نعيمة الرياحي
د.مختصة في الفلسفة الحديثة و المعاصرة
(Naima Riahi)
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 20:48
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
صدر في جوان 2011 عن دار "لارمتان" (L’Harmattan) بباريس مؤلف جديد حول الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو يحمل عنوان" ميشال فوكو، الذاتية والسلطة والإيتيقا" (Michel Foucault, Subjectivité, Pouvoir, Ethique) من تأليف الدكتورة نعيمة الرياحي. وهو كتاب يتكون من 363 صفحة من الحجم المتوسط. ويهدف هذا المؤلف إلى توسيع إمكانيات قراءة الفيلسوف الفرنسي في ضوء رؤية جديدة غير الرؤية الإبستيمولوجية والبنيوية التي عرف بها. كما يعد هذا المؤلف مساهمة عربية تونسية في إثراء الفكر المابعد حداثي . سيّما وأنّ ميشال فوكو فيلسوف فرنسي ساهم في أواخر السيتينات في تونس وبالتحديد بكلية العلوم الإنسانية والإجتماعية بتونس في تنمية الفكر التقدمي الماركسي والممارسة الثورية. فقد كانت أحداث ماي 1968 نتيجة وتجسيدا واقعيا لأفكار فلاسفة معاصرين توجهوا نحو قراءة جديدة للحداثة والتنويرفي ضوء الفكر النقدي الماركسي. ويعتبر فوكو من أهم هؤلاء الفلاسفة إلى جانب جان بول سارتر ولويس ألتوسير ومارسال قوشي وجيل دولوز وغيرهم. وقد انعكست هذه الرؤى الفلسفية على الواقع وحظيت تونس بثمار هذه الثورة بحكم حضور الفكر الفلسفي /الماركسي سواء من خلال ميشال فوكو الذي ساهم في تكوين جيلين على الأقل من أساتذة الفلسفة أو من خلال باقي الفلاسفة الذين تكون عندهم جيل آخر في فرنسا.
كتاب "ميشال فوكو: الذاتية والسلطة والإيتيقا" أراد أن يجسّد في واقع الأمر اعترافا لفوكو بمساهمته الفعالة في إرساء الفكر النقدي والممارساتي للفلسفة المعاصرة في تونس. وهكذا يبرز هذا المؤلف أن الفلسفة مع فوكو قد غادرت حقل الميتافيزيقا التي تغالي في التعميم وتأسيس المقولات المجرّدة دون أن تعير أي إهتمام للواقع الإنساني الجزئي المتغير والمعقد.
لقد كانت الفلسفة تعالج مسألة الإنسان ضمن القول في الوجود وضمن مقولة الحقيقة بصفة عامّة، ولا يتعلّق الأمر هنالك فقط بمواضيع الفلسفة النظرية، بل حتى ما كان يسمى فلسفة عملية، كانت تبحث في الواقع العملي (سواء الإقتصادي أو السياسي أو الأخلاقي) من منظور ميتافيزيقي، ذلك أن الفلسفة النظرية هي التي تؤسس مقولات الفلسفة العملية. فالفلسفة النظرية هي التي تدرك المبادئ العامة للوجود وهي التي توجّه من خلاله الواقع الحسي المتغير.
ولقد ظلّت الفلسفة أفلاطونية إلى حدّ الحداثة حيث نشأ تناول جديد للحقيقة وللواقع من منظور نقدي انطلق من منهج الشك ثم تجذّر من خلال المشروع النقدي الكانطي. في هذا الأفق الجديد وكما يقول ذلك شرّاح كانط انتقل البحث الفلسفي من مسألة الوجود إلى مسألة الذات حيث لم يعد الإنسان أو الذات محلّ تفكير ثانوي تابع للتفكير في الوجود ، بل أصبحت الذاتية مسألة محورية. وكما حصلت الثورة الكوبرنيكية في مستوى العلم حيث بيّن كوبرنيك أن الشمس وليست الأرض هي محور الكون، كشف كانط ومن قبله ديكارت أن الذات هي التي يجب أن تكون محور البحث الفلسفي. ففكر اسبونوزا في الإنفعالات تفكيرا عقلانيا ديكارتيا. واعتبر أن الأهواء على تنوعها تصنف إلى صنفين الأول إيجابي ويعني الزيادة في الوجود والثاني سلبي ويعني النقصان فيه كالحب والكراهية والفرح والحزن وغيرها من الأهواء والعواطف التي تترجم بطريقة أو بأخرى عن الكوناتوس أو الرغبة في الوجود والاستمرار فيه تماما مثلما هو الأمر بالنسبة لأشياء الطبيعة الأخرى التي تخضع لقانون العطالة. أما ماركس فقد كشف عن القوانين الجدلية التي تتحكم في الطبيعة وفي المجتمع وبين كيف يتم استغلال الإنسان وجعله مغتربا مستلب الهوية في واقع اقتصادي تتحكم فيه رؤوس الأموال. وقد استمد فكره من علم الإقتصاد ومن أستاذه هيجل الذي بين أن الذات الإنسانية تغترب في الوجود ثم تعود لتثري ذاتها بعد أن انتزعت الاعتراف من الآخر عن طريق العمل.
من ثمة تأسست الحداثة كفكر نقدي منهجا وتفكير في الإنسان موضوعا. وكتاب " ميشال فوكو : الذاتية والسلطة والإيتيقا"، لا يريد أن يطرح مسألة الذاتية أو الواقع الإنساني لدى فوكو من منطلق حداثي يفكر بنفس الطريقة في نفس المسألة. فإذا كان فوكو سيقوم بذلك، سوف لن يضيف شيئا لما قالته الحداثة. إن الكتاب يريد أن يبين فرادة وطرافة التفكير الفوكولدي في مسألة الذات الإنسانية بعد استثمار المنهج النقدي الهيجلي/ الماركسي وبعدما تطورت العلوم الإنسانية وتطورت تقنيات تدبر الشأن الإنساني وإدارته في النظام البيوسياسي النيوليبيرالي. إنه يريد أن يفكر في تقنيات التحكم في الإنسان من منطلق نقدي فوكولدي. وبعبارة أخرى يريد الكتاب أن يبين أن فوكو استعاد مسألة اغتراب الإنسان وطرق التسلط عليه التي طرحها ماركس ويستعمل المنهج النقدي الذي يستمد جذوره من الكانطية والماركسية بإمضاء أركيولوجي/جينيالوجي/تاريخي.. وهكذا ينزاح فوكو عن التناول الميتافيزيقي المجرد ويضع أفقا جديدا للتفكير يتوجه مباشرة للواقع الإنساني العيني المعقد (1).
لم يكن فوكو مفكرا بالمعنى التقليدي وهو لا يريد أن ينعت باسم الفيلسوف نظرا لأن الفلسفة كميتافيزيقا قديمة مع اليونان أو مع العرب وحتى الفلسفة الحديثة وفلسفة التنوير لا تزال كلها فلسفات ميتافيزيقية تفصل بين النظر والعمل أو بين التفكير والممارسة. ميشال فوكو يفكر ويمارس فكره في نفس الوقت وهو من اللذين لا يؤمنون بأن هنالك مسافة تفصل بين الاثنين. وإذا كان الأمر كذلك فإنه من الطبيعي أن نجده يفكر في الذات الإنسانية العينية كما تعيش أمراضها وجنونها ومعرفتها ومراقبتها ومعاقبتها ورغباتها إلخ....
لم يستعد فوكو الذات الكانطية كذات معرفية أو أخلاقية أو جمالية من منطلق متعالي، بل من منطلق نقدي يتوجه إلى الميتافيزيقا التي تعتبر الإنسان ماهية عقلية ونفس تريد وينظر إلى الأشياء كما لو كانت مواضيع مستقلة بعضها عن البعض. ولم يستعد فوكو مسألة الإنسان من منطلق ماركسي جدلي حيث يتحدد كعامل في البنية الإقتصادية التي تقوم على صراع القوى، بل استعاد مسألة اغتراب الإنسان وتشيئته في أفق أوسع حيث تمارس السلطة لا فقط في ما هو اقتصادي بل في كل الفضاءات وبواسطة تقنيات متطورة واستراتيجيات معقدة خاصة في النظام البيوسياسي / النيوليبيرالي.
لعلنا نقول أن فلسفة فوكو هي فلسفة الذاتية بامتياز فالذات الإنسانية في تصور فوكو تتشكّل من خلال ممارسات خطابية ولاخطابية متعددة وهي منغرسة في علاقات سلطوية وما على الفيلسوف إلا أن يكشف ويفكك بكل الطرق العقلية التأويلية عن هذه الحقيقة. لا يجب أن نفكر في مسألة الذات بصورة منعزلة عن كل ما يشكّلها من ممارسات خارجية إذ هي ليست هوية نفسية فقط ولا هي هوية اجتماعية فقط ولا هي هوية معرفية فقط بل هي كل هذه الهويات مجتمعة متشكلة من قبل السلطة. ومن هذا المنطلق يكون من الضروري إعادة التفكير في مسألة الذات التي طرحتها الحداثة من منطلق جديد .
فوكو ينقد العقلانية الحديثة والمعاصرة لتجاوز العقلي الصرف أو النظري الخالص ويؤسس عقلانية جديدة من خلالها يكون للتفكير الفلسفي معنى آخر غير البرهنة والشك والإستدلال والنقد بمعناه الكانطي أقصد تحديد شروط الإمكان. يجب أن نبدأ بمعرفة تاريخ هذه الذات الإنسانية وممارساتها المختلفة، ويجب أن ننقد طرق تشكّل هذه الذات ونبيّن إلى أي مدى تكون هذه الذات المتشكلة / المغتربة تكون قادرة على صنع ذاتها كذات حرة. يعني يجب أن نتخلى عن أنماط الذاتية التي فرضت علينا ونشرع في التحرر وتشكيل ذواتنا من تلقاء أنفسنا أولا وهو ما تعنيه الهوية اليونانية التي تقوم عليها كل الإيتيقا. وبالتالي فإن السلطة الجديدة يجب أن تتحدد كسلطة الذات على نفسها لا كسلطة خارجية . وهكذا فالذات تصنع لنفسها هوية متحررة من خلال مقولات العناية بالذات والبارازيا : البوح بالحقيقة حتى وإن كان الأمر يتعلق برغباتنا وأهوائنا الحميمة أي الصراحة في قول الحقيقة وكشف الرغبة والهوى.
وهكذا لن تكون السلطة شيئا سلبيا لأنها ليست مفروضة من الخارج ، إنها سلطة الذات على ذاتها أولا وقبل كل شيء. الإنسان لن يخضع بل سيتحرر لأنه من ذاته يستند كل السلطة . إن الأمر ها هنا يتعلق بالهوية الإيتيقية التي تتعالى عن كل اغتراب وعن كل ماهية ثابتة متعينة إلى الأبد وتتحدد كتجاوز مستمر لكل أشكال الخضوع والهيمنة والتحديد.
ولكن هذه الذات التي تبدو ذاتا بالمعنى النيتشوي ليست متمردة بإطلاق وليست عدمية كما يمكن أن نتصورها بشكل متسرع. إنها بالعكس ذات واعية بانتمائها إلى المجموعة وقادرة على التحكم في أهوائها وتعتني برغباتها وهي بذلك تكون مثالا لكل إيتيقا ممكنة . إن الذات الفوكولدية هي الذات اليونانية التي تنطلق من المبدأ الأبيقوري لإقتصاد الملذات حيث لا إفراط في طلب اللذة ولا تفريط في أي لذة ولا تطلب كل لذة ولا يتجنب أي الم. من هنا تكون الذات أوبالأحرى الهوية الإيتيقية هوية اجتماعية أيضا وبالتالي هوية داخل المدينة وفي الفضاء البيوسياسي أيضا.
هكذا تبدو الفلسفة الفوكولدية فلسفة الذات الإنسانية ولكن ليس بالمعنى الديكارتي ولا بالمعنى الكانطي ولا بالمعنى الماركسي التقليدي. ولكن يمكن القول أن فوكو من منطلق كانطي / ماركسي جديد، حاول أن يفكر في الإنسان وفي طرق التسلط عليه واستغلاله بتقنيات متطورة واستراتيجيات معقلنة إلى أقصى الحدود مطورا في نفس الوقت المنهج النقدي الكانطي والماركسي ليكون تأويلا أركيولوجيا وتاريخيا وجينيالوجيا ينتهي إلى جمالية انطولوجية على النمط الإغريقي.
مؤلف "ميشال فوكو: الذات والسلطة والإيتيقا" يعالج كل هذه الأفكار بدءا بالكشف عن حقيقة المنهج الأركيولوجي وانغراس مسألة الذات في الممارسة المعرفية/السلطوية وكيف قلب فوكو مفهوم الحقيقة والممارسة والخطاب والنظرية وكشف عن موت الإنسان او تفتت مقولة الذات في العلوم الانسانية ثم كيف تمارس السلطة على الانسان من خلال التعذيب والعقوبة السجنية والضبط والتطبيع والاقصاء والتذويت وكيف تطورت هذه التقنيات لتتحول الى استراتيجيات بيوسياسية أو بيوسلطوية من خلال تدبير حياة السكان وتنظيم اقتصادهم واستهلاكهم وانتاجهم و"العناية" بصحتهم ثم الكشف عن طرق القيادة المعاصرة.
وانطلاقا من معالجة هذه المسائل تنبني أطروحة الكتاب التي تتحدد بما هي كشف عن التجاوز الفوكولدي للطرح الحداثي والتنويري لمسألة الذات الإنسانية. ففوكو يستعيد الحداثة منهجا (النقد) وموضوعا ( الذات) ويستشمر فلسفة القرن التاسع عشر – هيجل وماركس- التي تبحث في الإغتراب الإجتماعي/ الإقتصادي للإنسان ليفكر في الذات الإنسانية بمنهج نقدي اركيولوجي/ تاريخي / جينيالوجي يكشف ويؤول الممارسات السلطوية المعقدة التي شكّلت الذات الإنسانية ويبين الأفق الإيتيقي الذي سيسمح بتحررهذه الذات من خلال مراجعة مفهوم السلطة وتأسيس دلالة جديدة للقيادة حيث تنقلب قيادة الآخر إلى قيادة الذات أولا فالحاكم الجيد هو الذي يكون مثالا لحسن القيادة بصفة عامة . هكذا تتوضّح حقيقة الممارسة الإيتيقية التي تتماهى مع الجماليات أي ما يسميه فوكو إستيتيقا الوجود وتكون هي الأرضية التي تقوم عليها كل ممارسة سلطوية.
هوامش
1- في أغلب كتبه وأخص بالذكر الكتب التاريخية كتاريخ الجنون أو المراقبة والمعاقبة أو ولادة السجن ومولد العيادة وتاريخ الجنسانية ، كل هذه الكتب ينساق بنا فوكو وراء تواريخ وأحداث عينية وكأنه مؤرخ عادي حتى نكاد ننسى أنه فيلسوف ولكن الهدف الحقيقي من وراء ذلك التأريخ هو تبيان التقنيات والطرق التي تمارس بها السلطة على الإنسان.
#نعيمة_الرياحي (هاشتاغ)
Naima__Riahi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟