أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الاء عبد الحي جبار - نذور في مهب الريح














المزيد.....

نذور في مهب الريح


الاء عبد الحي جبار

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 19:45
المحور: الادب والفن
    


​وُلدت "حنّة" من رَحم الفجيعة، ففي اللحظة التي كانت فيها الحربُ تحصدُ روح والدها في خندقٍ بعيد، كانت هي تزرعُ صرختها الأولى في جوفِ بيتٍ ريفيٍّ أدمنَ الثكل. كانت "الناجية الوحيدة" من سلسلةِ أجنةٍ أجهضتهم الخيبة، فصارت في عينِ أمّها أيقونةً حيّة، نذرَتْ لها الأمُّ مِحرابَ القريةِ العتيق.
​كلّ عام، كانت الأمُّ تحجُّ نحو المسجدِ حاملةً على رأسها صينيةً تفيضُ بالوعود: حناءٌ معجونةٌ بالدموع، شموعٌ تشتعلُ بالرجاء، وحزمُ "يأسٍ" أخضر يفوحُ بعطر البقاء. كانت تُلطّخُ جدرانَ المسجد بالحناء، كأنما تُثبّتُ عمر ابنتها على الحجر، وتتركُ الشموعَ تقتاتُ على العتمةِ كي تضيءَ دربَ حنّة.

​كبرت حنّة، وصارت في العاشرة. كانت ركضتها في الزقاق تُشبهُ تحرُّرَ الغزلان, تتقافزُ وجدائلُها الطويلة المسداة على ظهرها تشرعُ في الهواء أشرعةً من ليلٍ وسكينة. لكنّ تلك الجدائل، التي طالما تحدّت الريح، بدأت فجأةً تنكسر.

​خيانة الجسد..
​سقطت حنّة وهي تلاحقُ ظلها. ثم سقطت ثانيةً كأنّ الأرضَ صارت مغناطيساً يجذبُ عظامها الهشة. في المدينة، نزعَ الطبيبُ قناعَ الطمأنينة: "إنه النهشُ الصامت.. السرطان".
​بدأت جرعاتُ الكيماوي تغزو جسدها النحيل، فذبلت الوردةُ قبل أوان القطف. الجدائلُ التي كانت تسبحُ في الهواء، بدأت تتساقطُ على الوسادةِ البيضاء كخيوطِ حريرٍ مقطوعة. ومع آخر خصلةٍ غادرت فروة رأسها، غادرت حنّة الحياة، تاركةً خلفها صمتاً يدوّي في أركان البيت.

​النذر الأخير..
​لم تلطم الأمُّ خدّاً، ولم تشقَّ ثوباً. جمعت الجدائلَ الميتة بقداسةٍ، وضعتها في الصينيةِ ذاتها بين الشموع الخامدة والحناء اليابسة. توجّهت نحو المسجد بخُطىً ثقيلة، كأنها تحملُ جثّة الزمن.
​وقفت بباب المسجد، لا لتطلبَ شيئاً، بل لُتنهي العقد. وضعت الصينية عند العتبة، وبصوتٍ يخرجُ من قاعِ بئرٍ مهجور، همست لمسامعِ الجدران:
​"هذه نذورُك.. رُدّت إليك!"
​ومضت تحت المطر، تتركُ خلفها الجدائلَ تذروها الريح، نذراً أخيراً في مهبّ الخسارة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- المؤثرة اللبنانية -يومي- تستقبل مولودها الأول وتكشف عن اسمه ...
- فنانون من أجل وقف إطلاق النار.. تجمع يطالب بإنهاء حرب غزة
- شاهد.. 25 دقيقة من التصفيق الحار لفيلم عن غزة في مهرجان البن ...
- السيناريست المصري هيثم دبور: لا أكتب الأفلام لأغازل الغرب بل ...
- كريم الشناوي مخرجًا للجزء الثاني من فيلم -سهر الليالي-
- محمد قطان.. صوت من زمن التأسيس يرحل وتبقى حكاياته في ذاكرة ا ...
- -100 سنة غنا-.. علي الحجار وعمر خيرت يعيدان فتح خزائن الموسي ...
- للمكان نفسه حكاية أخرى.. ماذا يحدث لذاكرة فضاءات مراكش حين ت ...
- بين الخراب والإبداع، كيف أعادت الحروب تشكيل الثقافة العربية؟ ...
- فيلم -نازا-.. شهادات إسرائيلية تكشف آلية استهداف الأطفال وال ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الاء عبد الحي جبار - نذور في مهب الريح