نعيمة الرياحي
د.مختصة في الفلسفة الحديثة و المعاصرة
(Naima Riahi)
الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 01:38
المحور:
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
لقد حظيت بشرف أن أكون زميلة و صديقة و رفيقة الشهيد نبيل البركاتي، الذي سيظلّ إسمه علامة وضّاءة في تاريخنا النضالي، لقد كنا من بين أؤلئك اللذين وضعوا تلك الحلقات النضالية الأولى والأساسية التي لا بدّ منها لنعيش اليوم حدث الثورة.
سأحاول ضمن هذا النص استحضار ذاكرة لا يمكن للزمن أن يأتي عليها، رغم أن المسافة الزمنية قد طال عهدها فقد فاتت الربع قرن، و لكن الذكرى ما زالت راسخة و لن تمّحي.
ساحاول أن أكتب عن الشهيد، كإنسان و كمناضل. جمعنا المكان وهو المعهد الثانوي بتبرسق و لكن ليس المكان فقط بل جمعنا الزمان أيضا بداية الثمانينات وهو ليس زمانا رياضيا بقدر ما هو زمان النضال، من إجل إسترجاع حقوق العمال الكادحين. جمعتنا أفكار ومبادئ تقدمية لا تزال إلى اليوم تحتفظ بأصالتها و بجدارتها كبديل عن سياسة الخضوع والقبول بالأمر الواقع و إستنزاف مقدّرات الشعب. كنا ولا نزال اوفياء لمبادئنا ونعتقد بانّ العبودية والضعف هي من جنس الأخلاق الإجتماعية التي تفرضها بعض الطبقات المهيمنة على الطبقات المهيمن عليها وتجعلها تؤمن بها كما لو انّها اشياء طبيعية لا يمكن ان تتحرّر منها. وكنا نعتقد ولا نزال نعتقد الى الآن أنّه - على عكس ما تروّجه الطبقات المهيمنة من آراء تأخذ مظهر الحقائق- بان ما هو إنساني هو الممكن دوما ولا وجود لضعيف وقوي أو فقير أو غني طبيعيّا، بل القوي يمكن ان يتحول الى ضعيف وكذلك الشأن أيضا بالنسبة للفقير والغني والعكس بالعكس. فلا وجود لماهية انسانية ثابتة او طبيعة محددة ما قبليا. التاريخ هو الذي يسبق كلّ المحددات. ولذلك ناضلنا لأجل فرض فضائل انسانية سليمة وكونية تتجاوز كل تفاوت طبقي أو سياسي أو انثروبولوجي. ناضلنا لنصوّب بعض من حلقات التاريخ الذي وجّه في اتجاه غير سليم لا يحترم إنسانية الإنسان على ان تواصل الأجيال اللاحقة نفس المهمّة. تلك هي أهم الأفكار التي إستشهد من أجلها نبيل بركاتي، فاتحا أمام كل القوى التقدمية نهجا نضاليا جديدا لا يبالي بالحياة من أجل المبادئ و القيم النبيلة.أو هو لا يرى تحديدا آخر للحياة غير التحديد العادل الذي يرمي الى اقامة إنسانية الإنسان.
لقد كان نبيل زميلا وصديقا ورفيقا. كان اسمه يحمل جسمه وروحه الزكية النبيلة. تسعة كنا جمعتنا مبادئ ثورية ضد القهر والظلم والفقر وكل اشكال الإستعباد. بدأنا نضالنا يدا واحدة. كنا نجتمع اثناء اوقات فراغنا في احدى قاعات الدرس الشاغرة لنتدارس بعض من كتاب مبادئ الفلسفة لبوليزار او بعض شذرات البيان الشيوعي لماركس . كنّا نخشى ان نمسك متلبسين ولكن جرأتنا وقناعتنا كانت اقوى من خشيتنا وكان مطلبنا الاساسي هو كيف نكوّن نخبة مثقّفة واعية بمشاكل بلدنا وعصرنا في بداية الثمانينات. وكان هنالك ايضا نادي السينما حيث كنا نخرج من المعهد كلّ يوم جمعة لا لنؤدي طقوس الصلاة التقليدية بل لنصلّي بطريقة اخرى هي غير التي الفها العامة. كنا نذهب الى النادي فرحين مهتزين لمناقشة بعض الأفلام التي تعكس ما نفكر فيه فنتفاعل معها ونناقشها ونتصادم ونختلف لكننا في مسار واحد هو كيف نشكّل لدينا وعيا ثوريا حقيقيا بما يحدث في مجتمعنا وفي اقتصادنا وفي ثقافتنا وفي نمط وجودنا. لم تكن هنالك تقاليد ارتكاسية وحتى وان وجدت فنحن كنا نرفضها لانّ الحياة وإرادة الثورة كانت اقوى من كل شيئ لدينا. لم يكن الهدف هو خوض صراع مزيف حول مسائل عقدية او فكرية خالصة بل منذ ذلك الزمن كان الهدف واضحا : الصراع من أجل قلب السلطة لصالح المضطهدين والمستغلّين. لا اذكر ان نبيل كان يناقش مثلا حول مسألة لباس المرأة او خروجها او عملها أو ميراثها ولا اذكر نقاشا خضناه حول مسألة العبادات والبدع والحلال والحرام وغيرها من المسائل التي لا يمكن اعتبارها الاّ امرا شخصيا وليست محل نقاش عمومي. كنا نناقش مسائل عمومية تهم الجميع من حيث حياتهم ومعاشهم اليومي. لقد كانت الفترة حبلى بأفكار عظيمة تم فيما بعد إجهاضها ايّما إجهاض.
كان نبيل متحمّسا لتلك الحلقات وكان يحثنا دوما وبصورة مستمرة على العمل والحضور. تراه ثائرا أينما وجد في المطعم وفي قاعات الدرس وفي قاعات المراجعة، رافضا دوما لكلّ وضع استعبادي. كان يتنفس النضال والثورة حيثما تحرّك. قد درس العلوم واحتضنته كلية الهندسة بتونس. نجحنا امتحان البكالوريا في بداية الثمانينات وبدأت تفرقنا الفضاءات الأكاديمية والسياسية. لم يتخلّ نبيل أبدا عن الروح الثورية التي انطلق بها في التعليم الثانوي يضمنا اللقاء عند كلّ مناسبة ثورية احتفالية.
لازلت اذكر تلك الصورة الحيّة لنبيل في ثورة الخبز سنة 1984. وكان يعي ان الثورة لا بد ان تستمرّ لانّ التغيير لا يكون بالعواطف بل بالمبادئ وان الفقر والظلم لا يزول بشراء الأشجان والأحاسيس بل لا بد ان يكون هنالك وعي ثوري بمعاني الاستغلال والنهب والسرقة. كنا قرأنا تلك المعاني في نصوص ماركس وانجلز ولينين. رأس المال سرقة وإستغلال جهد العامل هو هذه السرقة عينها. التحليل العلمي الإقتصادي هو الذي يدلنا على معنى الظلم والفقر والاستغلال وعلى أنّ فائض القيمة "الذي يذهب إلى خزانة البورجوازي هو استغلال . فلا بد ان يفهم كل الفقراء والعمال هذا الأمر ويتخلّوا عن الوعي الساذج البسيط الذي سرعان ما يقنعه الساسة من أمثال بورقيبة.
اذكر تلك الصورة لنبيل الرفيق والصديق عندما كان يقفز من فوق السيارات، في نهج المنجي سليم الى ان وصل إلى باب بحر وهو ينادي ويحفز الناس إلى الثورة والعصيان وكأنّه يقول لهم : هذه فرصتكم أيّها العمّال، الا هبّوا للمطالبة بحقوقكم بكل كرامة وشجاعة وبسالة.
منذ تلك الفترة كنّا على وعي بأنّ الصراع الحقيقي الذي يجب ان نخوضه هو صراع ضد القوى المهيمنة اقتصاديا والتي تحتل المناصب السياسية فتفرض هيمنتها قانونيا وحقوقيا ولم ننخرط ابدا في صراع مغلوط ومزيف حول مسائل اعتبرنا ان التاريخ قد حسم فيها واتى عليها وولّت دون رجعة. لقد إستشهد نبيل أثناء هذا الصراع وكان ضحية لصراع غير متكافئ بين المضطهد و الجلاّد. ظلّ نبيل صامدا الى حدّ الاستشهاد من أجل المبادئ. وهي خاصيات المتمرّد شانه شأن كل من يؤمن بالحقيقة وشأن من يدرك معاني الالتزام. لكنّ الجلاد كان لا يزال يحمل معاني التعذيب قبل ولادة السجن. كان يعذّب الجسد لأنه خرق تعاليم الحاكم المقدسة ولا بدّ من جلده وقصم جسده. بالفعل هو قضى على جسد فردي ولكنّه لم يكن يدرك أنّه غير قادر على الفضاء على الجسد الجماعي / الإنساني الذي يقدم على الثورة والتضحية من أجل الدفاع عن الحق. كلنا يعرف من هو سقراط الذي اقدم على الموت مقابل الحقيقة.
لقد ترك لنا نبيل كما سقراط كما ابن رشد كما الحلاج وصايا ليس لنا ان نحيد عنها الى الأبد بل انّ الحياد عنها يعتبر خيانة. ان لا نسكت مادمنا مقتنعين بأننا ندافع عن الإنسان وعن الحق. ان الضعف الوحيد هو ان لا نعرف كيف نتدبّر شأن دفاعنا عن المبادئ. فالانصياع الى الحاكم الأقوى الآن لا يعني ابدا اننا أذكياء . بل الذكاء كل الذكاء ان نعرف كيف نقلب الظلم الى عدل حتى في أشد لحظات الحكم بطشا وان نحفظ الكرامة حتى في أشدّ لحظات الفقر والحاجة.
ماي 2012
ملاحظة: نبيل بركاتي مناضل في حزب العمال الشيوعي التونسي استشهد تحت التعذيب في مركز الأمن بمدينة قعفور
#نعيمة_الرياحي (هاشتاغ)
Naima__Riahi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟