النقاش العمومي. وخلال فترة قصيرة يصبح ممكناً الوصول إلى قطاعات واسعة من الشعب يصعب الوصول إليها في الظروف العادية.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الانتخابات باعتبارها ساحة من ساحات الصراع السياسي، لا أكثر ولا أقل. فهي لا تمنح السلطة بحد ذاتها، لكنها تتيح فرصاً مهمة للدعاية والتنظيم والتثقيف السياسي وبناء النفوذ وسط الجماهير.
السؤال الحاسم لا يتعلق بالمشاركة أو المقاطعة في حد ذاتهما، بل بالمضمون السياسي الذي تحمله المشاركة وبالأهداف التي تخدمها.
أي برنامج لتجميع الأغلبية الشعبية؟
إذا كانت الانتخابات تشكل فرصة للوصول إلى الجماهير، فإن السؤال التالي يتعلق بمضمون الخطاب الموجه إليها.
لقد خبرت الجماهير المغربية طويلاً لغة الوعود الانتخابية. لذلك لا يمكن لأي مشروع يساري جدي أن يكتفي بتقديم وعود جديدة. المطلوب هو برنامج نضالي يعبر عن الحاجات الفعلية للطبقات الشعبية ويربطها بالمعارك الضرورية لانتزاعها.
في قلب هذا البرنامج تبرز قضايا الشغل والأجور والخدمات العمومية والحريات الديمقراطية.
فالحق في الشغل ينبغي أن يتحول إلى مطلب مركزي، مقروناً بسياسات للتشغيل العمومي، وتقليص ساعات العمل دون المساس بالأجور، وتقاسم العمل المتوفر بين الجميع. كما تطرح الحاجة إلى زيادة عامة في الأجور وربطها بارتفاع الأسعار، بما يحمي القدرة الشرائية للعمال والأجراء وصغار الموظفين.
ويحتل الدفاع عن التعليم العمومي والصحة العمومية والسكن اللائق مكانة أساسية داخل أي برنامج شعبي. فهذه القطاعات تعرضت خلال العقود الماضية لهجوم متواصل تحت مبررات التقشف والخوصصة وتقليص النفقات الاجتماعية.
كما يقتضي الدفاع عن المصالح الشعبية وقف الخوصصة، واسترجاع القطاعات والخدمات الحيوية التي جرى تفويتها للرأسمال الخاص، ووضع الثروات والقطاعات الاستراتيجية تحت الملكية العمومية والرقابة الديمقراطية.
وتطرح المديونية العمومية بدورها باعتبارها قضية سياسية واجتماعية مركزية. فخدمة الدين تلتهم جزءاً مهماً من الموارد العمومية وتستخدم باستمرار ذريعة لتبرير التقشف وضرب الخدمات الاجتماعية. لذلك يصبح من المشروع فتح نقاش عمومي حول مشروعية هذه الديون وكيفية التعامل معها من منظور يخدم مصالح الأغلبية الشعبية لا مصالح المؤسسات المالية والدائنين.
ولا تنفصل هذه المطالب الاجتماعية عن المطالب الديمقراطية. فحرية التنظيم النقابي والسياسي، وحرية التعبير والتظاهر والإضراب، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الحركات الاجتماعية، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام، تشكل شروطاً ضرورية لكي تتمكن الجماهير من الدفاع عن مصالحها وانتزاع حقوقها.
كما أن أي مشروع يساري معاصر مطالب بإعطاء مكانة مركزية لقضايا الشباب والنساء، من خلال النضال ضد البطالة والهشاشة والتمييز، ومن أجل المساواة الكاملة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجميع.
تكمن أهمية هذه المطالب في أنها تنطلق من الواقع الملموس للجماهير، لكنها تقود في الوقت نفسه إلى طرح أسئلة أعمق تتعلق بمن يملك الثروة ومن يقرر كيفية توزيعها، ومن يحتكر السلطة ومن يملك حق مراقبتها ومحاسبتها.
“كل السلطة للمنتخبين“
ضمن هذا الأفق يبرز شعار “كل السلطة للمنتخبين” باعتباره نقطة التقاء ديمقراطية يمكن أن تجمع طيفاً واسعاً من القوى اليسارية والديمقراطية.
فالشعار يطرح بصورة مباشرة سؤال مصدر السلطة السياسية. وإذا كان الشعب ينتخب ممثليه فمن الطبيعي أن تكون لهم السلطة الفعلية في التشريع والتنفيذ والقرار السياسي.
كما يفتح هذا الشعار الباب أمام الدفاع عن حق المواطنين في مراقبة ممثليهم ومحاسبتهم وعزلهم، وعن بناء مؤسسات خاضعة فعلاً للإرادة الشعبية.
وتنبع أهمية الشعار أيضاً من كونه يكشف الحدود الفعلية للاستبداد القائم. فكل نقاش جدي حول السلطة الفعلية للمؤسسات المنتخبة يقود بالضرورة إلى طرح مسألة مراكز القرار الحقيقية داخل الدولة والمجتمع.
ما الذي ينبغي أن يبقى بعد الانتخابات؟
مهما كانت نتائج انتخابات 2026 فإن القضايا الاستراتيجية المطروحة على اليسار المغربي ستظل قائمة.
فالانتخابات لا تعيد بناء النقابات من تلقاء نفسها، ولا تحيي الحركة الطلابية، ولا تخلق أدوات إعلامية وثقافية جديدة، ولا تنتج تلقائياً أجيالاً جديدة من المناضلين والمناضلات.
المعيار الحقيقي لنجاح أي تجربة انتخابية يتمثل فيما تتركه وراءها من تنظيم وتراكم وخبرات وروابط نضالية.
هل خرج اليسار من المعركة أكثر تجذراً وسط العمال والكادحين؟ هل توسعت شبكاته المحلية؟ هل كسب مناضلين جدداً؟ هل تعززت جسور التعاون بين مختلف مكوناته؟ هذه هي الأسئلة التي تحدد القيمة الفعلية لأي اختراق انتخابي.
نحو استراتيجية طويلة النفس
إن النقاش الذي فتحه التقارب الجاري داخل اليسار المغربي يكتسب أهميته الحقيقية لأنه يعيد طرح سؤال الاستراتيجية بعد سنوات طويلة من التراجع.
فالقوى الاجتماعية الكبرى لا تُبنى أثناء موسم انتخابي واحد، ولا عبر تحالف عابر، بل عبر تراكم طويل داخل مواقع العمل والدراسة والسكن والنضال اليومي.
لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى تصور يجعل من الانتخابات محطة ضمن مشروع أوسع لإعادة بناء القوة الاجتماعية لليسار. مشروع يقوم على التعاون بين مختلف مكونات اليسار المناضل، الإصلاحية منها والجذرية، وعلى الربط بين النضال الديمقراطي والنضال الاجتماعي، وعلى استثمار كل ساحة متاحة من أجل توسيع الوعي والتنظيم والقدرة الجماعية على الفعل.
عند هذه النقطة تكتسب الوحدة معناها الفعلي. وعندها تتحول الانتخابات إلى أداة من أدوات مشروع أكبر: مشروع إعادة بناء حضور شعبي منظم ومستقل، قادر على خوض المعارك الديمقراطية والاجتماعية القادمة من موقع أقوى مما هو عليه اليوم. ذلك هو الرهان الذي يتجاوز انتخابات 2026 ويمنح للنقاش الدائر حالياً أهميته الاستراتيجية الحقيقية.
#سليم_نعمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟