أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله الحمد - البراغماتية السياسية. فن تغير المواقف لتحقيق النتائج/دورة وعي امارجي














المزيد.....

البراغماتية السياسية. فن تغير المواقف لتحقيق النتائج/دورة وعي امارجي


عبدالله الحمد

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 02:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


البراغماتية السياسية: فن تغيير المواقف لتحقيق النتائج / دورة وعي امارجي

تُعدّ البراغماتية السياسية المحرك الأساسي لصناعة القرار في العصر الحديث، وهي باختصار "فن تقديم الممكن على المثاليات". فمن خلال قراءة الأحداث التاريخية والمعاصرة، نجد أن المدارس السياسية تتعدد في منطلقاتها ومبادئها، إلا أن السياسة الدولية — وتحديداً بعد الحرب العالمية الثانية — شهدت تحولاً جذرياً لدى القوى العظمى نحو تبني النهج البراغماتي (الواقعي والنفعي).
والبراغماتية في مفهومها المبسط تعني: اتباع أو استخدام الوسائل التي تحقق المصلحة الوطنية والنتائج المطلوبة في المقام الأول. إنها فلسفة تنطلق من الواقع الحالي وكيفية التعامل معه بمرونة، بدلاً من الغرق في التنظير وانتظار تشكّل وضع مثالي قد لا يأتي أبداً. وتتميز البراغماتية بمرونة عالية، وقابلية دائمة للتغيير، والتساهل في المواقف من أجل تحقيق الأهداف العليا، مرتكزة على الواقعية العلمية والنتائج الملموسة. ويعود الفضل في تأصيل هذا الفكر فلسفياً إلى رواد المدرسة البراغماتية الأمريكية: تشارلز ساندرز بيرس، ويليام جيمس، وجون ديوي.
تاريخياً، تجسدت البراغماتية السياسية في محطات مفصلية عديدة، لعل أبرزها ما جرى في الحربين العالميتين:
أولاً: البراغماتية في الحرب العالمية الأولى
انقلاب الموقف الإيطالي (1915): كانت إيطاليا جزءاً من "التحالف الثلاثي" مع ألمانيا والنمسا والمجر. ورغم هذا الالتزام، غيّرت موقفها عام 1915 وانضمت إلى جبهة "الحلفاء" بعد تلقيها وعوداً بامتيازات ترابية ومكاسب سياسية. هنا، قُدِّمت المصلحة الوطنية المباشرة على الوفاء بالتحالف القديم، في تجسيد واضح لسؤال البراغماتية الأزلّي: "ما الذي سنكسبه الآن؟".
تحالف الأضداد الفكرية: شهدت الحرب تحالفاً بين بريطانيا (الملكية الدستورية)، وفرنسا (الجمهورية العلمانية)، وروسيا القيصرية (الحكم الاستبدادي المطلق). ورغم التناقض الأيديولوجي الصارخ بين أنظمة الحكم هذه، فإن الخطر المشترك والمتمثل في التوسع الألماني فرض عليها تعاوناً عملياً، مؤكداً أن الهدف الواقعي يتفوق دائماً على الانسجام الفكري.
ثانياً: البراغماتية في الحرب العالمية الثانية
في هذه الحرب، ظهرت البراغماتية بشكل أوسع وأكثر فجاجة، حيث فرضت الضرورات العسكرية تحالفات غير متوقعة:
معاهدة عدم الاعتداء بين هتلر وستالين (1939): قبل اندلاع الحرب، وقّعت ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي الشيوعي اتفاقية "مولوتوف-ريبنتروب"، رغم العداء العقائدي الشديد بين النازية والشيوعية. كان الهدف براغماتياً بحتاً؛ هتلر أراد تأمين ظهره لتجنب القتال على جبهتين، وستالين أراد كسب الوقت لإعادة بناء جيشه. ورغم أن هتلر نقض الاتفاق لاحقاً وغزا السوفييت عام 1941، إلا أن الاتفاق بحد ذاته يظل نموذجاً صارخاً للنفعية السياسية.
التحالف السوفيتي الأمريكي: بعد الغزو الألماني لروسيا، تحالفت الولايات المتحدة الرأسمالية مع الاتحاد السوفيتي الشيوعي بقيادة جوزيف ستالين. تم تجميد الحرب الباردة الفكرية بين الرأسمالية والشيوعية لمواجهة الخطر الأكبر والوجودي وهو أدولف هتلر، فكانت هزيمة النازية هي النتيجة العملية المقدمة على الخلاف العقائدي.
ولم يتوقف هذا النهج بانتهاء الحروب الشاملة، بل يزداد تجذراً في عالمنا المعاصر لكونه الأداة الأكثر فاعلية لإدارة الأزمات. وتظهر هذه الواقعية الفائقة اليوم في المشهد السياسي الأمريكي، وتحديداً في طريقة إدارة الرئيس دونالد ترامب لملفات السياسة الخارجية؛ فرغم أن الصين وروسيا تُصنفان كأشد المنافسين والخصوم خطورة على مشروع الهيمنة الأمريكية، إلا أن الإدارة البراغماتية تعاملت معهما بلغة المصالح والصفقات المباشرة، محققة نتائج اقتصادية وسياسية ملموسة بعيداً عن شعارات الحروب الباردة التقليدية.
خلاصة
البراغماتية السياسية ليست مجرد غياب للمبادئ أو انتهازية عابرة، بل هي أداة حوكمة واقعية تعترف بأن العلاقات الدولية لا تُدار بالنيات الحسنة أو الشعارات الجامدة، بل بموازين القوى وبالمنافع المتبادلة. إنها الفلسفة التي تحول الأعداء إلى حلفاء مؤقتين، والحلفاء إلى منافسين، بناءً على بوصلة واحدة لا تنحرف: المصلحة الوطنية العليا.
خاتمة
في الختام، يثبت التاريخ — قديمه وحديثه — أن الدول التي تلتزم بالجمود العقائدي والمثاليات الحالمة غالباً ما تجد نفسها خارج حسابات القوة والنفوذ. إن الوعي البراغماتي هو الذي يمنح القادة السياسيين المرونة الكافية للمناورة في عالم دائم التغير ومليء بالتهديدات. وكما توضح أحداث الحاضر، فإن النجاح السياسي في عالم اليوم لا يُقاس بمدى التزام الدول بنظرياتها وفلسفاتها، بل بمدى قدرتها على التكيف مع الواقع وصياغة مواقفها بمرونة تضمن لها البقاء وتحقيق أعلى المكاسب بأقل الخسائر.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الضربه الامريكيه والقرار الخليجي بين حسابات الخوف واستراتيجي ...
- القوى الخفيه في السياسه ومن يصنع القرار الحقيقي ؟/وعي امارجي


المزيد.....




- -عُرضت عليه خيارات لاستئناف القتال-.. مصدر يكشف لـCNN تفاصيل ...
- حراك دبلوماسي قطري لإسناد الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطه ...
- بين تفاؤل ترمب وتشاؤم -سي آي إيه-.. كواليس الخلاف الاستخبارا ...
- هل من مكان للعرب في نظام عالمي جديد منتظر؟
- مقال بمجلة فورين بوليسي: هكذا أساء الغرب فهم نجاح مودي
- -وظائف وهمية وبرمجيات خبيثة-.. خبراء لـCNN: مخطط تجسس إيراني ...
- البنتاغون ينشر فيديوهات جديدة لأجسام مجهولة وجدل متجدد حول ا ...
- غارات إسرائيلية على جنوب وشرق لبنان ومقتل ما لا يقل عن عشرة ...
- الشرطة البريطانية تواصل التحقيق الأمير السابق أندرو ولا تستب ...
- -عودي إلى ديارك يا أمريكا-.. احتجاجات غاضبة في غرينلاند رفضا ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله الحمد - البراغماتية السياسية. فن تغير المواقف لتحقيق النتائج/دورة وعي امارجي