أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - سامر حجيجي - نظام الطيبات: حين يصبح التصنيف الغذائي عقيدة














المزيد.....

نظام الطيبات: حين يصبح التصنيف الغذائي عقيدة


سامر حجيجي

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 00:17
المحور: كتابات ساخرة
    


من يطالع الخطاب المرتبط بنظام الطيبات يخرج بانطباع أن البشرية ارتكبت خطأً غذائيًا فادحًا لآلاف السنين، وأن الحل كان ينتظر أخيرًا من يكشف السر العظيم: هناك أطعمة "طيبة" وأخرى "خبيثة". تبدو الفكرة للوهلة الأولى جذابة؛ فالعقل البشري يعشق التصنيفات البسيطة. الخير والشر، الأبيض والأسود، المسموح والممنوع. لكن المشكلة أن جسم الإنسان ليس فيلم كرتون، والتغذية ليست مباراة بين الملائكة والشياطين.

يقوم النظام على افتراض ضمني مفاده أن الأطعمة يمكن تقسيمها إلى فئتين واضحتين: فئة نافعة بطبيعتها، وفئة ضارة بطبيعتها. غير أن علم التغذية الحديث لا يعرف هذه الثنائية الحادة. فالأثر الصحي لأي غذاء يعتمد على الكمية، والسياق الغذائي العام، والحالة الصحية للفرد، والعوامل الوراثية، ومستوى النشاط البدني، وعشرات المتغيرات الأخرى. أما تحويل الغذاء إلى "طيب" أو "خبيث" فهو تبسيط مريح للعقل، لكنه تبسيط لا يعكس التعقيد الحقيقي للبيولوجيا البشرية.

ومن الطريف أن النظام يتحدث أحيانًا عن بعض الأطعمة كما لو أنها متهمة في قضية جنائية. يكفي أن يوضع الطعام في قائمة "الخبيثات" حتى يتحول في أذهان بعض الأتباع إلى مصدر لكل الأمراض تقريبًا. لا فرق إن كانت المشكلة التهابًا أو سمنة أو إرهاقًا أو صداعًا أو اضطرابًا هضميًا؛ فالمتهم حاضر دائمًا وجاهز للاعتراف بكل الجرائم. إنها محاكمة غذائية لا تحتاج إلى أدلة، بل إلى تصنيف مسبق فقط.

ولو طبقنا المنطق نفسه على العلوم الأخرى لأصبحت الفيزياء أكثر سهولة. بدل دراسة القوى والحركة والطاقة، يمكن ببساطة تقسيم الأشياء إلى "طيبة" تسقط و"خبيثة" تطفو. لكن الطبيعة لا تعمل بهذه الطريقة، وكذلك التغذية.

المشكلة الأكبر أن النظام يقدم نفسه في كثير من الأحيان بوصفه تفسيرًا شاملًا للأمراض المزمنة. وهنا يبدأ الابتعاد الحقيقي عن المنهج العلمي. فالأمراض المزمنة ليست نتيجة عامل واحد، بل هي نتاج تفاعل معقد بين الوراثة والبيئة ونمط الحياة والعمر والحالة النفسية وعوامل أخرى عديدة. أما اختزال هذا التعقيد الهائل في قائمة أطعمة مسموحة وأخرى ممنوعة فهو يشبه محاولة تفسير حركة المجرات من خلال معرفة لون السيارة التي يقودها عالم الفلك.

ومن الملاحظ أيضًا أن كثيرًا من الأدلة التي يستند إليها مروجو النظام تأتي من التجارب الشخصية. فلان كان يعاني من مشكلة صحية، ثم اتبع النظام فتحسن. وفلان آخر فقد وزنه. وثالث اختفت لديه أعراض معينة. لكن القصص الفردية ليست دليلًا علميًا، وإلا لتحولت شهادات المرضى إلى بديل عن التجارب السريرية. عندما يغير الإنسان نظامه الغذائي بالكامل فإنه غالبًا يقلل الأطعمة المصنعة، وينتبه إلى وجباته، ويضبط كمية الطعام، وربما يتحسن نومه ونشاطه. أي من هذه العوامل قد يكون سبب التحسن، أو كلها مجتمعة. أما نسبة كل الفضل إلى التصنيف بين "الطيبات" و"الخبيثات" فذلك استنتاج أكبر بكثير مما تسمح به المعطيات.

ولعل أكثر ما يثير الاهتمام ليس النظام نفسه، بل الطريقة التي انتشر بها. فانتشاره لم يكن نتيجة إجماع علمي أو تراكم بحثي طويل، بل نتيجة قوة وسائل التواصل الاجتماعي. آلاف المقاطع، ومئات الشهادات، وجيش من المتحمسين الذين يعيدون نشر الفكرة باستمرار. وهنا تظهر ظاهرة نفسية معروفة: إذا كررت الفكرة بما يكفي، يبدأ الناس بالشعور أنها صحيحة، حتى لو لم يقدم أحد دليلاً حقيقيًا عليها.

إن ثقافة القطيع لا تعني أن الناس يفتقرون إلى الذكاء، بل تعني أن الإنسان يميل فطريًا إلى الثقة بما يثق به الآخرون. فعندما يرى عشرات الآلاف يتحدثون عن نظام معين، يشعر أن هناك شيئًا لا بد أن يكون صحيحًا. ومع الوقت يتحول عدد المتابعين إلى بديل عن قوة البرهان، وعدد المشاهدات إلى بديل عن الدراسات العلمية.

ومن المفارقات أن بعض أتباع النظام يبدون قدرًا كبيرًا من الشك تجاه المؤسسات العلمية والجامعات والهيئات الطبية، لكنهم يمنحون ثقة شبه مطلقة لأي طرح ينسجم مع قناعاتهم المسبقة. فالعلم بالنسبة إليهم يصبح متهمًا حتى يثبت صدقه، بينما النظام يصبح صادقًا حتى يثبت خطؤه. وهذا عكس ما يفترض أن يكون عليه التفكير النقدي.

إن المنهج العلمي لا يسأل إن كان الطعام طيبًا أو خبيثًا، بل يسأل: ما الأدلة على أثره الصحي؟ ما حجم هذا الأثر؟ وفي أي ظروف يظهر؟ ولدى من؟ وما حدود معرفتنا الحالية به؟ هذه الأسئلة قد تبدو أقل إثارة من القصص المنتشرة على وسائل التواصل، لكنها هي التي بنت الطب الحديث ورفعت متوسط عمر الإنسان لعقود طويلة.

في النهاية، قد يستفيد بعض الأشخاص من بعض جوانب نظام الطيبات، وقد تتحسن صحة آخرين نتيجة تعديل عاداتهم الغذائية. لكن ذلك لا يجعل النظام نظرية علمية متكاملة، ولا يحول تصنيفاته إلى حقائق بيولوجية ثابتة. فالحقيقة العلمية لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا بعدد المقاطع المنتشرة، ولا بحجم الحماس الذي يحيط بالفكرة. الحقيقة العلمية تُقاس بشيء أقل جاذبية بكثير، لكنه أكثر قيمة بكثير: الدليل.

وحين يغيب الدليل ويبقى التصفيق، نكون أمام ظاهرة اجتماعية ناجحة، لا أمام نظرية علمية ناجحة.



#سامر_حجيجي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غوغائية الشماتة
- الاستدلال الدائري
- بين المنهج العلمي والمغالطات
- العلموإعجازيون
- الثيوقراطية الشعبية


المزيد.....




- جهود مكثفة في سيفاستوبول لإصلاح المتحف البانورامي التاريخي ب ...
- موسكو.. اليوم الأخير من معرض -أيام الثقافة السودانية-
- مهرجان -التقاليد والحداثة- يفتتح أبوابه في موسكو بمشاركة دول ...
- بوتين يمنح جائزة الدولة الروسية لصاحب -تاريخ السعودية- و-مصر ...
- -دوستويفسكي يمكن اعتباره كاتبا مصريا-.. مكانة راسخة للأدب ال ...
- موسكو تعود إلى الماضي.. رحلة عبر الزمن في مهرجان -الأزمنة وا ...
- المغرب.. استعراض فيلم وثائقي عن التراث الثقافي الروسي
- معجم الطيوب والعطور.. رحلة في ذاكرة الروائح والبخور عبر التا ...
- مهرجان -سافر!-.. منصة تجمع الفنون الشعبية والطهي وصناع المحت ...
- هل فاتك أحدها؟.. أفضل أفلام الرسوم المتحركة التي تألقت منذ ب ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - سامر حجيجي - نظام الطيبات: حين يصبح التصنيف الغذائي عقيدة