|
|
مطرقة لينين و سندان الإصلاحية: عن حزب الطبقة العاملة و فخ الجبهوية الهجينة
بثينة ألكسندرا
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 08:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في المنعطفات التاريخية المأزومة، يشتد الضغط الطبقي على التنظيمات التي ترفع شعار الثورية، فتسقط في فخ المقايضة التاريخية: البحث عن كم جماهيري هلامي على حساب الكيف المناضل و المسلح سياسيا و إيديولوجيا. إن ما نشهده اليوم في الساحة المغربية من تنسيق هجين بين تنظيمات تنسب للطبقة العاملة وبين قوى رجعية، تحت ذريعة التكتيك المضللة، ليس سوى انزلاق صريح نحو مستنقع الإصلاحية التي طالما حذر منها لينين. إننا أمام محاولة بائسة لترميم العجز التنظيمي بـ"عكازات ظلامية"، وهو ما يفرض علينا ضرورة استحضار مطرقة لينين لتحطيم هذه الأوهام السياسية قبل أن تتحول إلى قيود تاريخية.
إننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما ممارسة النقد الذاتي بجرأة "جلد الذات" والقبول بخطوة إلى الوراء من أجل تصحيح المسار وتطهير الصفوف، وإما الارتماء الكامل في أحضان الرجعية. فالإصلاحية، في الأخير، ليست سوى قناع من أقنعة الرجعية؛ وظيفتها الحفاظ على نفس علاقات الإنتاج القائمة مع إضافة إصلاحات حقوقية لصالح أوهام البرجوازية الصغيرة، مما يؤبد استلاب البروليتاريا ويجهض استقلاليتها السياسية. و كما أكد لينين في كتابه ما العمل: "إما إيديولوجية برجوازية وإما إيديولوجية اشتراكية. وليس ثمة وسط بينهما لأن البشرية لم تصنع إيديولوجية “ثالثة”، أضف إلى ذلك أنه في مجتمع تمزقه التناقضات الطبقية، لا يمكن أن توجد على الإطلاق أية إيديولوجية خارج الطبقات أو فوق الطبقات."
إن المبررات النظرية التي يقدمها "رفاقنا" اليوم بخصوص تنسيقهم الميداني مع القوى الظلامية (العدل والإحسان أنموذجا)، متحصنين خلف ثنائية "العدو الرئيسي والعدو الثانوي"، لهو انزلاق صريح عن الخط الماركسي اللينيني. بل إننا أمام خطاب انتقائي بامتياز، يقتات على فتات أطروحات نسبت زورا للماركسية في مراحل تيهها الإيديولوجي، ليصيغ منها "درعا واهيا" يتبرأ به هؤلاء الإصلاحيون أمام ناقديهم. إن استعارة مفاهيم من سياقات تاريخية حرفت الفهم الصحيح لإديولوجية الطبقة العاملة وإسقاطها قسرا على واقع الصراع الطبقي في المغرب، ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو استلاب تكتيكي يخدم الطبقة السائدة موضوعيا؛ فالرجعية سواء دينية أو عرقية ليست "عدوا ثانويا"، بل هي الخزان الإيديولوجي وصمام الأمان الذي يحمي علاقات الإنتاج القائمة من أي وعي طبقي جذري، وهي بنك احتياط سياسي للأنظمة الرجعية و الإمبريالية في المراحل المفصلية من الصراع.
إن هذا التكتيك الهجين يقع في تناقض صارخ مع صرامة المنهج اللينيني الذي يحدد بدقة ماهية القوى القادرة على إنجاز التغيير. فلينين، في نصه الخالد المضمن في هذا المجلد: «من أي جهة يهدد البروليتاريا خطر تقييد يديها في النضال ضد البرجوازية المتذبذبة؟»، يضع النقاط على الحروف بخصوص مفهوم "الشعب" والثورة، حيث يقول:
«إن القوة القادرة على إحراز "انتصار حاسم على القيصرية" لا يمكن أن تكون إلا الشعب، أي البروليتاريا والفلاحين، إذا أخذنا القوى الأساسية الكبرى وإذا وزعنا بين البروليتاريا والفلاحين البرجوازية الصغيرة في الريف والمدينة (التي هي أيضاً من "الشعب"). إن انتصار الثورة الحاسم على القيصرية، إنما هو ديكتاتورية البروليتاريا والفلاحين الديمقراطية الثورية... فليس ثمة آخر يحرز الانتصار الحاسم.»
من هنا، يتضح أن "الشعب" في المنظور اللينيني هو تحالف طبقي واعي (البروليتاريا و حلفائها)، تجمعه مصلحة طبقية في إنجاز مهام "الديمقراطية الثورية". أما إقحام قوى رجعية في معادلة "الشعب" فهو تزوير للماركسية وتحويل لها إلى "شعبوية" فجة؛ فبينما يتحدث لينين عن قوى ديمقراطية (حتى وإن كانت بورجوازية)، يهرول رفاقنا اليوم لتقييد يدي البروليتاريا بتحالفات مع قوى "ما قبل-ديمقراطية" لا تؤمن أصلا بحق الطبقة العاملة في الوجود السياسي المستقل.
إن هذا الاستنجاد بالرجعية لتغطية "العجز التنظيمي" الذاتي هو بالضبط "خطر تقييد اليدين" الذي حذر منه لينين؛ إنه انتحار سياسي يجعل البروليتاريا تابعة (ذيلية) لقوى متذبذبة أو رجعية صرفة، بدلا من أن تقود هي الفئات الشعبية ببرنامجها الخاص، و إن تجربة عشرين فبراير التي مازالت حاضرة في ذاكرة كل المناضلين لمثال مازال حيا عن الذيلية التي أصابت رفاقنا ما إن تنازلوا للظلام. إن الثورية لا تقاس بمن تحارب فقط، بل بوضوح من تحالف، وأي "جبهة" تذيب الفوارق بين العلم والخرافة، وبين الاشتراكية والرجعية، هي جبهة لا تخدم إلا تأبيد الاستبداد بوجوه جديدة.
ينزلق رفاقنا من خطأ "التكتيك الانتقائي" إلى سقطة "التمييع المفاهيمي"، وذلك حين يروجون لمفهوم بورجوازي مبتذل عن الديمقراطية، باعتبارها مجرد "إطار شكلي" يتسع لكل المتناقضات. إنهم يتناسون أن الديمقراطية في المنهج الماركسي هي أداة للصراع الطبقي وليست وسيلة لمهادنة الرجعية. ولتفكيك هذا الوهم، نعود للينين في نصه «المفهوم البرجوازي المبتذل عن الديكتاتورية ومفهوم ماركس عنها»، حيث يوضح بعمق: «إن مفهومي الديكتاتورية والديمقراطية يتنافيان في العرف البرجوازي المبتذل. فإن البرجوازي لا يدرك نظرية النضال الطبقي... ولذا فهو يفهم بالديكتاتورية إلغاء جميع الحريات وجميع ضمانات الديمقراطية...» ويستطرد لينين مبينا كيف كان ماركس يتعامل مع مفهوم "الشعب" دون أن يسقط في فخ الشعبوية: «إن ماركس لا يطمس الفوارق الطبقية حين يستعمل كلمة "شعب"، إنما يجمع فيها عناصر معينة، قادرة على القيام بالثورة إلى النهاية... ولقد كافح على الدوام، بلا رحمة ولا هوادة، الأوهام البرجوازية الصغيرة حول وحدة "الشعب"، وحول انعدام النضال الطبقي في قلب الشعب.»
من هنا، نستشف بوضوح استحالة "الاجتماع" مع القوى الظلامية في خندق واحد، حتى في القضايا التي تبدو "مشتركة"، لأننا نختلف في الجوهر المفاهيمي والمنطلق الطبقي. ولعل "جبهة مناهضة التطبيع" اليوم هي التجسيد الصارخ لهذا التناقض الذي يغض رفاقنا الطرف عنه. فبينما يرى الماركسيون اللينينيون القضية الفلسطينية قضية وطنية وطبقية؛ لا يمكن أن تتحرر إلا بتحرر الشعوب من نير الثالوث (الإمبريالية، الصهيونية، والرجعية)، نجد أن "الإخوان المسلمين" وقوى الرجعية الغيبية لا يرونها إلا قضية دينية.
إن هذا التباين ليس تفصيلا ثانويا؛ فماذا لو دخلت طائفة إسلامية "مستعمِرة" إلى فلسطين ومارست نفس قمع الكيان الصهيوني؟ هنا ستسقط ورقة التوت عن الرجعية التي تقتات على العاطفة الدينية، بينما سيظل المناضل الشيوعي وفيا لموقفه ضد كل أشكال الاستعمار والاستغلال. إن المفاهيم بيننا وبينهم متناقضة جذريا، وواجبنا تجاه هذه القوى هو فضحها أمام الجماهير وتجاوزها ميدانيا، وليس منحها "صك براءة" عبر التنسيق معها، وهو ما يقتل الاستقلال السياسي للبروليتاريا ويجعلها "ذيلية" لمشاريع تجاوزتها الجماهير منذ زمن، مشاريع القرون الوسطى.
إن الجريمة الكبرى التي ترتكبها "الجبهوية الهجينة" لا تتوقف عند إهدار الجهد الميداني، بل تمتد لتدمير الاستقلال الإيديولوجي والسياسي للطبقة العاملة. فعندما يرى العامل مناضلا "ماركسيا" يضع يده في يد "ظلامي"، يختفي التمايز الطبقي في ذهنه، ويتحول الصراع من مواجهة وجودية ضد نظام قائم على الاستغلال إلى مجرد "مشاحنات سياسوية" تخدم أطرافا لا مصلحة للكادحين فيها.
إن التحالف الحقيقي يجب أن يكون مع الطبقة الكادحة أولا وأخيرا. ثم إن الجبهات الحقيقية هي التي تتكون من الماركسيين اللينينيين والعمال والفلاحين وفئات البرجوازية الصغيرة التي وضعت علمها ووعيها في خدمة قضية التحرر. هذا هو "الشعب" الذي قصده لينين؛ تحالف القوى التي لها مصلحة موضوعية في تحطيم علاقات الإنتاج القائمة، لا ترميمها بمسكنات دينية أو إصلاحية.
أما أن تهرول "الطليعة" للتحالف مع قوى ظلامية اتسخت أيديها بدماء رفاقنا، فبذلك هي تقتل الحركة الجماهيرية أكثر مما تحييها. إن هذا النوع من التنسيق لا يورث إلا الإحباط والارتداد؛ فكيف للجماهير أن تثق في مشروع تحرري يتحالف مع قوى هي في جوهرها استبدادية وقمعية؟ إن دماء الشهداء والرفاق ليست تفصيلا يمكن تجاوزه باسم التكتيك، بل هي البوصلة التي تحدد طبيعة الخصم. إن التنسيق مع القوى الظلامية هو تبييض لوجه الرجعية، ومنحها شرعية نضالية تجعل العامل و الفلاح و المعطل يثق في من سيقمعه غدا باسم "المقدس".
إن البديل الحقيق لا يكمن في توسيع الجبهات مع الرجعيين، بل في ما دعا إليه لينين في نص «بصدد تنظيم الحزب تنظيما جديدا». إن التنظيم الجديد لا يبنى بالهجانة، بل بالوضوح الصارم وفرز الصفوف. و بهذا فعلى "مناضلينا" أن يخطون خطوة إلى الوراء، كما علينا أن نخوض معركة شرسة لتطهير الحركة الماركسية اللينينية المغربية من الوهم الإصلاحي، والقطع مع العكازات الظلامية، على اعتبار أن هذه الخطوة هي بمثابة قفزة كبرى للأمام نحو بناء الذات الثورية المستقلة التي تقود، ولا تقاد.
و في الأخير، لا بد أن أوضح إن "مطرقة لينين" التي استعملناها في هذا المقال، ليست أداة للتحنيط التاريخي، بل هي وسيلة لتحطيم "سندان الإصلاحية" الذي يحاول سحق وعي البروليتاريا. لأن التبني الحقيقي للماركسية اللينينية يتطلب جرأة في القطع مع كل ما هو هجين، والإيمان بأن قوة البروليتاريا تكمن في نقائها الطبقي واستقلالها التنظيمي. فالتنظيم الذي لا يملك شجاعة الاعتراف بأخطائه ويفضل "الكم الزائف" على "الكيف الثوري"، هو تنظيم يختار بمحض إرادته الذوبان في مستنقع الإصلاحية وبالتالي مزبلة التاريخ.
#بثينة_ألكسندرا (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مطرقة لينين و سندان الإصلاحية: عن حزب الطبقة العاملة و فخ ال
...
المزيد.....
-
ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي
...
-
ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار
...
-
حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد-
...
-
أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
-
حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر
...
-
حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر
...
-
صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
-
ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
-
عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح
...
-
زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|