|
|
بؤس المثالية أمام علمية التاريخ: تحليل أيديولوجي لكتاب -الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية- لعبد السلام ياسين
بثينة ألكسندرا
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 18:13
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لا يمثل كتاب "الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية" لمؤلفه عبد السلام ياسين مجرد محاولة سجالية دينية دبجت في سبعينيات القرن الماضي للدفاع عن "الأطروحة اللاهوتية"؛ بل هو وثيقة سيكولوجية وأيديولوجية بالغة الدلالة تعكس ذعر الخطاب الظلامي المتخفي وراء لافتات ميتافيزيقية من تمدد الوعي الطبقي المنظم بين الجماهير الكادحة.
إن مأزق الكاتب الذي يمتد على طول فصول الكتاب يتلخص في معادلة واضحة: الرغبة العارمة في هدم وتفكيك الماركسية اللينينية المقابلة بعجز مطلق عن مقارعة قوانينها الاقتصادية والتاريخية. هذا التناقض يوقع الكاتب في فخ "الإبهار المعرفي"؛ فحين يشرح علمية المادية التاريخية لجمهوره بهدف نقدها، ينتهي به المطاف بتقديم مرافعة لغوية بليغة عنها، لدرجة تدفع القارئ للجزم بأنه لو لم يكن لياسين مشروع ظلامي معد سلفا لحشد الأتباع، لأعلن ماركسيته بنهاية هذا الكتاب!
تنطلق هذه الدراسة النقدية من تفكيك المتن المادي للكتاب عبر ثلاثة محاور كبرى، فاضحة كيف يتحول النقد الوعظي إلى تهافت شامل ينتهي بالارتماء في أحضان الشوفينية والتحريفية.
١. البنية الاقتصادية والاجتماعية: عجز "المسكين المعرفي" والهروب نحو الوعظ الأخلاقي
عندما يقتحم عبد السلام ياسين الحقل الاقتصادي لمناقشة مفاهيم كبرى (الملكية الخاصة وفائض القيمة وصراع الطبقات)، تتبدى الضحالة المعرفية في أبهى تجلياتها. و بهذا يعجز الخطاب الظلامي عن تقديم أية قراءة علمية لآليات الإنتاج الرأسمالي، فيلجأ إلى حيلة لغوية بائسة؛ مستبدلا المفاهيم الاقتصادية الصلبة و العلمية بعبارات وعظية بالية من قبيل "طعام المسكين" و"الابتلاء الإلهي".
إن اختزال استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ونهب عرق البروليتاريا عبر الاستحواذ على فائض القيمة في مجرد "أزمة أخلاقية فردية" أو "قضاء وقدر" يتطلب التداوي بالصدقات والزكاة، لهو السلاح الإيديولوجي النموذجي لتخدير الكادحين. لقد أثبتت المادية التاريخية أن الأخلاق والقيم ليست جواهر معلقة في السماء، بل هي بنية فوقية يعاد إنتاجها وصياغتها لتخدم مصالح الطبقة السائدة التي تملك وسائل الإنتاج وتستعمل "الأخلاق المجردة" لتطالب المضطهدين بالصبر والقناعة. إن الكاتب يعيب على الماركسية اللينينية اعتمادها على التحليل المادي الصارم بدلا من النوايا الحسنة (فصل "سر علي")، غافلا عن أن الماركسية لا تهدم الأخلاق، بل تفضح نفاقها الطبقي البرجوازي، وتؤصل لإنسانية حقيقية لا تتحقق إلا بتحطيم القاعدة المادية للاستغلال: الملكية الخاصة.
٢. "فجوة الدخول" التكتيكية: ذعر الحسم اللينيني وفضيحة "السر المكشوف"
أمام استعصاء النظرية الماركسية، اهتدى وعي "المرشد" السيكولوجي إلى تكتيك جبان يتوهم من خلاله العثور على "فجوة دخول" وخرق أيديولوجي ينفذ منه لضرب البناء العلمي، تمثل هذا التكتيك في محاولة فصل ماركس "المنظر والأكاديمي" عن لينين وستالين قادة الممارسة والدولة الاشتراكية، حيث انبرى ياسين في مفارقة تراجيكوميدية، يدافع عن نقاء فكر ماركس زاعما أن الطور اللينيني هو "تشويه وتزييف ديدكتيكي وهستيري" له!
إن هذا الهجوم الشرس على اللينينية لا ينبع من حرص على الماركسية، بل من ذعر طبقي أصيل من الأداة الثورية. فالفكر الظلامي يسهل عليه التعايش مع ماركس في الكتب والمكتبات، لكنه يصاب بالهلع التام من لينين الذي نقل النظرية إلى واقع ميداني عبر تشييد حزب الطليعة الحديدي وديكتاتورية البروليتاريا كسلاحين للاستيلاء على جهاز الدولة البرجوازية وحماية مكاسب الكادحين من جيوش التدخل الإمبريالي، ما ينعته ياسين بـ"التشدد والبوليسية اللينينية" في فصلي "برنامج الدولة الاشتراكية" و"اضمحلال الدولة" هو التطوير العلمي الأمين لحتمية التاريخ؛ فلولا هذه الصلابة التنظيمية لانتهت الثورة إلى السقوط في مستنقع الثورة المضادة كما حدث لكومونة باريس التي افتقدت إلى تنظيم القادر على الحسم.
وفي ذروة تخبطه داخل هذه الفجوة الواهمة، يعلن ياسين بنبرة المنتصر في ص 45 فضيحة معرفية قائلا: "إن ماركس لم يكتشف الصراع الطبقي!". يطلقها "المرشد" كسر خطير خبأه ماركس عن العالم، و كأن رسالته الشهيرة إلى "جوزيف فيدماير" لم يطلع عليها سوى ماركس و فيدماير وعبد السلام ياسين. لقد أكد كارل ماركس في رسالته تلك أن الفضل في اكتشاف الصراع يعود للمؤرخين والاقتصاديين البرجوازيين قبله، وأن إضافته النوعية هي إثبات أن هذا الصراع يؤدي حتما إلى ديكتاتورية البروليتاريا كجسر لإلغاء الطبقات. إن سرقة اعترافات ماركس وتصويرها كسقطة تكشف أننا أمام جهل مطبق بألفبائيات الماركسية اللينينية.
٣. محاكمة العنف ونفاق المرجعية: العكازات التحريفية والمنحدر الشوفيني
في محاولة يائسة لمحاصرة الممارسة الاشتراكية، ينتقل ياسين في فصلي "العنف الهستيري" و"ستالين" ليوجه سهامه لجهاز الدولة السوفياتية. وهنا يقع الخطاب في ورطتين نسفتا ادعاءاته الأخلاقية:
أولا: النفاق الأيديولوجي في محاكمة العنف يدين ياسين العنف الثوري البروليتاري بوصفه "تدميرا همجيا"، متناسيا عمدا أن تاريخ الإسلام السياسي مشبع بالغزوات والمعارك والفتوحات التي كان السيف والنار محددها الأوحد، بل إن أدبيات نصوصه تتضمن آيات صريحة للقتال، وهي التي استند إليها هو وأتباعه حينما كانوا يفتون في تنفيذ جرائم الاغتيال في حق الرفاق و التي سقط على إثرها كل من المعطي بوملي و آيت الجيد بنعيسى شهيدين مع بداية التسعينيات؛ تطبيقا لجوهر هذا الكتاب الذي بين أيدينا. فحينما فشل "المرشد" في مواجهة الفكر التحرري بالقلم، جابهه بالسيف المليشياوي، وفشل في ذلك أيضا أمام صمود المناضلين. إن الماركسية اللينينية لا تعشق الدماء، بل ترى أن العنف الثوري قانون تاريخي ضد العنف الهيكلي اليومي الذي تمارسه البرجوازية عبر سحق الكدح وتجويع الملايين، والبروليتاريا المنظمة هي قابلة التاريخ لانتزاع حقوقها من طبقة لن تتنازل عن امتيازاتها بالدعاء ولا الوعظ. ثانيا: العكاز التحريفي الخروتشوفي لتشييد محاكمته ضد ستالين ومرحلة البناء الصناعي، لم يجد الشيخ عكازا يتكئ عليه سوى تقارير وكتابات نيكيتا خروتشوف التحريفي في المؤتمر العشرين للحزب (1956)! إن استعارة الخطاب الظلامي لأطروحات ارتداد البرجوازي الصغير خروتشوف تفضح الالتقاء بين الرجعية والتحريفية لتعطيل ديكتاتورية البروليتاريا ومنع الجماهير من إدراك قدرتها المادية على تسيير الاقتصاد وإلغاء الاستغلال دون حاجة لخطابات مثالية تحيدها عن طريق الحقيقة.
عندما تنهار كل هذه العكازات، يهوي الكاتب إلى المنحدر الأخير في فصل "الوحش الكاسر"، مستبدلا التناقض الطبقي العلمي بتحليل عرقي وشوفيني فاشي! يضع ياسين عبد السلام الماركسية والرأسمالية في سلة واحدة باعتبارهما نتاجا لـ"العرق الأبيض والنزعة الجرمانية الأوروبية الوحشية الكاسرة". هذا المنطق الشوفيني يتغاضى قصدا عن حقيقة أن الماركسية اللينينية كانت سلاحا نظريا وتنظيميا لتجارب في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية دحرت عبرها الاستعمار "الأبيض"، فالهدف من عرقنة الصراع هو شرعنة المستغِل والجلاد المحلي والقبول به لمجرد أنه ينتمي لنفس الهوية والعرق والدين، مقابل رفض العلم التحرري البروليتاري بدعوى أنه "غربي وجرماني"! كما يسقط في نفس المستنقع بإلصاق أسماء إينشتاين، وفرويد في سياق قدحي لمجرد أصلهم الديني المشترك كما فعل ذلك حين ذكر اسم فايدمار قائلا "اليهودي أيضا"، عاجزا عن استيعاب القطائع التي أحدثتها ثوراتهم العلمية مع الفكر اللاهوتي.
وخلاصة لتهافت أوهام الخلافة أمام صخرة الواقع، فإن كراس "الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية" ينتهي بعد عرضه على مقصلة المادية التاريخية إلى سقوط مذوي في الجانبين الاقتصادي و السياسي و حتى الجانب الأخلاقي. لقد جاء الكاتب ليهدم الفكر العلمي الثوري، فانتهى به المطاف مستلبا ومبهورا بآلياته المفهومية، عاجزا عن مجابهتها إلا بالهروب نحو المواعظ ومحاولة تجريمها دينيا، وعرقيا، والتحالف المفضوح مع التحريفية البرجوازية الصغيرة، لكن السحر انقلب على الساحر ياسين، إذ قام بالدعاية إلى صالح الماركسية دون الوعي بذلك.
الواقع الميداني والطبقي اليوم بالمغرب يؤكد أن الطبقة العاملة و حلفائها الموضوعيين لا تحركهم المشاريع الرجعية -الخلافة أنموذجا- ولا أدعية الصبر على بؤس الاستغلال، لأنها تعي جيدا انطلاقا من واقع الطرد والتهميش ونهب النظام التابع للإمبريالية العالمية لثرواتها، أن التنظيم الطبقي والوعي العلمي بالمادية التاريخية هما السلاحان الوحيدان لانتزاع أدوات الإنتاج وتدمير تحالف الفساد والاستغلال وصناعة غد متحرر من عبودية المادة والنفاق الطبقي.
والحقيقة ثورية دائما
#بثينة_ألكسندرا (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مطرقة لينين و سندان الإصلاحية: عن حزب الطبقة العاملة و فخ ال
...
المزيد.....
-
المقاومة الإسلامية : استهدفنا بمحلّقة -أبابيل- الانقضاضيّة
...
-
المقاومة الإسلامية: استهدفنا آلية -نميرا- تابعة لـ-جيش- الع
...
-
المقاومة الإسلامية: استهدفنا أمس بمحلّقة -أبابيل- الانقضاضيّ
...
-
المقاومة الإسلامية : استهدفنا بمحلّقة -أبابيل- الانقضاضيّة
...
-
المقاومة الإسلامية : استهدفنا بصلية صاروخيّة تجمّعًا لجنود ج
...
-
خطيب المسجد الأقصى يحذر من مشروع قانون إسرائيلي يهدف إلى إضف
...
-
الإخوان والقاعدة وداعش.. جذور واحدة وفروع متعددة
-
حرس الثورة الاسلامية في بيان بمناسبة إحياء ذكرى رحيل الإمام
...
-
حرس الثورة الاسلامية: الإيرانيون لن يخضعوا أبداً لمحاولات ا
...
-
التوصل إلى اتفاق بشأن قبور اليهود والمسلمين في مدينة فريبورغ
...
المزيد.....
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
-
إله الغد
/ نيل دونالد والش
-
في البيت مع الله
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء
/ نيل دونالد والش
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ يل دونالد والش
المزيد.....
|