أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رحال بن الصويرة - سوسيولوجيا السرية والتنظيمات السرية















المزيد.....

سوسيولوجيا السرية والتنظيمات السرية


رحال بن الصويرة
(Ben Souira Rahhal)


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 00:46
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تفتح قراءة مقال جورج زيمل حول السرية والتنظيمات السرية مجالاً خصباً لفهم واحدة من أدق الظواهر التي ترافق الحياة الاجتماعية، وهي ظاهرة السر. فالسر، في الاستعمال اليومي، يحيل إلى ما يخفيه الفرد عن غيره، أو إلى ما تحتفظ به جماعة معينة أو تنظيم بعيداً عن أنظار الآخرين، غير أن قراءة زيمل تضع هذه الظاهرة داخل بنية أوسع، لأنها تربطها بالعلاقة الاجتماعية نفسها، وبالحدود التي تنظّم ما يعرفه الناس عن بعضهم، وما يكشفونه، وما يحتفظون به داخل مجالهم الخاص. بهذا المعنى، لا يقدّم زيمل مقالاً أخلاقياً في الصدق والكذب، بل يصوغ تحليلاً لشكل اجتماعي يعمل في عمق التفاعل الإنساني، ويجعل السرية جزءاً من تنظيم العلاقة بين الأفراد والجماعات.
يندرج هذا المقال ضمن مشروع زيمل العام الذي اهتم بتحليل الأشكال الاجتماعية الدقيقة: التبادل، الصراع، الموضة، الغريب، المال، السرية. وقد كان زيمل من السوسيولوجيين الذين منحوا التفاصيل اليومية قيمة نظرية كبرى، لأن المجتمع، في تصوره، لا يتجسد فقط في الدولة والمؤسسة والطبقة والقانون، بل يتشكل أيضاً في النظرة، والمسافة، والتحفظ، والثقة، والفضول، والتعارف، وما يتبادله الناس من معرفة جزئية عن بعضهم. فحين يدرس السر، فهو يدرس في العمق كيفية تشكل العلاقة بين الذات والآخر، وبين الفرد والجماعة، وبين المعرفة والجهل، وبين المجال الخاص والمجال المشترك.
يتبنى زيمل فكرة مفادها أن كل علاقة اجتماعية تحتاج إلى معرفة متبادلة بين أطرافها، لكنها تحتاج أيضاً إلى مقدار من الحجب والتحفظ. فالإنسان الذي يدخل في علاقة مع غيره يحتاج إلى أن يعرف عنه شيئاً يسمح له بالتعامل معه، مثل معرفة التاجر بقدرة زبونه على الدفع، أو معرفة المدرس بمستوى تلميذه، أو معرفة الصديق ببعض ملامح شخصية صديقه. غير أن هذه المعرفة تبقى دائماً محدودة ومشروطة بطبيعة العلاقة. فالعلاقة التجارية العابرة تكتفي بمعرفة محدودة، بينما تتطلب الصداقة والزواج والشراكة المهنية معرفة أعمق، لأن مصير العلاقة يرتبط بدرجة أكبر بشخصية الأطراف وطباعهم ومعاييرهم الأخلاقية.
ينقلنا زيمل من تصور بسيط يرى السر مجرد إخفاء، إلى تصور مغاير يرى السرية شكلاً من أشكال تنظيم المعرفة الاجتماعية. فالمجتمع لا يقوم على كشف كامل للذوات، بل على توزيع متحرك بين ما ينبغي أن يعرف، وما يمكن أن يعرف، وما يبقى محفوظاً داخل المجال الحميم للشخصية. وكلما تغير نوع العلاقة تغير مقدار المعرفة الضرورية داخلها. لذلك فالسؤال الذي يوجهه ليس: هل السر حسن أم سيئ؟ بل: كيف تشتغل السرية داخل العلاقات الاجتماعية؟ ومتى تصبح حماية للمجال الشخصي؟ ومتى تتحول إلى أداة للهيمنة أو الخداع؟
أولاً: سياق المقال ومنهجه في قراءة الحياة الاجتماعية
كتب زيمل مقال سوسيولوجيا السرية في سياق كانت فيه السوسيولوجيا الأوروبية تبحث عن أدواتها ومفاهيمها، بين اتجاهات تجعل المجتمع بنية كبرى قائمة فوق الأفراد أي خضوع الفرد لسلطة المجتمع، واتجاهات ترى أن للفرد قدرة على الفاعلية في المجتمع. وقد اختار زيمل طريقاً متميزاً، لأنه ركز على الأشكال التي تنتظم بها العلاقات، بصرف النظر عن مضمونها الخاص. فالعلاقة قد تكون اقتصادية أو عاطفية أو سياسية أو دينية، لكنها تتخذ أشكالاً قابلة للتحليل: قرب، مسافة، تبادل، تبعية، صراع، ثقة، سرية. ومن خلال هذا التصور، يصبح السر شكلاً اجتماعياً لأنه ينظم علاقة بين من يعرف ومن يجهل، بين من يخفي ومن يحاول الفهم، بين الداخل والخارج.
يساعد هذا التحديد على فهم قوة زيمل. فهو يبدأ من واقعة بسيطة: لا يمكن للناس أن يتعاملوا من غير معرفة ما عن بعضهم. غير أن هذه المعرفة تتكون غالباً من شذرات، ومن صور جزئية، ومن افتراضات عملية. فالإنسان لا يعرف الآخر في كليته، بل يعرفه من موقع معين: موقع الصداقة، أو القرابة، أو الزمالة، أو المصلحة، أو الجوار، أو السلطة. وكل موقع يفتح جزءاً من الآخر ويحجب أجزاء أخرى. لذلك تتشكل صورة الآخر داخل العلاقة ذاتها؛ فالعلاقة تمنحنا زاوية نظر، وهذه الزاوية تنتج صورة، وهذه الصورة بدورها تؤثر في استمرار العلاقة أو تعديلها. هنا تظهر دائرية دقيقة في تحليل زيمل: العلاقة تنتج معرفة، والمعرفة تعيد تشكيل العلاقة.
يوضح زيمل أنه، حين يتعامل شخصان معاً، فإن كلاً منهما يحتاج إلى معرفة مقدار محدد عن الآخر. هذا المقدار يتحدد بنوع العلاقة. فإذا تجاوز أحدهما هذا المقدار بدافع الفضول أو السيطرة، وقع اعتداء على المجال الخاص. وإذا قل هذا المقدار عن الحد الضروري، ضعفت الثقة وصارت العلاقة هشة. ومن ثم، فإن الحياة الاجتماعية تتحرك بين حاجتين: الحاجة إلى المعرفة حتى يكون التفاعل ممكناً، والحاجة إلى التحفظ حتى تبقى الشخصية محتفظة بمجالها الحميم.
ثانياً: المعرفة المتبادلة وحدود معرفة الآخر
يبدأ زيمل من فكرة أن كل علاقة إنسانية تستند إلى افتراض أولي: أن نعرف شيئاً عن الذين نتعامل معهم. هذه المعرفة قد تكون بسيطة أو عميقة، وقد تكون مباشرة أو مؤسسية، وقد تتعلق بالشخص نفسه أو بالدور الذي يؤديه. فعندما يدخل الفرد إلى إدارة عمومية، فإنه لا يعرف الموظف معرفة شخصية، لكنه يعرف دوره، ويثق نسبياً بأن هذا الدور محكوم بقواعد. وعندما يتعامل مع طبيب أو مدرس أو تاجر، فإنه يتعامل مع شخص محدد، لكنه يعتمد في جزء كبير من ثقته على الدور الاجتماعي والمؤسسة والمعايير المهنية. هكذا تصبح المعرفة الاجتماعية معرفة عملية، موجهة نحو إنجاز علاقة أو تبادل أو تعاون.
يرفض زيمل، فكرة المعرفة الكاملة بالآخر. فالذات الإنسانية واسعة ومتعددة، وما يظهر منها داخل علاقة معينة يمثل جزءاً من كيانها. لذلك فكل معرفة بالآخر تحمل طابعاً انتقائياً. الصديق يعرف وجهاً، والزميل يعرف وجهاً آخر، والأسرة تعرف وجهاً ثالثاً، والمؤسسة تعرف الفرد من خلال ملف أو وظيفة أو سجل. وتعدد هذه الصور لا يعني بالضرورة وجود خداع، بل يعبر عن اختلاف المواقع التي يرى منها الناس بعضهم بعضاً. فالإنسان ليس موضوعاً شفافاً يظهر بالطريقة نفسها للجميع، بل كائن اجتماعي تتعدد صورته بتعدد العلاقات التي يدخل فيها.
تتضح قيمة هذه الفكرة في الحياة المعاصرة. فالفرد اليوم يمتلك صوراً متعددة عن ذاته: صورة مهنية، صورة عائلية، صورة رقمية، صورة استهلاكية، صورة سياسية أو ثقافية. وقد يعرفه الآخرون عبر جزء صغير من هذه الصور، ثم يبنون عليه حكماً واسعاً. في منصات التواصل الاجتماعي، تصبح صورة الشخص محكومة بما ينشره، وما يعلق عليه، وما يتفاعل معه، وما يختار أن يعرضه. غير أن هذه الصورة الرقمية لا تستوعب التجربة الكاملة للفرد، بل تقدم مقطعاً منتقى من حضوره الاجتماعي. وهنا تظهر راهنية زيمل؛ فقد وضع منذ بدايات القرن العشرين قاعدة تحليلية تسمح بفهم هذه الوضعية: كل معرفة بالآخر مشروطة بموقع العلاقة، وكل علاقة تنتج صورتها الخاصة عن الشخص.
المجتمع يحتاج إلى معرفة متبادلة، لكنه ينظم هذه المعرفة داخل حدود. فالقرابة توسع دائرة المعرفة الشخصية، والعمل يضبطها بحدود الدور، والتعارف يجعلها سطحية ومهذبة، والصداقة تدفعها نحو العمق، والسياسة تحولها إلى ثقة عمومية أو مساءلة. ومن ثم، فإن مقدار ما نعرفه عن الآخر ليس مسألة نفسية فقط، بل هو مسألة اجتماعية ترتبط بنوع الرابط، وموقع الفرد، ووظيفة العلاقة، ومستوى الاعتماد المتبادل بين الأطراف.
ثالثاً: السرية باعتبارها تنظيماً للحدود الاجتماعية
يفهم زيمل السرية بوصفها تنظيماً للحدود بين الداخل والخارج. فالسر لا يوجد إلا حين يكون هناك تمييز بين من يملك المعلومة ومن لا يملكها، بين من ينتمي إلى دائرة معينة ومن يوجد خارجها. ولهذا السبب تحمل السرية قوة اجتماعية خاصة، لأنها تمنح من يحتفظ بالسر موقعاً متميزاً، وتخلق مسافة بينه وبين الآخرين. فالمعلومة المخفية ليست مجرد مضمون ذهني، بل عنصر في علاقة قوة، لأنها تحدد من يستطيع أن يتصرف، ومن ينتظر، ومن يشارك، ومن يُقصى.
غير أن هذه القوة لا تعمل دائماً بطريقة سلبية. فالسرية قد تحمي المجال الشخصي، وقد تحفظ كرامة الإنسان، وقد تصون علاقة حميمة من فضول الخارج، وقد تمنح الجماعة الداخلية شعوراً بالتماسك. في المقابل، حين ترتبط السرية بالسلطة غير الخاضعة للمساءلة، تصبح وسيلة لتثبيت الامتياز وإخفاء القرار ومنع المحاسبة. ومن هنا ينبغي التمييز بين السرية بوصفها حماية للخصوصية، والسرية بوصفها احتكاراً للمعلومة داخل علاقة غير متكافئة. الأولى تحفظ حدود الشخصية، والثانية تضعف شروط الثقة العامة.
يوضح زيمل من خلال مفهوم التحفظ. والتحفظ، في معناه البسيط، هو امتناع الفرد عن اقتحام ما لا يقدمه الآخر له طوعاً. إنه احترام لمسافة رمزية تحيط بالشخصية. فكل إنسان يمتلك مجالاً حميماً يشبه الملكية الروحية، أي تلك المنطقة التي تتعلق بمشاعره الخاصة، وتاريخه الشخصي، ونقاط ضعفه، وما يفضل الاحتفاظ به بعيداً عن التداول. لذلك يصبح الفضول المفرط اعتداءً رمزياً، حتى حين لا يستعمل صاحبه وسائل مادية أو غير قانونية. فقد يلتقط شخص ما كلمة عابرة، أو نبرة صوت، أو علامة ارتباك، ثم يحولها إلى معرفة عن الآخر، ويستعملها للحكم عليه أو محاصرته. هنا يبين زيمل أن اختراق الحياة الداخلية للآخر قد يحدث عبر التأويل والحدس والملاحظة النفسية، لا عبر التجسس الصريح فقط.
هذه الفكرة تزداد وضوحاً في الزمن الرقمي. فالفرد المعاصر يترك وراءه آثاراً قابلة للتجميع والتأويل: صور، تعليقات، إعجابات، مواقع، أصدقاء، تفضيلات، سجلات مشاهدة. كل أثر يبدو صغيراً، لكنه يتحول ضمن الشبكات الرقمية إلى معلومة عن نمط الحياة والذوق والميل السياسي والعلاقات والانفعالات. وفي هذا المستوى يصبح التحفظ مفهوماً راهناً، لأنه لا يتعلق بالمعطى الشخصي وحده، بل بحماية الإنسان من تحويل آثاره اليومية إلى ملف مفتوح باستمرار. إن زيمل يمنحنا لغة مبكرة لفهم هذه الوضعية، حين يربط بين الحق في المعرفة وحدود المجال الخاص.
رابعاً: الكذب والثقة والاقتصاد الأخلاقي للعلاقات
يناقش زيمل الكذب لا من زاوية الوعظ الأخلاقي، بل من زاوية أثره في بناء العلاقات. الكذب، عنده، لا يتمثل فقط في تقديم معلومة خاطئة، بل في إخفاء النية الحقيقية للمتكلم عن الطرف الآخر. فالخداع يصيب الواقعة، ويصيب في الوقت نفسه صورة المتكلم في ذهن من يتلقى الكلام. ولذلك يكون أثره عميقاً في العلاقات التي تحتاج إلى ثقة. حين يكتشف الإنسان أنه خُدع، فإنه يعيد بناء صورته عن الشخص، وعن العلاقة، وعن الماضي المشترك كله. لذلك لا يضرب الكذب لحظة واحدة فحسب، بل يمتد أثره إلى الذاكرة والثقة والتوقع.
يمكن أن نستخلص من فكرة زيمل حول الثقة، أن الثقة في أعداد كبيرة من الناس والمؤسسات التي لا نعرفها معرفة شخصية. نأكل طعاماً لم ننتجه، ونستعمل أدوية لم نصنعها، ونقرأ نتائج علمية لم نتحقق منها بأنفسنا، ونضع أموالنا في بنوك، ونوقع عقوداً، ونستعمل وثائق، ونتنقل في شبكات تقنية معقدة. هذه الحياة تحتاج إلى ثقة معممة. ومن ثم، يصبح الكذب في المجتمع الحديث أكثر خطورة، لأنه لا يهدد علاقة فردية فقط، بل يضعف البنية الرمزية التي تسمح للناس بالتعامل رغم بعد المسافات وتعقد المؤسسات.
يعرف زيمل الثقة باعتبارها: حالة وسطى بين المعرفة وعدم المعرفة. فحين يعرف الفرد كل شيء، تتحول الثقة إلى معرفة كاملة، وحين يجهل كل شيء، يجد نفسه أمام مخاطرة عمياء. الثقة تنشأ في المنطقة الوسطى: أعرف ما يكفي لكي أتصرف، وأقبل أن جزءاً من الوضع سيبقى خارج معرفتي المباشرة. بهذا المعنى، الثقة ليست عاطفة بسيطة، بل آلية اجتماعية تسمح بالفعل في عالم معقد. فالطالب يثق في الأستاذ لأنه يعرف موقعه ودوره، والمريض يثق في الطبيب لأنه يعرف مؤهله ومؤسسته، والمواطن يثق في الإدارة حين تعمل وفق قواعد واضحة وقابلة للتتبع.
يمكّننا هذا التصور من فهم أزمات الثقة في السياق المجتمعات ما بعد الحداثة من خلال كثرت الأخبار الزائفة، وتتضارب المعلومات، وضعف الوسائط التقليدية، وتحول الفضاء الرقمي إلى مجال مفتوح للتلاعب، حيث يصبح الإنسان أمام وفرة معلوماتية لا تنتج دائماً معرفة موثوقة. هنا تلتقي أطروحة زيمل مع تحليل مانويل كاستلز لمجتمع الشبكة. فالشبكات الرقمية، في تصور كاستلز، أعادت تشكيل الاقتصاد والسياسة والثقافة عبر تدفقات معلوماتية عابرة للمكان، وخلقت نمطاً جديداً من الاجتماع يقوم على الاتصال المستمر والانتشار السريع. غير أن هذا الاتصال الواسع يضاعف الحاجة إلى الثقة، لأن وفرة الاتصال لا تعني تلقائياً وضوح الحقيقة. كلما تسارعت المعلومة، احتاج المجتمع إلى معايير أقوى للتحقق، وإلى مؤسسات قادرة على إنتاج الثقة، وإلى أفراد يملكون كفاءة نقدية في التمييز بين المعرفة والخداع.
خامساً: التعارف والتحفظ والمجال الحميم للشخصية
يميز زيمل بين المعرفة العميقة والمعرفة التي يسميها التعارف. فالتعارف يعني أن نعرف بوجود شخص ما، أو أن نعرف اسمه وموقعه وصورته العامة، لكنه لا يمنحنا معرفة داخلية بشخصيته. وهذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تكشف جانباً مهماً من الحياة الاجتماعية. فمعظم علاقاتنا اليومية ليست علاقات "حميمية"، بل علاقات تعارف: زملاء، جيران، موظفون، أشخاص نلتقيهم في المناسبات، أو نتابعهم عبر الوسائط الرقمية. في هذه العلاقات، يكون التحفظ ضرورياً، لأن درجة القرب لا تمنح حقاً واسعاً في السؤال أو التأويل أو التدخل.
يربط زيمل التحفظ بما يمكن تسميته العدالة تجاه المجال الخاص. فاحترام الآخر لا يتحقق فقط عبر الامتناع عن إيذائه مادياً، بل عبر احترام المسافة التي تحيط بشخصيته. وهذا المعنى يبدو عميقا، لأنه يحول التحفظ من قاعدة أخلاقية سطحية إلى مبدأ مبني اجتماعيا. فالمجتمع المتحضر يحتاج إلى أن يعرف الناس كيف يضبطون فضولهم، وكيف يميزون بين القرب المشروع والاقتحام، وكيف يحترمون ما يختار الآخر الاحتفاظ به لنفسه.
هكذا اذن، يصبح السر شكلاً من أشكال الكرامة. فالإنسان الذي يمتلك قدرة على الاحتفاظ بجزء من ذاته يملك مجالاً للحرية الداخلية. أما حين تتحول حياته كلها إلى مادة للعرض والتعليق والتقييم، فإنه يفقد المسافة التي تحمي تميزه. وقد أشار زيمل إلى أن لكل شخص دائرة مثالية تحيط به، وأن تجاوزها يجرح قيمته الشخصية. هذه الدائرة تختلف بحسب الأشخاص والعلاقات: فهي أضيق مع القريب، وأوسع مع الغريب؛ أضيق في علاقة الشراكة، وأوسع في علاقة التعارف؛ أضيق حين توجد مسؤولية مشتركة، وأوسع حين يكون الرابط عابراً.
في ذات السياق نجد جيل ليبوفتسكي في كتابه عصر الفراغ بالفردانية المعاصرة. الذي وصف تحولات المجتمع المعاصر من خلال صعود الفرد، وتراجع الالتزامات الجماعية الصلبة، وانتشار ثقافة الاختيار الشخصي والبحث عن الذات والظهور. وبالتالي، يصبح المجال الشخصي موضوعاً متناقضاً: الفرد يطالب بالخصوصية، لكنه يشارك تفاصيل حياته؛ يبحث عن التميز، لكنه يدخل في منطق العرض؛ يريد الاعتراف، لكنه يتعرض لضغط التقييم المستمر. فالسر ليس مجرد بقايا من عالم قديم، بل حاجة مستمرة داخل عالم يوسع العرض ويضاعف الرغبة في الظهور.
يشير باومان في كتابه الحداثة السائلة إلى أن العلاقات في المجتمعات المعاصرة أصبحت أكثر هشاشة وسيولة، وأن الروابط التي كانت تمنح الأفراد استقراراً طويلاً تعرضت للتفكك أو التغير السريع. في عالم كهذا، تصبح الثقة صعبة، لأن العلاقات نفسها تتحرك بسرعة، والالتزامات تخف، والمسافة بين القرب والانفصال تضيق. ومع ذلك، يظل الإنسان محتاجاً إلى الارتباط، وإلى الاعتراف، وإلى الشعور بالأمان.
يقدم زيمل فكرة أساسية مفادها: أن العلاقة تحتاج دائماً إلى توازن بين المعرفة والمسافة. أما باومان فيبين أن هذا التوازن صار أكثر اضطراباً في زمن السيولة. فالعلاقة الرقمية، مثلاً، تمنح انطباعاً بالقرب الفوري: رسائل، صور، حضور دائم، مراقبة متبادلة، معرفة متواصلة بتفاصيل اليوم. غير أن هذا القرب قد يخفي هشاشة الرابط نفسه. فالمعرفة الكثيفة بالآخر، عبر آثاره الرقمية، لا تنتج بالضرورة علاقة أعمق؛ قد تنتج مراقبة، أو قلقاً، أو مقارنة، أو استهلاكاً سريعاً للآخر. وهكذا يصبح فائض المعرفة تهديداً للثقة بدل أن يكون دعامة لها.



#رحال_بن_الصويرة (هاشتاغ)       Ben_Souira_Rahhal#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحياة المشتركة عند تزفيتان تودوروف
- نظريات التحكم الاجتماعي
- قراءة في فيلم pk


المزيد.....




- ترامب يطرح توقعاً بشأن موعد التوصل إلى اتفاق مع إيران
- مباشر: جهود لاحتواء التصعيد في لبنان وترقب لمسار المحادثات م ...
- ضغوط أمريكية على إسرائيل لتثبيت التهدئة في لبنان وترقب لمسار ...
- جلسة أممية طارئة بشأن لبنان.. هذا ما دار فيها
- فرنسا تحظر مشاركة إسرائيل في معرض دولي للأسلحة بباريس
- إيران تعلّق رسائلها مع واشنطن وتلوّح بهرمز وباب المندب.. ما ...
- هذه المجموعة قررت أن تتوقف عن -الاستغراب- قليلا
- ألمانيا تفقد سر تفوقها.. متى تستعيد نموذجها التاريخي؟
- إسرائيل: اعتراض مقذوفين وسقوط هدف جوي -مثير للريبة-
- رئيسة المكسيك تندد بالتدخل الأميركي وتبرئ ترامب


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رحال بن الصويرة - سوسيولوجيا السرية والتنظيمات السرية